الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما صفة الواجب في أموال التجارة فالواجب فيها ربع عشر العين وهو النصاب في قول أصحابنا ، وقال بعض مشايخنا : هذا قول أبي يوسف ومحمد

وأما على قول أبي حنيفة فالواجب فيها أحد شيئين .

أما العين أو القيمة فالمالك بالخيار عند حولان الحول إن شاء أخرج ربع عشر العين وإن شاء أخرج ربع عشر القيمة ، وبنوا على بعض مسائل الجامع فيمن كانت له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال عليها الحول فلم يؤد زكاتها حتى تغير سعرها إلى النقصان حتى صارت قيمتها مائة درهم أو إلى الزيادة حتى صارت قيمتها أربعمائة درهم ، إن على قول أبي حنيفة : وإن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة في الزيادة والنقصان جميعا ; لأنه تبين أنه الواجب من الأصل [ ص: 22 ] فإن أدى القيمة يؤدي خمسة دراهم في الزيادة والنقصان جميعا ; لأنه تبين أنها هي الواجبة يوم الحول .

وعند أبي يوسف ومحمد إن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة في الزيادة والنقصان جميعا ، كما قال أبو حنيفة : وإن أدى من القيمة يؤدي في النقصان درهمين ونصفا وفي الزيادة عشرة دراهم ; لأن الواجب الأصلي عندهما هو ربع عشر العين وإنما له ولاية النقل إلى القيمة يوم الأداء فيعتبر قيمتها يوم الأداء ، والصحيح أن هذا مذهب جميع أصحابنا ; لأن المذهب عندهم أنه إذا هلك النصاب بعد الحول تسقط الزكاة سواء كان من السوائم أو من أموال التجارة .

ولو كان الواجب أحدهما غير عين عند أبي حنيفة لتعينت القيمة عند هلاك العين على ما هو الأصل في التخيير بين شيئين إذا هلك أحدهما أنه يتعين الآخر .

وكذا لو وهب النصاب من الفقير ولم تحضره النية أصلا سقطت عنه الزكاة ، ولو لم يكن الواجب في النصاب عينا لما سقطت كما إذا وهب منه غير النصاب .

وكذا إذا باع نصاب الزكاة من السوائم والساعي حاضر إن شاء أخذ من المشتري وإن شاء أخذ من البائع ، ولولا أن الواجب ربع عشر العين لما ملك الأخذ من غير المشتري ، فدل أن مذهب جميع أصحابنا هذا وهو أن الواجب ربع عشر العين إلا عند أبي حنيفة الواجب عند الحول ربع عشر العين من حيث إنه مال لا من حيث إنه عين ، وعندهما الواجب ربع عشر العين من حيث الصورة والمعنى جميعا لكن لمن عليه حق النقل من العين إلى القيمة وقت الأداء ومسائل الجامع مبنية على هذا الأصل على ما نذكر ، وقال الشافعي : الواجب من قدر الزكاة بعد الحول في الذمة لا في النصاب ، وعلى هذا ينبني ما إذا هلك مال الزكاة بعد الحول وبعد التمكن من الأداء أنه تسقط عنه الزكاة عندنا ، وعنده لا تسقط وإذا هلك قبل التمكن من الأداء لا تجب عندنا وللشافعي قولان : في قول لا تجب أصلا ، وفي قول تجب ثم تسقط لا إلى ضمان ولا خلاف في أن صدقة الفطر لا تسقط بهلاك النصاب ، وعلى هذا الخلاف العشر والخراج .

وجه قول الشافعي أن هذا حق وجب في ذمته وتقرر بالتمكن من الأداء فلا يسقط بهلاك النصاب كما في ديون العباد وصدقة الفطر ، وكما في الحج فإنه إذا كان موسرا وقت خروج القافلة من بلده ثم هلك ماله لا يسقط الحج عنه وإنما قلنا : إنه وجب في ذمته ; لأن الشرع أضاف الإيجاب إلى مال لا بعينه .

قال النبي صلى الله عليه وسلم { : في مائتي درهم خمسة دراهم ، وفي أربعين شاة شاة } أوجب خمسة وشاة لا بعينها .

والواجب إذا لم يكن عينا كان في الذمة كما في صدقة الفطر ونحوها ، ولأن غاية الأمر أن قدر الزكاة أمانة في يده لكنه مطالب شرعا بالأداء بعد التمكن منه ومن منع الحق عن المستحق بعد طلبه يضمن كما في سائر الأمانات والخلاف ثابت فيما إذا طلبه الفقير أو طالبه الساعي بالأداء فلم يؤد حتى هلك النصاب .

ولنا أن المالك إما أن يؤاخذ بأصل الواجب أو بضمانه لا وجه للأول ; لأن محله النصاب والحق لا يبقى بعد فوات محله كالعبد الجاني ، أو المديون إذا هلك ، والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا .

والدليل على أن محل أصل الواجب هو النصاب قوله تعالى { : خذ من أموالهم صدقة } ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم { : خذ من الذهب الذهب ، ومن الفضة الفضة ، ومن الإبل الإبل } الحديث .

وكلمة من تبعيض فيقتضي أن يكون الواجب بعض النصاب .

وقوله : صلى الله عليه وسلم { في مائتي درهم خمسة دراهم ، وفي أربعين شاة شاة } جعل الواجب مظروفا في النصاب ; لأن في للظرف ، ولأن الزكاة عرف وجوبها على طريق اليسر وطيبة النفس بأدائها ولهذا اختص وجوبها بالمال النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية وشرط لها الحول وكمال النصاب .

ومعنى اليسر في كون الواجب في النصاب يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه ، ولا سبيل إلى الثاني ; لأن وجوب الضمان يستدعي تفويت ملك أو يد كما في سائر الضمانات ، وهو بالتأخير عن أول أوقات الإمكان لم يفوت على الفقير ملكا ولا يدا فلا يضمن بخلاف صدقة الفطر والحج ; لأن محل الواجب هناك ذمته لا ماله وذمته باقية بعد هلاك المال .

وأما قوله : إنه منع حق الفقير بعد طلبه فنقول : إن هذا الفقير ما تعين مستحقا لهذا الحق فإن له أن يصرفه إلى فقير آخر ، وإن طالبه الساعي فامتنع من الأداء حتى هلك المال قال أهل العراق من أصحابنا : إنه يضمن ; لأن الساعي متعين للأخذ فيلزمه الأداء عند طلبه فيصير بالامتناع مفوتا فيضمن .

ومشايخنا بما وراء النهر قالوا : إنه لا يضمن .

وهو الأصح فإنه ذكر في كتاب الزكاة إذا حبس السائمة بعد ما وجبت الزكاة فيها حتى [ ص: 23 ] تويت لم يضمنها ومعلوم أنه لم يرد بهذا الحبس أن يمنعها العلف والماء ; لأن ذلك استهلاك لها ولو استهلكها يصير ضامنا لزكاتها وإنما أراد به حبسها بعد طلب الساعي لها .

والوجه فيه أنه ما فوت بهذا الحبس ملكا ولا يدا على أحد فلا يصير ضامنا ، وله رأي في اختيار محل الأداء إن شاء من السائمة وإن شاء من غيرها فإنما حبس السائمة ليؤدي من محل آخر فلا يصير ضامنا ، هذا إذا هلك كل النصاب فإن هلك بعضه دون بعض فعليه في الباقي حصته من الزكاة إذا لم يكن في المال فضل على النصاب بلا خلاف ; لأن البعض معتبر بالكل ، ثم إذا هلك الكل سقط جميع الزكاة فإذا هلك البعض يجب أن يسقط بقدر هذا إذا لم يكن في المال عفو ، فأما إذا اجتمع فيه النصاب والعفو ثم هلك البعض فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف : يصرف الهلاك إلى العفو أولا كأنه لم يكن في ملكه إلا النصاب .

وعند محمد وزفر يصرف الهلاك إلى الكل شائعا حتى إذا كان له تسعة من الإبل فحال عليها الحول ثم هلك منها أربعة فعليه في الباقي شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد وزفر عليه في الباقي خمسة أتساع شاة .

والأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن الوجوب يتعلق بالنصاب دون العفو ، وعند محمد وزفر رحمهما الله يتعلق بهما جميعا واحتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم { في خمس من الإبل شاة إلى تسع } أخبر أن الوجوب يتعلق بالكل ، ولأن سبب الوجوب هو المال النامي ، والعفو مال نام .

ومع هذا لا تجب بسببه زيادة على أن الوجوب في الكل نظيره إذا قضى القاضي بحق بشهادة ثلاثة نفر كان قضاؤه بشهادة الكل ، وإن كان لا حاجة إلى القضاء إلى الثالث ، وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته وما بقي يبقى بزكاته كالمال المشترك .

واحتج أبو حنيفة وأبو يوسف بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن حزم { في خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى تكون عشرا } وقال في حديثه أيضا { : في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض وليس في الزيادة شيء إلى خمس وثلاثين } وهذا نص على أن الواجب في النصاب دون الوقص ولأن الوقص والعفو تبع للنصاب ; لأن النصاب باسمه وحكمه يستغني عن الوقص والوقص باسمه وحكمه لا يستغني عن النصاب .

والمال إذا اشتمل على أصل وتبع فإذا هلك منه شيء يصرف الهلاك إلى التبع دون الأصل كمال المضاربة إذا كان فيه ربح فهلك شيء منه يصرف الهلاك إلى الربح دون رأس المال كذا هذا .

وعلى هذا إذا حال الحول على ثمانين شاة ثم هلك أربعون منها وبقي أربعون فعليه في الأربعين الباقية شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ; لأن الهلاك يصرف إلى العفو أولا عندهما فجعل كأن الغنم أربعون من الابتداء .

وفي قول محمد وزفر : عليه في الباقي نصف شاة ; لأن الواجب في الكل عندهما وقد هلك النصف فيسقط الواجب بقدره ، ولو هلك منها عشرون وبقي ستون فعليه في الباقي شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد وزفر ثلاثة أرباع شاة لما قلنا وعلى هذا مسائل في الجامع ، ثم اختلف أصحابنا فيما بينهم فعند أبي حنيفة الواجب في الدراهم والدنانير وأموال التجارة جزء من النصاب من حيث المعنى لا من حيث الصورة ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الواجب هو الجزء منه صورة ومعنى لكن يجوز إقامة غيره مقامه من حيث المعنى ويبطل اعتبار الصورة بإذن صاحب الحق وهو الله تعالى .

وأما في زكاة السوائم فقد اختلف مشايخنا على قول أبي حنيفة قال بعضهم : الواجب هناك أيضا جزء من النصاب من حيث المعنى وذكر المنصوص عليه من خلاف جنس النصاب للتقدير ، وقال بعضهم : الواجب هو المنصوص عليه لا جزء من النصاب لكن من حيث المعنى ، وعندهما الواجب هو المنصوص عليه صورة ومعنى ، لكن يجوز إقامة غيره مقامه من حيث المعنى دون الصورة على ما ذكرنا وينبني على هذا الأصل مسائل الجامع إذا كان لرجل مائتا قفيز حنطة للتجارة تساوي مائتي درهم ولا مال له غير ذلك وحال عليها الحول فإن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة بلا خلاف ; لأنها هي ربع عشر النصاب وهو الواجب على ما مر ، ولو أراد أن يؤدي القيمة جاز عندنا خلافا للشافعي ، لكن عند أبي حنيفة في الزيادة والنقصان جميعا يؤدي قيمتها يوم الحول وهي خمسة دراهم ، وعندهما في الفصلين جميعا يؤدي قيمتها يوم الأداء في النقصان درهمين ونصفا وفي الزيادة عشرة هما يقولان الواجب جزء من النصاب وغير [ ص: 24 ] المنصوص عليه حق لله تعالى غير أن الشرع أثبت له ولاية أداء القيمة إما تيسيرا عليه وإما نقلا للحق .

والتيسير له في الأداء دون الواجب .

وكذا الحاجة إلى نقل حق الله تعالى إلى مطلق المال وقت الأداء إلى الفقير فبقي الواجب إلى وقت الأداء في الذمة عين المنصوص عليه وجزء النصاب ، ثم عند الأداء ينقل ذلك إلى القيمة فتعتبر القيمة يوم النقل كما في ولد المغرور أنه يضمن المغرور قيمته للمالك يوم التضمين ; لأن الولد في حقه ، وإن علق حر الأصل ففي حق المستحق جعل مملوكا له لحصوله عن مملوكته وإنما ينقل عنه حقه إلى القيمة يوم الخصومة فكذا ههنا وأبو حنيفة يقول : الواجب هو الجزء من النصاب ، غير أن وجوبه من حيث إنه مطلق المال لا من حيث إنه جزء من النصاب بدليل أنه يجوز أداء الشاة عن خمس من الإبل وإن لم يكن جزءا منها ، والتعلق بكونه جزء للتيسير لا للتحقيق ; لأن الأداء منه أيسر في الأغلب حتى أن الأداء من غير الجزء لو كان أيسر مال إليه وعند ميله إليه يتبين أنه هو الواجب ; لأنه هو مطلق المال وهذا هو الواجب على طريق الاستحقاق .

وكذا المنصوص عليه معلول بمطلق المال ، والتعلق به للتيسير بدليل جواز أداء الواحد من الخمس ، والناقة الكوماء عن بنت مخاض فكان الواجب عند الحول ربع العشر من حيث إنه مال ، والمنصوص عليه من حيث إنه مال فوجب اعتبار قيمته يوم الوجوب ولا يعتبر التغير بسبب نقصان السعر ; لأنه لا عبرة به لإسقاط الزكاة الواجبة احتياطا لحق الفقراء .

وأما في السوائم اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة قال بعضهم : يعتبر قيمتها يوم الوجوب كما في مال التجارة ; لأن الواجب جزء من النصاب من حيث إنه مال في جميع أموال الزكاة ، وقال بعضهم يوم الأداء كما قالا ; لأن الواجب ثمة هو المنصوص عليه صورة ومعنى ولكن يجوز إقامة غيره مقامه والله أعلم .

وكذلك الجواب في مال الزكاة إذا كان جارية تساوي مائتين في جميع ما ذكرنا من تغير السعر إلى زيادة أو نقصان وللمسألة فروع تعرف في كتاب الزكاة من الجامع هذا إذا هلك النصاب بعد الحول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث