الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما عمل سلام السهو أنه هل يبطل التحريمة أم لا ؟ فقد اختلف فيه ، قال محمد وزفر : لا يقطع التحريمة أصلا ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف الأمر موقوف : إن عاد إلى سجدتي السهو وصح عوده إليهما تبين أنه لم يقطع ، وإن لم يعد تبين أنه قطع ، حتى لو ضحك بعد ما سلم قبل أن يعود إلى سجدتي السهو لا تنتقض طهارته عندهما .

وعند محمد وزفر تنتقض ، ومن مشايخنا من قال : لا توقف في انقطاع التحريمة بسلام السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف بل تنقطع من غير توقف ، وإنما التوقف عندهما في عود التحريمة ثانيا ، إن عاد إلى سجدتي تعد وإلا فلا ، وهذا أسهل لتخريج المسائل ، والأول وهو التوقف في بقاء التحريمة ، وبطلانها أصح ; لأن التحريمة تحريمة واحدة فإذا بطلت لا تعود إلا بإعادة ، ولم توجد .

( وجه ) قول محمد وزفر أن الشرع أبطل عمل سلام من عليه سجدتا السهو ; لأن سجدتي السهو يؤتى بهما في تحريم الصلاة ; لأنهما شرعتا لجبران النقصان ، وإنما ينجبر إن حصلتا في تحريمة الصلاة ، ولهذا يسقطان إذا وجد بعد القعود قدر التشهد ما ينافي التحريمة ، ولا يمكن تحصيلهما في تحريمة الصلاة إلا بعد بطلان عمل هذا السلام ، فصار وجوده وعدمه في هذه الحالة بمنزلة ، ولو انعدم حقيقة كانت التحريمة باقية ، فكذا إذا التحق بالعدم .

ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن السلام جعل محللا في الشرع ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : وتحليلها ، التسليم ، والتحليل ما يحصل به التحلل ، ولأنه خطاب للقوم فكان من كلام الناس ، وإنه مناف للصلاة ، غير أن الشرع أبطل عمله في هذه الحالة لحاجة المصلي إلى جبر النقصان ، ولا ينجبر إلا عند وجود الجابر في التحريمة ليلتحق الجابر بسبب بقاء التحريمة لمحل النقصان فيجبر النقصان ، فنفينا التحريمة مع وجود المنافي لها لهذه الضرورة ، فإن اشتغل بسجدتي السهو وصح اشتغاله بهما تحققت الضرورة إلى بقاء التحريمة فبقيت ، وإن لم يشتغل لم تتحقق الضرورة فيعمل السلام في الإخراج عن الصلاة ، وإبطال التحريمة عمله .

ويبنى على هذا الأصل ثلاث مسائل : إحداها : إذا قهقه قبل العود إلى السجود بعد السلام تمت صلاته وسقط عنه السهو بالإجماع ، ولا تنتقض طهارته عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وهو قول زفر بناء على أصله في القهقهة : أنها في كل موضع لا توجب فساد الصلاة لا توجب انتقاض الطهارة ، كما إذا قعد قدر التشهد الأخير قبل السلام ، وعند محمد تنتقض طهارته .

والثانية إذا سلم وعليه سجدتا السهو ، فجاء رجل فاقتدى به قبل أن يعود إلى السجود - فاقتداؤه موقوف عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، فإن عاد إلى السجود صح وإلا فلا ، وعند محمد وزفر صح اقتداؤه به عاد أو لم يعد ، وقال بشر : لا يصح اقتداؤه به عاد أو لم يعد ، فكأنه جعل السلام قاطعا للتحريمة جزما .

والثالثة : المسافر إذا سلم على رأس الركعتين في ذوات الأربع وعليه سهو فنوى الإقامة قبل أن يعود إليه - لا ينقلب فرضه أربعا ويسقط عنه السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد وزفر ينقلب فرضه أربعا وعليه سجدتا السهو لكنه يؤخرهما إلى آخر الصلاة ، وأجمعوا على أنه لو عاد إلى سجود السهو ثم اقتدى به - رجل يصح اقتداؤه به ، إلا عند بشر .

وكذلك لو قهقه في هذه الحالة تنتقض طهارته إلا عند زفر .

وكذلك لو نوى الإقامة في هذه [ ص: 175 ] الحالة ينقلب فرضه أربعا ويؤخر سجود السهو إلى آخر الصلاة ، سواء نوى الإقامة بعد ما سجد سجدة واحدة أو سجدتين ، ثم لا يفترق الحال في سجود السهو سيما إذا سلم وهو ذاكر له ، أو ساه عنه ومن نيته أن يسجد له أو لا يسجد حتى لا يسقط عنه في الأحوال كلها ; لأن محله بعد السلام إلا إذا فعل فعلا يمنعه من البناء بأن تكلم أو قهقه أو أحدث متعمدا أو خرج عن المسجد أو صرف وجهه عن القبلة وهو ذاكر له ; لأنه فات محله وهو تحريمة الصلاة ، فيسقط ضرورة فوات محله ، وكذا إذا طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر أو احمرت في صلاة العصر سقط عنه السهو ; لأن السجدة جبر للنقص المتمكن فيجري مجرى القضاء ، وقد وجبت كاملة فلا يقضى الناقص .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث