الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان قدر صلاة العيدين وكيفية أدائها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولو شرع الإمام في صلاة العيد فجاء رجل واقتدى به فإن كان قبل التكبيرات الزوائد يتابع الإمام على مذهبه ، ويترك رأيه ; لما قلنا ، وإن أدركه بعد ما كبر الإمام الزوائد وشرع في القراءة فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح ويأتي بالزوائد برأي نفسه لا برأي الإمام ; لأنه مسبوق وإن أدرك الإمام في الركوع فإن لم يخف فوت الركوع مع الإمام يكبر للافتتاح قائما ويأتي بالزوائد ، ثم يتابع الإمام في الركوع ، وإن كان الاشتغال بقضاء ما سبق به المصلي قبل الفراغ بما أدركه منسوخا ; لأن النسخ إنما يثبت فيما يتمكن من قضائه بعد فراغ الإمام ، فأما ما لا يتمكن من قضائه بعد فراغ الإمام فلم يثبت فيه النسخ ; ولأنه لو تابع الإمام لا يخلو إما أن يأتي بهذه التكبيرات ، أو لا يأتي بها ، فإن كان لا يأتي بها فهذا تفويت الواجب ، وإن كان يأتي بها فقد أدى الواجب فيما هو محل له من وجه دون وجه فكان فيه تفويته عن محله من وجه ، ولا شك أن أداء الواجب فيما هو محل له من وجه أولى من تفويته رأسا ، وإن خاف إن كبر يرفع الإمام رأسه من الركوع كبر للافتتاح وكبر للركوع وركع ; لأنه لو لم يركع يفوته الركوع فتفوته الركعة بفوته ، وتبين أن التكبيرات أيضا فاتته فيصير بتحصيل التكبيرات مفوتا لها ولغيرها من أركان الركعة وهذا لا يجوز ، ثم إذا ركع يكبر تكبيرات العيد في الركوع عند أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف : لا يكبر ; لأنه فات عن محلها وهو القيام فيسقط كالقنوت ، ولهما أن للركوع حكم القيام ألا ترى أن مدركه يكون مدركا للركعة فكان محلها قائما فيأتي بها ولا يرفع يديه ، بخلاف القنوت ; لأنه بمعنى القراءة فكان محله القيام المحض ، وقد فات ثم إن أمكنه الجمع بين التكبيرات والتسبيحات جمع بينهما ، وإن لم يمكنه الجمع بينهما بالتكبيرات دون التسبيحات ; لأن التكبيرات واجبة والتسبيحات سنة ، والاشتغال بالواجب أولى ، فإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يتمها رفع رأسه ; لأن متابعة الإمام واجبة وسقط عنه ما بقي من التكبيرات ; لأنه فات محلها .

ولو ركع الإمام بعد فراغه من القراءة في الركعة الأولى فتذكر أنه لم يكبر فإنه يعود ويكبر ، وقد انتقض ركوعه ولا يعيد القراءة فرق بين الإمام والمقتدي حيث أمر الإمام بالعود إلى القيام ولم يأمره بأداء التكبيرات في حالة الركوع ، وفي المسألة المتقدمة أمر المقتدي بالتكبيرات في حالة الركوع ، والفرق أن محل التكبيرات في الأصل القيام المحض ، وإنما ألحقنا حالة الركوع بالقيام في حق المقتدي ضرورة وجوب المتابعة ، وهذه الضرورة لم تتحقق في حق الإمام فبقي محلها القيام المحض فأمر بالعود إليه ، ثم من ضرورة العود إلى القيام ارتفاض الركوع كما لو تذكر الفاتحة في الركوع أنه يعود ويقرأ ويرتفض ركوعه كذا ههنا ولا يعيد القراءة ; لأنها تمت بالفراغ عنها ، والركن بعد تمامه والانتقال عنه غير قابل للنقض والإبطال فبقيت على ما تمت ، هذا إذا تذكر بعد الفراغ من القراءة ، فأما إن تذكر قبل الفراغ عنها بأن قرأ الفاتحة دون السورة ترك القراءة ويأتي بالتكبيرات ; لأنه اشتغل بالقراءة قبل أوانها فيتركها ويأتي بما هو الأهم ليكون المحل محلا له ثم يعيد القراءة [ ص: 279 ] لأن الركن متى ترك قبل تمامه ينتقض من الأصل ; لأنه لا يتجزأ في نفسه ، وما لا يتجزأ في الحكم فوجوده معتبر بوجود الجزء الذي به تمامه في الحكم ، ونظيره من تذكر سجدة في الركوع خر لها ويعيد الركوع ; لما مر والله أعلم هذا إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى فإن أدركه في الركعة الثانية كبر للافتتاح ، وتابع إمامه في الركعة الثانية يتبع فيها رأي إمامه ; لما قلنا فإذا فرغ الإمام من صلاته يقوم إلى قضاء ما سبق به ، ثم إن كان رأيه يخالف رأي الإمام يتبع رأي نفسه ; لأنه منفرد فيما يقضي ، بخلاف اللاحق ; لأنه في الحكم كأنه خلف الإمام ، وإن كان رأيه موافقا لرأي إمامه بأن كان إمامه يرى رأي ابن مسعود وهو كذلك بدأ بالقراءة ، ثم بالتكبيرات كذا ذكر في الأصل والجامع والزيادات وفي نوادر أبي سليمان في أحد الموضعين ، وقال في الموضع الآخر يبدأ بالتكبير ثم بالقراءة ومن مشايخنا من قال ما ذكر في الأصل قول محمد ; لأن عنده ما يقضي المسبوق آخر صلاته ، وعندنا في الركعة الثانية يقرأ ثم يكبر وما ذكر في النوادر قول أبي حنيفة وأبي يوسف ; لأن عندهما ما يقضيه المسبوق أول صلاته ، وعندنا في الركعة الأولى يكبر ، ثم يقرأ ومنهم من قال : لا خلاف في المسألة بين أصحابنا ، بل فيها اختلاف الروايتين وجه رواية والنوادر ما ذكرنا أن ما يقضيه المسبوق أول صلاته ; لأنه يقضي ما فاته فيقضيه كما فاته ، وقد فاته على وجه يقدم التكبير فيه على القراءة فيقضيه كذلك ، ووجه رواية الأصل : أن المقضي وإن كان أول صلاته حقيقة ولكنه الركعة الثانية صورة وفيما أدرك مع الإمام قرأ ، ثم كبر ; لأنها ثانية الإمام فلو قدم ههنا ما يقضي أدى ذلك إلى الموالاة بين التكبيرتين ، ولم يقل به أحد من الصحابة فلا يفعل كذلك احترازا عن مخالفة الإجماع بصورة هذا الفعل .

ولو بدأ بالقراءة لكان فيه تقديم القراءة في الركعتين ، لكن هذا مذهب علي رضي الله عنه ولا شك أن العمل بما قاله أحد من الصحابة أولى من العمل بما لم يقل به أحد إذ هو باطل بيقين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث