الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما الذي يؤتى به عند الخروج من الصلاة وهو التسليم فالكلام في صفة التسليم وقدره وكيفيته وحكمه قد ذكرناه فيما تقدم وههنا نذكر سنن التسليم ، فمنها أن يبدأ بالتسليم عن اليمين ; لما روينا من الأحاديث ; ولأن لليمين فضلا على الشمال فكانت البداية بها أولى .

ولو سلم أولا عن يساره أو سلم تلقاء وجهه ، روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا سلم عن يساره يسلم عن يمينه ولا يعيد التسليم عن يساره ، ولو سلم تلقاء وجهه سلم بعد ذلك عن يساره ، ومنها أن يبالغ في تحويل الوجه في التسليمتين ويسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر ; لما روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان يحول وجهه في التسليمة الأولى حتى يرى بياض خده الأيمن أو قال خده الأيسر } ولا يكون ذلك إلا عند شدة الالتفات .

ومنها أن يجهر بالتسليم إن كان إماما ; لأن التسليم للخروج من الصلاة فلا بد من الإعلام ، ومنها أن يسلم مقارنا لتسليم الإمام إن كان مقتديا في رواية عن أبي حنيفة كما في التكبير ، وفي رواية يسلم بعد تسليمه وهو قول أبي يوسف ومحمد كما قالا في التكبير وقد مر الفرق لأبي حنيفة على إحدى الروايتين ، ومنها أن ينوي من يخاطبه بالتسليم ; لأن خطاب من لا ينوي خطابه لغو وسفه ثم لا يخلو إما إن كان إماما أو منفردا أو مقتديا فإن كان إماما ينوي بالتسليمة الأولى من على يمينه من الحفظة والرجال والنساء وبالتسليمة الثانية من على يساره منهم ، كذا ذكر في الأصل وأخر ذكر الحفظة في الجامع الصغير ، فمن مشايخنا من ظن أن في المسألة روايتين في رواية كتاب الصلاة يقدم الحفظة في النية ; لأن السلام خطاب فيبدأ بالنية الأقرب فالأقرب وهم الحفظة ثم الرجال ثم النساء ، وفي رواية الجامع الصغير يقدم البشر في النية استدلالا بالسلام في التشهد وهو قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، قدم ذكر البشر على الملائكة إذ المراد بالصالحين الملائكة فكذا في السلام في آخر الصلاة ، ومنهم من قال : إن أبا حنيفة كان يرى تفضيل الملائكة على البشر ثم رجع فرأى تفضيل البشر على الملائكة وهذا كله غير سديد ; لأن الكلام كله معطوف بعضه على بعض بحرف الواو وأنه لا يوجب الترتيب ; ولأن النية من عمل القلب وهي تنتظم الكل جملة بلا ترتيب ألا ترى أن من يسلم على جماعة لا يمكنه أن يرتب في النية فيقدم الرجال على الصبيان ؟ ثم اختلف المشايخ في كيفية نية الحفظة قال بعضهم : ينوي الكرام الكاتبين واحدا عن يمينه وواحدا عن يساره ، والصحيح أنه ينوي الحفظة عن يمينه وعن يساره ولا ينوي عددا ; لأن ذلك لا يعرف بطريق الإحاطة وكذا اختلفوا في كيفية نية الرجال والنساء قال بعضهم : ينوي من كان معه في الصلاة من المؤمنين والمؤمنات لا غير ، وكان الحاكم الشهيد يقول : ينوي جميع رجال العالم ونسائهم من المؤمنين والمؤمنات ، والأول أصح ; لأن التسليم خطاب وخطاب الغائب ممن لا يبقى خطابه وليس بخير من خطاب من يبقى خطابه غير صحيح ، وإن كان منفردا فعلى قول الأولين ينوي الحفظة لا غير وعلى قول الحاكم ينوي الحفظة وجميع البشر من أهل الإيمان .

وأما المقتدي فينوي ما ينوي الإمام ، وينوي أيضا إن كان على يمين الإمام ينويه في يساره وإن كان على يساره ينويه في يمينه وإن كان بحذائه فعند أبي يوسف ينويه في يمينه ، وهكذا ذكر في بعض نسخ الجامع الصغير ; لأن لليمين فضلا على [ ص: 215 ] اليسار ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينويه في الجانبين جميعا ، وهكذا ذكر في بعض نسخ الجامع الصغير وهو قول محمد ; لأن يمين الإمام عن يمين المقتدي ويساره عن يساره فكان له حظ في الجانبين فينويه في التسليمتين والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث