الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان من يجب عليه سجود السهو ومن لا يجب عليه سجود السهو

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان من يجب عليه سجود السهو ومن لا يجب عليه فسجود السهو ، يجب على الإمام وعلى المنفرد مقصودا لتحقق سبب الوجوب منهما وهو السهو ، فأما المقتدي إذا سها في صلاته فلا سهو عليه ; لأنه لا يمكنه السجود ; لأنه إن سجد قبل السلام كان مخالفا للإمام ، وإن أخره إلى ما بعد سلام الإمام يخرج من الصلاة بسلام الإمام ; لأنه سلام عمد ممن لا سهو عليه ، فكان سهوه فيما يرجع إلى السجود ملحقا بالعدم لتعذر السجود عليه ، فسقط السجود عنه أصلا ، وكذلك اللاحق وهو المدرك لأول صلاة الإمام إذا فاته بعضها بعد الشروع بسبب النوم أو الحدث السابق ، بأن نام خلف الإمام ثم انتبه وقد سبقه الإمام بركعة أو فرغ من صلاته ، أو سبقه الحدث فذهب وتوضأ وقد سبقه الإمام بشيء من صلاته أو فرغ عنها - فاشتغل بقضاء ما سبق به فسها فيه - لا سهو عليه ; لأنه في حكم المصلي خلف الإمام ، ألا ترى أنه لا قراءة عليه .

وأما المسبوق إذا سها فيما يقضي وجب عليه السهو ; لأنه فيما يقضي بمنزلة المنفرد ، ألا ترى أنه يفترض عليه القراءة ؟ .

وأما المقيم إذا اقتدى بالمسافر ثم قام إلى إتمام صلاته وسها هل يلزمه سجود السهو ؟ ذكر في الأصل وقال : إنه يتابع الإمام في سجود السهو وإذا سها فيما يتم فعليه سجود السهو أيضا ، وذكر الكرخي في مختصره أنه كاللاحق لا يتابع الإمام في سجود السهو وإذا سها فيما يتم لا يلزمه سجود السهو ; لأنه مدرك لأول الصلاة فكان في حكم المقتدي فيما يؤديه بتلك التحريمة كاللاحق ، ولهذا لا يقرأ كاللاحق ، والصحيح ما ذكر في الأصل ; لأنه ما اقتدى بإمامه إلا بقدر صلاة الإمام ، فإذا انقضت صلاة الإمام صار منفردا فيما وراء ذلك ، وإنما لا يقرأ فيما يتم ; لأن القراءة فرض في الأوليين ، وقد قرأ الإمام فيهما فكانت قراءة له ، وسهو الإمام يوجب السجود عليه وعلى المقتدي ; لأن متابعة الإمام واجبة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : { تابع إمامك على أي حال وجدته } ولأن المقتدي تابع للإمام ، والحكم في التبع ثبت بوجود السبب في الأصل فكان سهو الإمام سببا لوجوب السهو عليه وعلى المقتدي ، ولهذا لو سقط عن الإمام بسبب من الأسباب بأن تكلم أو أحدث متعمدا أو خرج من المسجد يسقط عن المقتدي ، وكذلك اللاحق يسجد لسهو الإمام إذا سها في حال نوم اللاحق ، أو ذهابه إلى الوضوء ; لأنه في حكم المصلي خلفه ، ولكن لا يتابع الإمام في سجود السهو إذا انتبه في حال اشتغال الإمام بسجود السهو ، أو جاء إليه من الوضوء في هذه الحالة ، بل يبدأ بقضاء ما فاته ثم يسجد في آخر صلاته ، بخلاف المسبوق أو المقيم خلف المسافر حيث تابع الإمام في سجود السهو ثم يشتغل بالإتمام .

( والفرق ) أن اللاحق التزم متابعة الإمام فيما اقتدى به على نحو ما فصل الإمام ، وأنه اقتدى به في حق جميع الصلاة فيتابعه في جميعها على نحو ما يؤدي الإمام ، والإمام أدى الأول فالأول وسجد لسهوه في آخر صلاته فكذا هو ، فأما المسبوق فقد التزم بالاقتداء به متابعته بقدر ما هو صلاة الإمام وقد أدرك هذا القدر فيتابعه فيه ثم ينفرد ، وكذا المقيم المقتدي بالمسافر .

ولو سجد اللاحق مع الإمام للسهو تابعه فيه لم يجزه ; لأنه سجد قبل أوانه في حقه فلم يقع معتدا به ، فعليه أن يعيد إذا فرغ من قضاء ما عليه ، ولكن لا تفسد صلاته ; لأنه ما زاد إلا سجدتين بخلاف المسبوق إذا تابع الإمام في سجود السهو ثم تبين أنه لم يكن على الإمام سهو - حيث تفسد صلاة المسبوق إذا تابع الإمام وما زاد إلا سجدتين ; لأن من الفقهاء من قال : لا تفسد صلاة المسبوق على ما نذكره ، ثم الفرق أن فساد الصلاة هناك ليس لزيادة السجدتين بل للاقتداء في موضع كان عليه الانفراد في ذلك الموضع ، ولم يوجد ههنا ; لأن اللاحق مقتد في جميع ما يؤدي ، فلهذا لم تفسد صلاته ، وكذلك المسبوق يسجد [ ص: 176 ] لسهو الإمام سواء كان سهوه بعد الاقتداء به أو قبله بأن كان مسبوقا بركعة وقد سها الإمام فيها وعن إبراهيم النخعي أنه لا يسجد لسهوه أصلا ; لأن محل السهو بعد السلام وأنه لا يتابعه في السلام ، فلا يتصور المتابعة في السهو .

( ولنا ) أن سجود السهو يؤدى في تحريمة الصلاة فكانت الصلاة باقية ، وإذا بقيت الصلاة بقيت التبعية فيتابعه فيما يؤدي من الأفعال ، بخلاف التكبير ، والتلبية حتى لا يلبي المسبوق ، ولا يكبر مع الإمام في أيام التشريق ; لأن التكبير والتلبية لا يؤديان في تحريمة الصلاة ، ألا ترى أنه لو ضحك قهقهة في تلك الحالة لا تنتقض طهارته .

ولو اقتدى به إنسان لا يصح ؟ بخلاف سجدتي السهو فإنهما يؤديان في تحريمة الصلاة بخلاف انتقاض الطهارة بالقهقهة ، وصح الاقتداء به في تلك الحالة .

( فإن ) قيل : ينبغي أن لا يسجد المسبوق مع الإمام ; لأنه ربما يسهو فيما يقضي فيلزمه السجود أيضا فيؤدي إلى التكرار ، وإنه غير مشروع ; ولأنه لو تابعه في السجود يقع سجوده في وسط الصلاة وذا غير صواب - ( فالجواب ) أن التكرار في صلاة واحدة غير مشروع ، وهما صلاتان حكما وإن كانت التحريمة واحدة ; لأن المسبوق فيما يقضي كالمنفرد ، ونظيره المقيم إذا اقتدى بالمسافر فسها الإمام يتابعه المقيم في السهو ، وإن كان المقتدي ربما يسهو في إتمام صلاته ، وعلى تقدير السهو يسجد في أصح الروايتين على ما مر ، لكن لما كان منفردا في ذلك كانا صلاتين حكما وإن كانت التحريمة واحدة كذا ههنا ، ثم المسبوق إنما يتابع الإمام في السهو دون السلام ، بل ينتظر الإمام حتى يسلم فيسجد فيتابعه في سجود السهو لا في سلامه .

وإن سلم فإن كان عامدا تفسد صلاته ، وإن كان ساهيا لا تفسد ، ولا سهو عليه ; لأنه مقتد ، وسهو المقتدي باطل ، فإذا سجد الإمام للسهو يتابعه في السجود ويتابعه في التشهد ، ولا يسلم إذا سلم الإمام ; لأن هذا السلام للخروج عن الصلاة وقد بقي عليه أركان الصلاة فإذا سلم مع الإمام فإن كان ذاكرا لما عليه من القضاء فسدت صلاته ; لأنه سلام عمد ، وإن لم يكن ذاكرا له لا تفسد ; لأنه سلام سهو فلم يخرجه عن الصلاة .

وهل يلزمه سجود السهو لأجل سلامه ؟ ينظر إن سلم قبل تسليم الإمام أو سلما معا لا يلزمه ; لأن سهوه سهو المقتدي ، وسهو المقتدي متعطل ، وإن سلم بعد تسليم الإمام لزمه ; لأن سهوه سهو المنفرد فيقضي ما فاته ثم يسجد للسهو في آخر صلاته .

ولو سها الإمام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه فيهما الطائفة الثانية .

وأما الطائفة الأولى فإنما يسجدون بعد الفراغ من الإتمام ; لأن الطائفة الثانية بمنزلة المسبوقين ، إذ لم يدركوا مع الإمام أول الصلاة ، والطائفة الأولى بمنزلة اللاحقين لإدراكهم أول صلاة الإمام .

ولو قام المسبوق إلى قضاء ما سبق به ولم يتابع الإمام في السهو - سجد في آخر صلاته استحسانا ، والقياس أن يسقط ; لأنه منفرد فيما يقضى ، وصلاة المنفرد غير صلاة المقتدي فصار كمن لزمته السجدة في صلاة فلم يسجد حتى خرج منها ودخل في صلاة أخرى ، لا يسجد في الثانية بل يسقط كذا هذا .

وجه الاستحسان : أن التحريمة متحدة ، فإن المسبوق يبني ما يقضى على تلك التحريمة ، فجعل الكل كأنها صلاة واحدة لاتحاد التحريمة ، وإذا كان الكل صلاة واحدة وقد تمكن فيها النقصان بسهو الإمام ، ولم يجبر ذلك بالسجدتين فوجب جبره ، وقد خرج الجواب عن وجه القياس أنه منفرد في القضاء ; لأنا نقول : نعم في الأفعال ، أما هو مقتد في التحريمة ، ألا ترى أنه لا يصح اقتداء غيره ؟ فجعل كأنه خلف الإمام في حق التحريمة .

ولو سها فيما يقضي ولم يسجد لسهو الإمام كفاه سجدتان لسهوه ولما عليه من قبل الإمام ; لأن تكرار السهو في صلاة واحدة غير مشروع ولو سجد لسهو الإمام ثم سها فيما يقضي فعليه السهو لما مر أن ذلك إذا سهوان في صلاتين حكما ، فلم يكن تكرارا .

ولو أدرك الإمام بعد ما سلم للسهو فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه : أما إن أدركه قبل السجود ، أو في حال السجود ، أو بعد ما فرغ من السجود فإن أدركه قبل السجود أو في حال السجود يتابعه في السجود ; لأنه بالاقتداء التزم متابعة الإمام فيما أدرك من صلاته ، وسجود السهو من أفعال صلاة الإمام فيتابعه فيه ، وليس عليه قضاء السجدة الأولى إذا أدركه في الثانية ; لأن المسبوق لم يوجد منه السهو .

وإنما يجب عليه السجود لسهو الإمام لتمكن النقص في تحريمة الإمام ، وحين دخل في صلاة الإمام كان النقصان بقدر ما يرتفع بسجدة واحدة ، وهو قد أتى بسجدة واحدة فانجبر النقص فلا يجب عليه شيء آخر ، بخلاف ما إذا اقتدى به قبل أن يسجد شيئا ، ثم لم يتابع إمامه وقام وأتم صلاته حيث يسجد السجدتين استحسانا ; لأن [ ص: 177 ] هناك اقتدى بالإمام وتحريمته ناقصة نقصانا لا ينجبر إلا بسجدتين ، وبقي النقصان لانعدام الجابر فيأتي به في آخر الصلاة لاتحاد التحريمة على ما مر .

وإن أدركه بعد ما فرغ من السجود صح اقتداؤه به ، وليس عليه السهو بعد فراغه من صلاة نفسه لما ذكرنا أن وجوب السجود على المسبوق بسبب سهو الإمام لتمكن النقص في تحريمة الإمام ، وحين دخل في صلاة الإمام كان النقص انجبر بالسجدتين ، ولا يعقل وجود الجابر من غير نقص والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث