الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فأما إذا تصرف فيه المالك فهل يجوز تصرفه ؟ عندنا يجوز وعند الشافعي لا ، وهذا بناء على أصلنا أن التصرف في مال الزكاة بعد وجوبها جائز عندنا حتى لو باع نصاب الزكاة جاز البيع في الكل عندنا .

وأما عند الشافعي فلا يجوز في قدر الزكاة قولا واحدا .

وله في الزيادة على قدر الزكاة قولان .

وجه قوله أن الواجب جزء من النصاب لما ذكرنا من الدلائل فلا يخلو إما أن يكون وجوبه حقا للعبد كما يقول أو حقا لله تعالى كما يقولون وكل ذلك يمنع من التصرف فيه ، ولنا أن الزكاة اسم للفعل وهو إخراج المال إلى الله وقبل الإخراج لا حق في المال حتى يمنع نفاذ البيع فيه فينفذ كالعبد إذا جنى جناية فباعه المولى فينفذ بيعه ; لأن الواجب فيه هو فعل الدفع فكان المحل خاليا عن الحق قبل الفعل فنفذ البيع فيه كذا هذا .

وإذا جاز التصرف في النصاب بعد وجوب الزكاة فيه عندنا فإذا تصرف المالك فيه ينظر إن كان استبدالا بمثله لا يضمن الزكاة وينتقل الواجب إليه يبقى ببقائه ويسقط بهلاكه ، وإن كان استهلاكا يضمن الزكاة ويصير دينا في ذمته .

بيان ذلك إذا حال الحول على مال التجارة ووجبت فيه الزكاة فأخرجه المالك عن ملكه بالدراهم والدنانير أو بعرض التجارة فباعه بمثل قيمته لا يضمن الزكاة ; لأنه ما أتلف الواجب بل نقله من محل إلى محل مثله إذ المعتبر في مال التجارة هو المعنى وهو المالية لا الصورة فكان الأول قائما معنى فيبقى الواجب ببقائه ويسقط بهلاكه .

وكذا لو باعه وحابى بما يتغابن الناس في مثله ; لأن ذلك مما لا يمكن التحرز عنه فجعل عفوا ولهذا جعل عفوا في بيع الأب والوصي وإن حابى بما لا يتغابن الناس في مثله يضمن قدر زكاة المحاباة ويكون دينا في ذمته وزكاة ما بقي يتحول إلى العين يبقى ببقائها ويسقط بهلاكها .

ولو أخرج مال الزكاة عن ملكه بغير عوض أصلا بالهبة والصدقة من غير الفقير والوصية ، أو بعوض ليس بمال بأن تزوج عليه امرأة ، أو صالح به من دم العمد ، أو اختلعت به المرأة يضمن الزكاة في ذلك كله ; لأن إخراج المال بغير عوض إتلاف له .

وكذا بعوض ليس بمال .

وكذا لو أخرجه بعوض هو مال لكنه ليس بمال الزكاة بأن باعه بعبد الخدمة أو ثياب البذلة سواء بقي العوض في يده أو هلك ; لأنه أبطل المعنى الذي صار المال به مال الزكاة فكان استهلاكه في حق الزكاة .

وكذا لو استأجر به عينا من الأعيان ; لأن المنافع ، وإن كانت مالا في نفسها لكنها ليست بمال الزكاة ; لأنه لا بقاء لها وكذا لو صرف مال الزكاة إلى حوائجه بالأكل والشرب واللبس لوجود حقيقة الاستهلاك [ ص: 25 ]

وكذا إذا باع مال التجارة بالسوائم على أن يتركها سائمة يضمن الزكاة ; لأن زكاة مال التجارة خلاف زكاة السائمة فيكون استهلاكا .

ولو كان مال الزكاة سائمة فباعها بخلاف جنسها من الحيوان والعروض والأثمان أو بجنسها يضمن ويصير قدر الزكاة دينا في ذمته لا يسقط بهلاك ذلك العوض ; لما ذكرنا أن وجوب الزكاة في السوائم يتعلق بالصورة والمعنى فبيعها يكون استهلاكا لها لا استبدالا ، ولو كان مال الزكاة دراهم أو دنانير فأقرضها بعد الحول فثوى المال عنده ذكر في العيون عن محمد أنه لا زكاة عليه ; لأنه لم يوجد منه الإتلاف .

وكذا لو كان مال الزكاة ثوبا فأعاره فهلك لما قلنا وقالوا في عبد التجارة إذا قتله عبد خطأ فدفع به أن الثاني للتجارة ; لأنه عوض عن الأول قائم مقامه كأنه هو ، ولو قتله عمدا وصالحه المولى من الدم على عبد أو غيره لم يكن للتجارة ; لأن الثاني ليس بعوض عن الأول بل هو عوض عن القصاص والقصاص ليس بمال .

وقالوا فيمن اشترى عصيرا للتجارة فصار خمرا ثم صار خلا : إنه للتجارة ; لأن العارض هو التخمر وأثر التخمر في زوال صفة التقوم ولا غير ، وقد عادت الصفة بالتخلل فصار مالا متقوما كما كان وكذلك قالوا في الشاة إذا ماتت فدبغ جلدها أن جلدها يكون للتجارة لما قلنا .

ولو باع السائمة بعد وجوب الزكاة فيها فإن كان المصدق حاضرا ينظر إليها فهو بالخيار إن شاء أخذ قيمة الواجب من البائع وتم البيع في الكل ، وإن شاء أخذ الواجب من العين المشتراة ، ويبطل البيع في القدر المأخوذ .

وإن لم يكن حاضرا وقت البيع فحضر بعد البيع والتفرق عن المجلس فإنه لا يأخذ من المشتري ولكنه يأخذ قيمة الواجب من البائع .

وإنما كان كذلك ; لأن بيع السائمة بعد وجوب الزكاة فيها استهلاك لها لما بينا إلا أن معنى الاستهلاك بإزالة الملك قبل الافتراق عن المجلس ثبت بالاجتهاد إذ المسألة اجتهادية مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم فللساعي أن يأخذ بأي القولين أفضى اجتهاده إليه فإن أفضى اجتهاده إلى زوال الملك بنفس البيع أخذ قيمة الواجب منه لحصول الاستهلاك وتم البيع في الكل إذ لم يستحق شيء من المبيع .

وإن أفضى اجتهاده إلى عدم الزوال أخذ الواجب من غير المشتري كما قبل البيع ويبطل البيع في القدر المأخوذ كأنه استحق هذا القدر من المبيع فأما بعد الافتراق فقد تأكد زوال الملك لخروجه عن محل الاجتهاد فتأكد الاستهلاك فصار الواجب دينا في ذمته فهو الفرق .

وهل يشترط نقل الماشية من موضعها مع افتراق العاقدين بأنفسهما ؟ لم يشترط ذلك في ظاهر الرواية وشرطه الكرخي وقال إن حضر المصدق قبل النقل فله الخيار .

وكذا روى ابن سماعة عن محمد ولو باع طعاما وجب فيه العشر فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ من البائع وإن شاء أخذ من المشتري سواء حضر قبل الافتراق أو بعده بخلاف الزكاة .

ووجه الفرق أن تعلق العشر بالعين آكد من تعلق الزكاة بها ألا ترى أن العشر لا يعتبر فيه المالك بخلاف الزكاة ؟ ولو مات من عليه العشر قبل أدائه من غير وصية يؤخذ من تركته بخلاف الزكاة والله أعلم .

وهذا الذي ذكرنا أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى أو من حيث الصورة .

والمعنى مذهب أصحابنا رحمهم الله فأما عند الشافعي فالواجب أداء عين المنصوص عليه ، ويبنى عليه أن دفع القيم والأبدال في باب الزكاة ، والعشر ، والخراج ، وصدقة الفطر ، والنذور ، والكفارات جائز عندنا ، وعنده لا يجوز إلا أداء المنصوص عليه .

واحتج بقول النبي : صلى الله عليه وسلم { في الخمس من الإبل السائمة شاة } ، وقوله : { في أربعين شاة شاة } .

وكل ذلك بيان لمجمل كتاب الله تعالى { وآتوا الزكاة } إذ ليس فيه بيان الزكاة فبينه النبي صلى الله عليه وسلم والتحق البيان بمجمل الكتاب فصار كأن الله تعالى قال " وآتوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة وفي خمس من الإبل شاة " فصارت الشاة واجبة للأداء بالنص .

ولا يجوز الاشتغال بالتعليل ; لأنه يبطل حكم النص ، ولهذا لا يجوز إقامة السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة والأنف ، والتعليل فيه بمعنى الخضوع لما ذكرنا كذا هذا ، وصار كالهدايا والضحايا .

وجواز أداء البعير عن خمس من الإبل عندي باعتبار النص وهو قوله : صلى الله عليه وسلم { خذ من الإبل الإبل } إلا أن عند قلة الإبل أوجب من خلاف الجنس تيسيرا على أرباب الأموال فإذا سمحت نفسه بأداء بعير من الخمس فقد ترك هذا التيسير فجاز بالنص لا بالتعليل .

ولنا في المسألة طريقان أحدهما طريق أبي حنيفة والثاني طريق أبي يوسف ومحمد أما طريق أبي حنيفة فهو أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى وهو المالية [ ص: 26 ] وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال .

وبيان كون الواجب أداء جزء من النصاب ما ذكرنا في مسألة التفريط .

والدليل على أن الجزء من النصاب واجب من حيث إنه مال أن تعلق الواجب بالجزء من النصاب للتيسير ليبقى الواجب ببقائه ويسقط بهلاكه .

ومعنى التيسير إنما يتحقق أن لو تعين الجزء من النصاب للوجوب من حيث هو مال ، إذ لو تعلق الوجوب بغير الجزء لبقيت الشركة في النصاب للفقراء وفيه من العسر والمشقة ما لا يخفى خصوصا إذا كان النصاب من نفائس الأموال نحو الجواري الحسان والأفراس الفارهة للتجارة ونحوها ولا كذلك إذا كان التعلق به من حيث هو مال ; لأنه حينئذ كان الاختيار إلى رب المال فإن رأى الجزء إليه أيسر أدى الجزء ، وإن رأى أداء غيره أيسر مال إليه فيحصل معنى اليسر ، وبه تبين أن ذكر الشاة في الحديث لتقدير المالية لا لتعلق الحكم به وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فغضب على المصدق وقال : ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس ؟ فقال : أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة } وفي رواية { ارتجعتها فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

وأخذ البعير ببعيرين يكون باعتبار القيمة فدل على صحة مذهبنا .

وأما طريق أبي يوسف ومحمد فهو أن الواجب عين ما ورد به النص وهو أداء ربع العشر في مال التجارة وأداء المنصوص عليه في السوائم صورة ومعنى غير معقول المعنى بل هو تعبد محض حتى أنه سبحانه وتعالى لو أمرنا بإتلافه حقا له أو سبيه لفعلنا ولم نعدل عن المنصوص عليه إلى غيره غير أن الله تعالى لما أمر بصرفه إلى عباده المحتاجين كفاية لهم وكفايتهم متعلقة بمطلق المال صار وجوب الصرف إليهم معقول المعنى وهو الكفاية التي تحصل بمطلق المال فصار معلولا بمطلق المال ، وكان أمره عز وجل أرباب الأموال بالصرف إلى الفقير إعلاما له أنه أذن لهم بنقل حقه الثابت في المنصوص عليه إلى مطلق المال ، كمن له على رجل حنطة ولرجل آخر على صاحب الدين دراهم فأمر من له الحنطة من عليه الحنطة بأن يقضي دين الدراهم من الذي له عليه وهو الحنطة كان ذلك إذنا منه إياه بنقل حقه إلى الدراهم بأن يستبدل الحنطة بالدراهم وجعل المأمور بالأداء كأنه أدى عين الحق إلى من له الحق ثم استبدل ذلك وصرف إلى الآخر ما أمر بالصرف إليه فصار ما وصل إلى الفقير معلولا بمطلق المال سواء كان المنصوص عليه أو غيره جزءا من النصاب أو غيره .

وأداء القيمة أداء مال مطلق مقدر بقيمة المنصوص عليه بنية الزكاة فيجزئه ، كما لو أدى واحدا من خمس من الإبل بخلاف السجود على الخد والذقن ; لأن معنى القربة فاتت أصلا ، ولهذا لا ينتقل به ولا يصار إليه عند العجز وما ليس بقربة لا يقوم مقام القربة وبخلاف الهدايا والضحايا ; لأن الواجب فيها إراقة الدم حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق لا يلزمه شيء .

وإراقة الدم ليس بمال فلا يقوم المال مقامه والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث