الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) - القراءة عند عامة العلماء لوجود حد الركن وعلامته وهما ما بينا ، وقال الله - تعالى - : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ، والمراد منه في حال الصلاة ، والكلام في القراءة في الأصل يقع في ثلاث مواضع : أحدها - في بيان فرضية أصل القراءة والثاني - في بيان محل القراءة المفروضة والثالث - في بيان قدر القراءة .

( وأما ) الأول فالقراءة فرض في الصلاة عند عامة العلماء ، وعند أبي بكر الأصم وسفيان بن عيينة ليست بفرض بناء على أن الصلاة عندهما اسم للأفعال لا للأذكار ، حتى قالا : يصح الشروع في الصلاة من غير تكبير ، ( وجه ) قولهما أن قوله تعالى : { أقيموا الصلاة } مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ، ثم قال { صلوا كما رأيتموني أصلي } ، والمرئي هو الأفعال دون الأقوال ; فكانت الصلاة اسما للأفعال ، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال وإن كان قادرا على الأذكار ، ولو كان على القلب لا يسقط وهو الأخرس .

( ولنا ) قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ، ومطلق الأمر للوجوب ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة إلا بقراءة } .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : { صلوا كما رأيتموني أصلي } فالرؤية أضيفت إلى ذاته لا إلى الصلاة ، فلا يقتضي كون الصلاة مرئية ، وفي كون الأعراض مرئية اختلاف بين أهل الكلام مع اتفاقهم على أنها جائزة الرؤية .

والمذهب عند أهل الحق أن كل موجود جائز الرؤية ، يعرف ذلك في مسائل الكلام ، على أنا نجمع بين الدلائل فنثبت فرضية الأقوال بما ذكرنا ، وفرضية الأفعال بهذا الحديث ، وسقوط الصلاة عن العاجز عن الأفعال لكون الأفعال أكثر من الأقوال ، فمن عجز عنها فقد عجز عن الأكثر ، وللأكثر حكم الكل ، وكذا القراءة فرض في الصلوات كلها عند عامة العلماء وعامة الصحابة .

رضي الله عنهم وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لا قراءة في الظهر والعصر لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة النهار عجماء أي ليس فيها قراءة ، إذ الأعجم اسم لمن لا ينطق .

( ولنا ) ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة ، وفي الباب نص خاص وهو ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأبي قتادة الأنصاريين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب لا غير وما روي عن ابن عباس رضي الله عنه فقد صح رجوعه عنه ، فإنه روي أن رجلا سأله وقال : أقرأ خلف إمامي ؟ فقال : أما في صلاة الظهر والعصر فنعم وأما الحديث فقد قال الحسن البصري : معناه لا تسمع فيها قراءة ونحن نقول به ، وهذا إذا كان إماما أو منفردا ، فأما المقتدي فلا قراءة عليه عندنا ، وعند الشافعي يقرأ بفاتحة الكتاب في كل صلاة يخافت فيها بالقراءة قولا واحدا ، وله في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة قولان ، ( واحتج ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا صلاة إلا بقراءة } ، ولا شك أن لكل واحد صلاة على حدة ; ولأن القراءة ركن في الصلاة فلا تسقط بالاقتداء كسائر الأركان [ ص: 111 ] ولنا ) قوله تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } أمر بالاستماع والإنصات ، والاستماع وإن لم يكن ممكنا عند المخافتة بالقراءة فالإنصات ممكن فيجب بظاهر النص ، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الإمام ، وإمامهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه كان بأمره وقال صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور : { إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا } الحديث أمر بالسكوت عند قراءة الإمام .

وأما الحديث فعندنا { لا صلاة بدون قراءة } أصلا ، وصلاة المقتدي ليست بصلاة بدون قراءة أصلا ، بل هي صلاة بقراءة وهي قراءة الإمام على أن قراءة الإمام قراءة للمقتدي ، قال النبي صلى الله عليه وسلم { من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة } ، ثم المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين ، فأما قراءة الفاتحة والسورة عينا في الأوليين فليست بفريضة ولكنها واجبة على ما يذكر في بيان واجبات الصلاة ( وأما ) بيان محل القراءة المفروضة فمحلها الركعتان الأوليان عينا في الصلاة الرباعية هو الصحيح من مذهب أصحابنا .

وقال بعضهم : ركعتان منها غير عين وإليه ذهب القدوري وأشار في الأصل إلى القول الأول ، فإنه قال : إذا ترك القراءة في الأوليين يقضيها في الأخريين ، فقد جعل القراءة في الأخريين قضاء عن الأوليين فدل أن محلها الأوليان عينا .

وقال الحسن البصري : المفروض هو القراءة في ركعة واحدة ، وقال مالك : في ثلاث ركعات .

وقال الشافعي : في كل ركعة احتج الحسن بقوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار

فإذا قرأ في ركعة واحدة فقد امتثل أمر الشرع .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة إلا بقراءة } ، أثبت الصلاة بقراءة وقد وجدت القراءة في ركعة فثبتت الصلاة ضرورة ، وبهذا يحتج الشافعي إلا أنه يقول : اسم الصلاة ينطلق على كل ركعة فلا تجوز كل ركعة إلا بقراءة لقوله صلى الله عليه وسلم { لا صلاة إلا بقراءة } ; ولأن القراءة في كل ركعة فرض في النفل ففي الفرض أولى ; لأنه أقوى ; ولأن القراءة ركن من أركان الصلاة ، ثم سائر الأركان من القيام والركوع والسجود فرض في كل ركعة فكذا القراءة ، وبهذا يحتج مالك إلا أنه يقول : القراءة في الأكثر أقيمت مقام القراءة في الكل تيسيرا .

( ولنا ) إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، فإن عمر رضي الله عنه ترك القراءة في المغرب في إحدى الأوليين فقضاها في الركعة الأخيرة وجهر وعثمان رضي الله عنه ترك القراءة في الأوليين من صلاة العشاء فقضاها في الأخريين وجهر ، وعلي وابن مسعود رضي الله عنهما كانا يقولان : المصلي بالخيار في الأخريين ، إن شاء قرأ وإن شاء سكت وإن شاء سبح ، وسأل رجل عائشة رضي الله عنها عن قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت : ليكن على وجه الثناء ولم يرو عن غيرهم خلاف ذلك ، فيكون ذلك إجماعا ; ولأن القراءة في الأخريين ذكر يخافت بها على كل حال فلا تكون فرضا ، كثناء الافتتاح ، وهذا لأن مبنى الأركان على الشهرة والظهور ، ولو كانت القراءة في الأخريين فرضا لما خالفت الأخريان الأوليين في الصفة كسائر الأركان وأما الآية فنحن ما عرفنا فرضية القراءة في الركعة الثانية بهذه الآية بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرناه ، والثاني أنا ما عرفنا فرضيتها بنص الأمر بل بدلالة النص ; لأن الركعة الثانية تكرار للأولى ، والتكرار في الأفعال إعادة مثل الأول ، فيقتضي إعادة القراءة ، بخلاف الشفع الثاني ; لأنه ليس بتكرار الشفع الأول بل هو زيادة عليه ، قالت عائشة رضي الله عنها : الصلاة في الأصل ركعتان ، زيدت في الحضر وأقرت في السفر ، والزيادة على الشيء لا يقتضي أن يكون مثله ، ولهذا اختلف الشفعان في وصف القراءة من حيث الجهر والإخفاء ، وفي قدرها وهو قراءة السورة ، فلم يصح الاستدلال ، على أن في الكتاب والسنة بيان فرضية القراءة وليس فيهما بيان قدر القراءة المفروضة .

وقد خرج فعل الصحابة رضي الله عنهم على مقدار فيجعل بيانا لمجمل الكتاب والسنة بخلاف التطوع ; لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة ، حتى أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول بخلاف الفرض - والله أعلم - وأما في الأخريين فالأفضل أن يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ، ولو سبح في كل ركعة ثلاث تسبيحات مكان فاتحة الكتاب أو سكت - أجزأته صلاته ، ولا يكون مسيئا إن كان عامدا ، ولا سهو عليه إن كان ساهيا ، كذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه مخير بين [ ص: 112 ] قراءة الفاتحة والتسبيح والسكوت ، وهذا جواب ظاهر الرواية ، وهو قول أبي يوسف ومحمد الحسن عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه إن ترك الفاتحة عامدا كان مسيئا ، وإن كان ساهيا فعليه سجدتا السهو ، والصحيح جواب ظاهر الرواية لما روينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان : إن المصلي بالخيار في الأخريين ، إن شاء قرأ وإن شاء سكت وإن شاء سبح وهذا باب لا يدرك بالقياس فالمروي عنهما كالمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث