الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما الذي يؤتى به بعد الفراغ من الافتتاح فنقول : إذا فرغ من تكبيرة الافتتاح يضع يمينه على شماله والكلام فيه في أربعة مواضع ، أحدها في أصل الوضع ، والثاني في وقت الوضع ، والثالث في محل الوضع ، والرابع في كيفية الوضع .

أما الأول قال عامة العلماء : إن السنة هي وضع اليمين على الشمال ، وقال مالك : السنة هي الإرسال .

وجه قوله أن الإرسال أشق على البدن ، والوضع للاستراحة دل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال : إنهم كانوا يفعلون ذلك مخافة اجتماع الدم في رءوس الأصابع ; لأنهم كانوا يطيلون الصلاة وأفضل الأعمال أحمزها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { ثلاث من سنن المرسلين ، تعجيل الإفطار ، وتأخير السحور ، وأخذ الشمال باليمين في الصلاة } .

وفي رواية وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة وأما وقت الوضع فكلما فرغ من التكبير في ظاهر الرواية وروي عن محمد في النوادر أنه يرسلهما حالة الثناء فإذا فرغ منه يضع بناء على أن الوضع سنة القيام الذي له قرار في ظاهر المذهب وعن محمد سنة القراءة وأجمعوا على أنه لا يسن الوضع في القيام المتخلل بين الركوع والسجود ; لأنه لا قرار له ولا قراءة فيه ، والصحيح جواب ظاهر الرواية ; لقوله صلى الله عليه وسلم { إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة } من غير فصل بين حال وحال فهو على العموم إلا ما خص بدليل ، ولأن القيام من أركان الصلاة والصلاة خدمة الرب تعالى وتعظيم له والوضع في التعظيم أبلغ من الإرسال كما في الشاهد فكان أولى .

وأما القيام المتخلل بين الركوع والسجود في صلاة الجمعة والعيدين فقال : بعض مشايخنا الوضع أولى ; لأن له ضرب قرار .

وقال بعضهم : الإرسال أولى ; لأنه كما يضع يحتاج إلى الرفع فلا يكون مفيدا .

وأما في حال القنوت فذكر في الأصل إذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه حذاء أذنيه ناشرا أصابعه ثم يكفهما قال أبو بكر الإسكاف : معناه يضع يمينه على شماله ، وكذلك روي عن أبي حنيفة ومحمد أنه يضعهما كما يضع يمينه على يساره في الصلاة ، وذكر الكرخي والطحاوي أنه يرسلهما في حالة القنوت وكذا روي عن أبي يوسف واختلفوا في تفسير الإرسال ، قال بعضهم : لا يضع يمينه على شماله ، ومنهم من قال : لا بل يضع ومعنى الإرسال أن لا يبسطهما ، كما روي عن أبي يوسف أنه يبسط يديه بسطا في حالة القنوت وهو الصحيح ; لعموم الحديث الذي روينا ; ولأن هذا قيام في الصلاة له قرار فكان الوضع فيه أقرب إلى التعظيم فكان أولى .

وأما في صلاة الجنازة فالصحيح أيضا أن يضع لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { صلى على جنازة ووضع يمينه على شماله تحت السرة } ولأن الوضع أقرب إلى التعظيم في قيام له قرار فكان الوضع أولى .

وأما محل الوضع فما تحت السرة في حق الرجل والصدر في حق المرأة ، وقال الشافعي : محله الصدر في حقهما جميعا واحتج بقوله تعالى { فصل لربك وانحر } قوله وانحر أي ضع اليمين على الشمال في النحر وهو الصدر ، وكذا روي عن علي في تفسير الآية ولنا ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ثلاث من سنن المرسلين من جملتها وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة } .

وأما الآية فمعناه أي صل صلاة العيد وانحر الجزور وهو الصحيح من التأويل ; لأنه حينئذ يكون عطف الشيء على غيره كما هو مقتضى العطف في الأصل ووضع اليد من أفعال الصلاة وأبعاضها ولا مغايرة بين البعض وبين الكل ، أو يحتمل ما قلنا فلا يكون حجة مع الاحتمال على أنه روي عن علي وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما قالا : السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة فلم يكن تفسير الآية عنه .

وأما كيفية الوضع فلم يذكر في ظاهر الرواية واختلف فيها قال : بعضهم يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى ، وقال بعضهم : يضع على ذراعه اليسرى ، وقال بعضهم : يضع على المفصل .

وذكر في النوادر اختلافا بين أبي يوسف ومحمد فقال : على قول أبي يوسف يقبض بيده اليمنى على رسغ يده اليسرى ، وعند محمد يضع كذلك ، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال : قول أبي يوسف أحب إلي ; لأن في القبض وضعا وزيادة وهو اختيار مشايخنا بما وراء النهر فيأخذ المصلي رسغ يده اليسرى بوسط كفه اليمنى ويحلق إبهامه وخنصره وبنصره ويضع الوسطى والمسبحة على [ ص: 202 ] معصمه ليصير جامعا بين الأخذ والوضع وهذا ; لأن الأخبار اختلفت ، ذكر في بعضها الوضع وفي بعضها الأخذ فكان الجمع بينهما عملا بالدلائل أجمع فكان أولى ، ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، سواء كان إماما أو مقتديا أو منفردا هكذا ذكر في ظاهر الرواية وزاد عليه في كتاب الحج ، وجل ثناؤك ، وليس ذلك في المشاهير ولا يقرأ : { إني وجهت وجهي } لا قبل التكبير ولا بعده وفي قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول ، ثم رجع وقال في الإملاء : يقول مع التسبيح { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين } ولا يقول وأنا أول المسلمين ; لأنه كذب وهل تفسد صلاته إذا قال ذلك ؟ قال بعضهم : تفسد ; لأنه أدخل الكذب في الصلاة ، وقال بعضهم : لا تفسد ; لأنه من القرآن ، ثم عن أبي يوسف روايتان ، في رواية يقدم التسبيح عليه .

وفي رواية وهو بالخيار إن شاء قدم وإن شاء أخر وهو أحد قولي الشافعي ، وفي قول يفتتح بقوله : وجهت وجهي لا بالتسبيح واحتجا بحديث ابن عمر أن النبي كان إذا افتتح الصلاة قال : وجهت وجهي إلخ ، وقال سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره ، والشافعي زاد عليه ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله { اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وتب علي إنك أنت التواب الرحيم } .

وفي بعض الروايات { اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي ، وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها إنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، أنا بك ولك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك } وجه ظاهر الرواية قوله تعالى { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم } ذكر الجصاص عن الضحاك عن عمر رضي الله عنه أنه قول المصلي عند الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك .

وروى هذا الذكر عمر وعلي وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند الافتتاح ولا تجوز الزيادة على الكتاب والخبر المشهور بالآحاد ، ثم تأويل ذلك كله أنه كان يقول ذلك في التطوعات ، والأمر فيها أوسع فأما في الفرائض فلا يزاد على ما اشتهر فيه الأثر أو كان في الابتداء ثم نسخ بالآية أو تأيد ما روينا بمعاضدة الآية ، ثم لم يرو عن أصحابنا المتقدمين أنه يأتي به قبل التكبير ، وقال بعض مشايخنا المتأخرين : إنه لا بأس به قبل التكبير لإحضار النية ولهذا لقنوه العوام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث