الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ومنها الملك المطلق وهو أن يكون مملوكا له رقبة ويدا وهذا قول أصحابنا الثلاثة ، وقال زفر : " اليد ليست بشرط " وهو قول الشافعي فلا تجب الزكاة في المال الضمار عندنا خلافا لهما .

وتفسير مال الضمار هو كل مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام أصل الملك كالعبد الآبق والضال ، والمال المفقود ، والمال الساقط في البحر ، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة ، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول ثم صار له بينة بأن أقر عند الناس ، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه فإن كان مدفونا في البيت تجب فيه الزكاة بالإجماع .

وفي المدفون في الكرم والدار الكبيرة اختلاف المشايخ احتجاجا بعمومات الزكاة من غير فصل ; ولأن وجوب الزكاة يعتمد الملك دون اليد بدليل ابن السبيل فإنه تجب الزكاة في ماله وإن كانت يده فائتة لقيام ملكه .

وتجب الزكاة في الدين مع عدم القبض ، وتجب في المدفون في البيت فثبت أن الزكاة وظيفة الملك والملك موجود فتجب الزكاة فيه إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال لعجزه عن الأداء لبعد يده عنه وهذا لا ينفي الوجوب كما في ابن السبيل .

ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا زكاة في مال الضمار } وهو المال الذي لا ينتفع به مع قيام الملك مأخوذ من البعير الضامر الذي لا ينتفع به لشدة هزاله مع كونه حيا ، وهذه الأموال غير منتفع بها في حق المالك ; لعدم وصول يده إليها فكانت ضمارا ; ولأن المال إذا لم يكن مقدور الانتفاع به في حق المالك لا يكون المالك به غنيا ولا زكاة على غير الغنى بالحديث الذي روينا ، ومال ابن السبيل مقدور الانتفاع به في حقه بيد نائبه وكذا المدفون في البيت ; لأنه يمكنه الوصول إليه بالنبش بخلاف المفازة ; لأن نبش كل الصحراء غير مقدور له ، وكذا الدين المقر به إذا كان المقر مليا فهو ممكن الوصول إليه .

وأما الدين المجحود فإن لم يكن له بينة فهو على الاختلاف وإن كان له بينة اختلف المشايخ فيه قال بعضهم : تجب الزكاة فيه ; لأنه يتمكن الوصول إليه بالبينة فإذا لم يقم البينة فقد ضيع القدرة فلم يعذر ، وقال بعضهم : لا تجب ; لأن الشاهد قد يفسق إلا إذا كان القاضي عالما بالدين ; لأنه يقضى بعلمه فكان مقدور الانتفاع به ، وإن كان المديون يقر في السر ويجحد في العلانية فلا زكاة فيه كذا روي عن أبي يوسف ; لأنه لا ينتفع بإقراره في السر فكان بمنزلة الجاحد سرا وعلانية .

وإن كان المديون مقرا بالدين لكنه مفلس فإن لم يكن مقضيا عليه بالإفلاس تجب الزكاة فيه في قولهم جميعا وقال الحسن بن زياد : لا زكاة فيه ; لأن الدين على المعسر غير منتفع به فكان ضمارا والصحيح قولهم : لأن المفلس قادر على الكسب والاستقراض مع أن الإفلاس محتمل الزوال ساعة فساعة إذ المال غاد ورائح ، وإن كان مقضيا عليه بالإفلاس فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد : لا زكاة فيه فمحمد مر على أصله ; لأن التفليس عنده يتحقق ، وأنه يوجب زيادة عجز ; لأنه يسد عليه باب التصرف ; لأن الناس لا يعاملونه بخلاف الذي لم يقض عليه بالإفلاس وأبو حنيفة مر على أصله ; لأن الإفلاس عنده لا يتحقق في حال الحياة والقضاء به باطل ، وأبو يوسف ، وإن كان يرى التفليس لكن المفلس قادر في الجملة بواسطة الاكتساب فصار الدين مقدور الانتفاع في الجملة فكان أثر التفليس في تأخير المطالبة إلى وقت اليسار فكان كالدين المؤجل فتجب الزكاة فيه .

ولو دفع إلى إنسان وديعة ثم نسي [ ص: 10 ] المودع فإن كان المدفوع إليه من معارفه فعليه الزكاة لما مضى إذا تذكر ; لأن نسيان المعروف نادر فكان طريق الوصول قائما ; وإن كان ممن لا يعرفه فلا زكاة عليه فيما مضى لتعذر الوصول إليه ولا زكاة في دين الكتابة والدية على العاقلة ; لأن دين الكتابة ليس بدين حقيقة ; لأنه لا يجب للمولى على عبده دين فلهذا لم تصح الكفالة به .

والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم إذا هو ملك المولى من وجه وملك المكاتب من وجه ; لأن المكاتب في اكتسابه كالحر فلم يكن بدل الكتابة ملك المولى مطلقا بل كان ناقصا ، وكذا الدية على العاقلة ملك ولي القتيل فيها متزلزل بدليل أنه لو مات واحد من العاقلة سقط ما عليه فلم يكن ملكا مطلقا ، ووجوب الزكاة وظيفة الملك المطلق وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في الدين الذي وجب للإنسان لا بدلا عن شيء رأسا كالميراث بالدين والوصية بالدين ، أو وجب بدلا عما ليس بمال أصلا كالمهر للمرأة على الزوج ، وبدل الخلع للزوج على المرأة ، والصلح عن دم العمد أنه لا تجب الزكاة فيه .

وجملة الكلام في الديون أنها على ثلاث مراتب في قول أبي حنيفة : دين قوي ، ودين ضعيف ، ودين وسط كذا قال عامة مشايخنا أما القوي فهو الذي وجب بدلا عن مال التجارة كثمن عرض التجارة من ثياب التجارة ، وعبيد التجارة ، أو غلة مال التجارة ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه إلا أنه لا يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما ، فكلما قبض أربعين درهما أدى درهما واحدا .

وعند أبي يوسف ومحمد كلما قبض شيئا يؤدي زكاته قل المقبوض أو كثر .

وأما الدين الضعيف فهو الذي وجب له بدلا عن شيء سواء وجب له بغير صنعه كالميراث ، أو بصنعه كما لوصية ، أو وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر ، وبدل الخلع ، والصلح عن القصاص ، وبدل الكتابة ولا زكاة فيه ما لم يقبض كله ويحول عليه الحول بعد القبض .

وأما الدين الوسط فما وجب له بدلا عن مال ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة ، وثمن ثياب البذلة والمهنة وفيه روايتان عنه ، ذكر في الأصل أنه تجب فيه الزكاة قبل القبض لكن لا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم فإذا قبض مائتي درهم زكى لما مضى ، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض وهو أصح الروايتين عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد : الديون كلها سواء ، وكلها قوية تجب الزكاة فيها قبل القبض إلا الدية على العاقلة ومال الكتابة فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلا ما لم تقبض ويحول عليها الحول .

وجه قولهما أن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة ملك صاحب الدين ملكا مطلقا رقبة ويدا ; لتمكنه من القبض بقبض بدله وهو العين فتجب فيه الزكاة كسائر الأعيان المملوكة ملكا مطلقا إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال ; لأنه ليس في يده حقيقة فإذا حصل في يده يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض كما هو مذهبهم في العين فيما زاد على النصاب بخلاف الدية وبدل الكتابة ; لأن ذلك ليس بملك مطلق بل هو ملك ناقص على ما بينا والله أعلم ولأبي حنيفة وجهان أحدهما : أن الدين ليس بمال بل هو فعل واجب وهو فعل تمليك المال وتسليمه إلى صاحب الدين ، والزكاة إنما تجب في المال فإذا لم يكن مالا لا تجب فيه الزكاة ودليل كون الدين فعلا من وجوه ذكرناها في الكفالة بالدين عن ميت مفلس في الخلافيات كان ينبغي أن لا تجب الزكاة في دين ما لم يقبض ويحول عليه الحول إلا أن ما وجب له بدلا عن مال التجارة أعطي له حكم المال ; لأن بدل الشيء قائم مقامه كأنه هو فصار كأن المبدل قائم في يده وأنه مال التجارة وقد حال عليه الحول في يده ، والثاني إن كان الدين مالا مملوكا أيضا لكنه مال لا يحتمل القبض ; لأنه ليس بمال حقيقة بل هو مال حكمي في الذمة وما في الذمة لا يمكن قبضه فلم يكن مالا مملوكا رقبة ، ويدا فلا تجب الزكاة فيه كمال الضمار فقياس هذا أن لا تجب الزكاة في الديون كلها لنقصان الملك بفوات اليد إلا أن الدين الذي هو بدل مال التجارة التحق بالعين في احتمال القبض لكونه بدل مال التجارة قابل للقبض ، والبدل يقام مقام المبدل والمبدل عين قائمة قابلة للقبض فكذا ما يقوم مقامه .

وهذا المعنى لا يوجد فيما ليس ببدل رأسا ولا فيما هو بدل عما ليس بمال ، وكذا في بدل مال ليس للتجارة على الرواية الصحيحة أنه لا تجب فيه الزكاة ما لم يقبض قدر النصاب ويحول عليه الحول بعد القبض ; لأن الثمن بدل مال ليس للتجارة فيقوم مقام المبدل .

ولو كان المبدل قائما في يده حقيقة لا تجب الزكاة فيه فكذا في بدله بخلاف بدل مال التجارة .

وأما الكلام في إخراج زكاة قدر المقبوض من الدين الذي تجب فيه [ ص: 11 ] الزكاة على نحو الكلام في المال العين إذا كان زائدا على قدر النصاب وحال عليه الحول فعند أبي حنيفة لا شيء في الزيادة هناك ما لم يكن أربعين درهما فههنا أيضا لا يخرج شيئا من زكاة المقبوض ما لم يبلغ المقبوض أربعين درهما فيخرج من كل أربعين درهما يقبضها درهما وعندهما يخرج قدر ما قبض قل المقبوض أو كثر كما في المال العين إذا كان زائدا على النصاب .

وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

وذكر الكرخي أن هذا إذا لم يكن له مال سوى الدين ، فأما إذا كان له مال سوى الدين فما قبض منه فهو بمنزلة المستفاد فيضم إلى ما عنده والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث