الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حكم صلوات الخوف إذا فسدت أو فاتت عن أوقاتها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما إذا فات شيء من هذه الصلوات عن الجماعة وأدرك الباقي كالمسبوق وهو الذي لم يدرك أول الصلاة مع الإمام أو اللاحق وهو الذي أدرك أول الصلاة مع الإمام ثم نام خلفه أو سبقه الحدث حتى صلى الإمام بعض صلاته ثم انتبه أو رجع من الوضوء فكيف يقضي ما سبق به ؟ أما المسبوق فإنه يجب عليه أن يتابع الإمام فيما أدرك ولا يتابعه في التسليم فإذا سلم الإمام يقوم هو إلى قضاء ما سبق به ; لقوله صلى الله عليه وسلم { ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا } ولو بدأ بما سبق به تفسد صلاته ; لأنه انفرد في موضع وجب عليه الاقتداء لوجوب متابعة الإمام فيما أدرك بالنص والانفراد عند وجوب الاقتداء مفسد للصلاة ولأن ذلك حديث منسوخ بحديث معاذ رضي الله عنه حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { سن لكم سنة حسنة فاستنوا بها } أمر بالاستنان بسنته فيقتضي وجوب متابعة الإمام فيما أدرك عقيب الإدراك بلا فصل فصار ناسخا لما كان قبله .

وأما اللاحق فإنه يأتي بما سبقه الإمام ثم يتابعه ; لأنه في الحكم كأنه خلف الإمام لالتزامه متابعة الإمام في جميع صلاته وإتمامه الصلاة مع الإمام فصار كأنه خلف الإمام ولهذا لا قراءة عليه لا سهو عليه كما لو كان خلف الإمام حقيقة بخلاف المسبوق فإنه منفرد ; لأنه ما التزم متابعة الإمام إلا في قدر ما أدرك ألا ترى أنه يقرأ ويسجد لسهوه بخلاف اللاحق ولو لم يشتغل بما سبقه الإمام ولكنه تابع الإمام في بقية صلاته لا تفسد صلاته عند أصحابنا الثلاثة ، وعند زفر تفسد بناء على أن الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر ، والمسألة قد مرت ثم ما أدركه المسبوق مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخر صلاته ، وكذا ما يقضيه اختلف فيهما قال أبو حنيفة وأبو يوسف : ما أدركه مع الإمام آخر صلاته حكما وإن كان أول صلاته حقيقة وما يقضيه أول صلاته حكما وإن كان آخر صلاته حقيقة ، وقال بشر بن غياث المريسي وأبو طاهر الدباس أن ما يصلي مع الإمام أول صلاته حكما كما هو أول صلاته حقيقة وما يقضى آخر صلاته حكما كما هو آخر صلاته حقيقة وهو قول الشافعي وهو اختيار القاضي الإمام صدر الإسلام البزدوي رحمه الله والمسألة مختلفة بين الصحابة روي عن علي وابن عمر مثل قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعن ابن مسعود رضي الله عنه مثل قولهم ، وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري وقال : وجدت في غير رواية الأصول عن محمد أنه قال : ما أدرك المسبوق مع الإمام أول صلاته حقيقة وحكما ، وما يقضي آخر صلاته حقيقة وحكما كما قال أولئك إلا في حق ما يتحمل [ ص: 248 ] الإمام عنه وهو القراءة فإنه يعتبر آخر صلاته وفائدة الخلاف تظهر في حق القنوت والاستفتاح فعلى قول أولئك يأتي بالاستفتاح عقيب تكبيرة الافتتاح لا فيما يقضي ; لأن ذلك أول صلاته حقيقة وحكما وكذا عند محمد ; لأن هذا مما لا يتحمل عنه الإمام فكانت الركعة المدركة مع الإمام أول صلاته في حق الاستفتاح فيأتي به هناك .

وأما القنوت فيأتي به ثانيا في آخر ما يقضي في قولهم ; لأنه آخر صلاته وما أتى به مع الإمام أتى بطريق التبعية وإن كان في غير محله فلا بد وأن يأتي بعد ذلك في محله وعلى قول محمد ينبغي أن يأتي به ثانيا في آخر ما يقضي كما هو قول أولئك لأن الإمام لا يتحمل القنوت عن القوم ومع ذلك روي عنه أنه لا يأتي به ثانيا ; لأن في القنوت عنه روايتان في رواية يتحمله الإمام لشبهه بالقراءة وعلى هذه الرواية لا يشكل أنه لا يأتي به ثانيا ; لأنه جعل المدرك مع الإمام آخر صلاته في حق القراءة وفي رواية عنه لا يتحمل الإمام القنوت ومع هذا قال لا يأتي به المسبوق ثانيا ; لأنه أتى به مرة مع الإمام ولو أتى به في غير محله فلا يأتي به ثانيا ; لأنه يؤدي إلى تكرار القنوت وهو غير مشروع في صلاة واحدة بخلاف التشهد حيث يأتي به إذا قضى ركعة وإن كان أتى به مع الإمام في غير محله ; لأنه وإن أدى إلى التكرار لكن التكرار في التشهد مشروع في صلاة واحدة .

وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يأتي بالاستفتاح فيما أدرك مع الإمام بل فيما يقضي ; لأن أول صلاته حكما هذا ، وهو ما يقضي لا ذاك ولا يأتي بالقنوت فيما يقضي ; لأنه أتى به مع الإمام في محله ; لأن ذاك آخر صلاته حكما وما يقضي أول صلاته ومحل القنوت آخر الصلاة لا أولها فتظهر فائدة الاختلاف بين أصحابنا في الاستفتاح لا في القنوت ، وهكذا ذكر القدوري عن محمد بن شجاع البلخي أن فائدة الاختلاف بين أصحابنا تظهر في حق الاستفتاح احتج المخالفون لأصحابنا بما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا } أطلق لفظ الإتمام على أداء ما سبق به وإتمام الشيء يكون بآخره فدل أن الذي يقضي آخر صلاته والدليل عليه وجوب القعدة على من سبق بركعتين من المغرب إذا قضى ركعة

ولو كان ما يقضي أول صلاته لما وجبت القعدة الواحدة ; لأنها تجب على رأس الركعتين لا عقيب ركعة واحدة ، وكذا إذا قضى الركعة الثانية تفترض عليه القعدة والقعدة لا تفترض عقيب الركعتين ، وكذا لو كان ما أدرك مع الإمام آخر صلاته كان ما قعد مع الإمام في محله فيكون فرضا له كما للإمام فلا يفترض ثانيا فيما يقضي كما لا يأتي بالقنوت عندكم ثانيا لحصول ما أدرك مع الإمام في محله ، ولا يلزمنا إذا سبق بركعتين من المغرب حيث يقضيهما مع قراءة الفاتحة والسورة جميعا ولو كان ما يقضي آخر صلاته حقيقة وحكما لكان لا تجب عليه القراءة في الثانية من الركعتين اللتين يقضيهما ; لأنها ثالثة ولا تجب القراءة في الثالثة ; لأنا نقول : إن الإمام وإن كان لم يقرأ في الثالثة فلا بد للمسبوق من القراءة فيها قضاء عن الأولى ، كما في حق الإمام إذا لم يقرأ في الأولى يقضي في الثالثة وإن كان قرأ فقراءته التي وجدت في ثالثته ليست بفريضة وقراءة الإمام إنما تنوب عن قراءة المقتدي التي هي فرض على المقتدي إذا كانت فرضا في حق الإمام والقراءة في الثالثة ليست بفرض في حق الإمام فلا تنوب عن المقتدي فيجب عليه القراءة في الثالثة لهذا لا لأنها أول صلاته .

وجه قول محمد أن المؤدى مع الإمام أول الصلاة حقيقة وما يقضى آخرها حقيقة وكل حقيقة يجب تقريرها إلا إذا قام الدليل على التغيير ، وما أدرك في حق الإمام آخر صلاته فتصير آخر صلاة المقتدي بحكم التبعية إلا أن التبعية تظهر في حق ما يتحمل الإمام عن المقتدي لا في حق ما لا يتحمل فلا يظهر فيه حكم التبعية فانعدم الدليل المعتبر فبقيت الحقيقة على وجوب اعتبارها وتقريرها .

وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا } والقضاء اسم لما يؤدى من الفائت والفائت أول الصلاة فكان ما يؤديه المسبوق قضاء لما فاته وهو أول الصلاة ، والمعنى في المسألة أن المدرك لما كان آخر صلاة الإمام يجب أن يكون آخر صلاة المقتدي إذ لو كان أول صلاته لفات الاتفاق بين الفرضين وإنه مانع صحة الاقتداء ; لأن المقتدي تابع للإمام فيقضي الاتفاق أن يكون للتابع ما للمتبوع وإلا فاتت التبعية ، والدليل على انعدام الاتفاق بين أول الصلاة وآخرها أنهما يختلفان في حكم القراءة فإن القراءة لا توجد في الأوليين [ ص: 249 ] إلا فرضا وتوجد في الأخريين غير فرض وكذا تجب في الأوليين قراءة الفاتحة والسورة لا تجب في الأخريين ، وكذا الشفع الأول مشروع على الأصالة والشفع الثاني مشروع زيادة على الأول فإن الصلاة فرضت في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر على ما روي في الخبر فينبغي أن لا يصح الاقتداء ومع هذا صح فدل على ثبوت الموافقة وذلك في حق الإمام آخر الصلاة فكذا في حق المقتدي ولا حجة لهم في الحديث ; لأن تمام الشيء لا يكون بآخره لا محالة فإن حد التمام ما إذا حررناه لم يحتج معه إلى غيره وذا لا يختص بأول ولا بآخر فإن من كتب آخر الكتاب أولا ثم كتب أوله يصير متمما بالأول لا بالآخر وكذا قراءة الكتاب بأن قرأ أولا نصفه الأخير ثم الأول .

وأما وجوب القعدة بعد قضاء الأوليين من الركعتين اللتين سبق بهما فنقول القياس أن يقضي الركعتين ثم يقعد إلا أنا استحسنا وتركنا القياس بالأثر وهو ما روي أن جندبا ومسروقا ابتليا بهذا فصلى جندب ركعتين ثم قعد وصلى مسروق ركعة ثم قعد ثم صلى ركعة أخرى فسألا ابن مسعود عن ذلك فقال كلاكما أصاب ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق ، وإنما حكم بتصويبهما لما أن ذلك من باب الحسن والأحسن كما في قوله تعالى في قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } فلا يؤدي إلى تصويب كل مجتهد ويحمل على التصويب في نفس الاجتهاد لا فيما أدى إليه اجتهاده على ما روي عن أبي حنيفة أنه قال : كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد والأول أصح ثم العذر عنه أن المدرك مع الإمام أول صلاته حقيقة وفعلا لكنا جعلنا آخر صلاته حكما للتبعية وبعد انقطاع تحريمة الإمام زالت التبعية فصارت الحقيقة معتبرة فكانت هذه الركعة ثانية هذا المسبوق ، والقعدة بعد الركعة الثانية في المغرب واجبة إن لم تكن فرضا فينبغي أن يقعد وكذا القعدة بعد قضاء الركعتين افترضت ; لأنها من حيث الحقيقة وجدت عقيب الركعة الأخيرة وصارت الحقيقة واجبة الاعتبار ، وقولهم إنها وقعت في محلها فلا يؤتى بها ثانيا قلنا هي وإن وقعت في آخر الصلاة في حق المقتدي كما وقعت في حق الإمام غير أنها ما وقعت فرضا في حق المسبوق ; لأن فرضيتها ما كانت لوقوعها في آخر الصلاة بل لحصول التحلل بها حتى أن المتطوع إذا قام إلى الثالثة انقلبت قعدته واجبة عندنا ولم تبق فرضا لانعدام التحلل فكذا هذه القعدة عندنا جعلت فعلا في حق المسبوق وبعد الفراغ مما سبق جاء أوان التحلل فافترضت القعدة .

وأما حكم القراءة في هذه المسألة فنقول : إذا أدرك مع الإمام ركعة من المغرب ثم قام إلى القضاء يقضي ركعتين ويقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة .

ولو ترك القراءة في إحداهما فسدت صلاته ، أما عندهما فلأنه يقضي أول صلاته ، وكذا عند محمد في حق القراءة ، والقراءة في الأوليين فرض فتركها يوجب فساد الصلاة وأما على قول المخالفين فلعلة أخرى على ما ذكرنا ، وكذا إذا أدرك مع الإمام ركعتين منها قضى ركعة بقراءة ولو أدرك مع الإمام ركعة في ذوات الأربع فقام إلى القضاء قضى ركعة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة ويتشهد ثم يقوم فيقضي ركعة أخرى يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة .

ولو ترك القراءة في إحداهما تفسد صلاته لما قلنا وفي الثالثة هو بالخيار ، والقراءة أفضل لما عرف ، ولو أدرك ركعتين منها قضى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب وسورة ، ولو ترك القراءة في إحداهما فسدت صلاته لما ذكرنا ويستوي الجواب بين ما إذا قرأ إمامه في الأوليين وبين ما إذا ترك القراءة فيهما ، وقرأ في الأخريين قضاء عن الأوليين وأدركه المسبوق فيهما لما ذكرنا فيما تقدم أن قراءة الإمام في الأخريين تلتحق بالأوليين فتخلو الأخريان عن القراءة فكأنه لم يقرأ فيهما .

وأما إذا فات شيء عن محله ثم تذكره في آخر الصلاة بأن ترك شيئا من سجدات صلاته ساهيا ثم تذكره بعد ما قعد قدر التشهد قضاه سواء كان المتروك سجدة واحدة أو أكثر وسواء علم أنه من أية ركعة تركه أو لم يعلم لكن الكلام في كيفية القضاء وما يتعلق به وهي المسائل المعروفة بالسجدات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث