الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما صفة نصاب السائمة فله صفات منها أن يكون معدا للإسامة وهو أن يسيمها للدر والنسل لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المال النامي وهو المعد للاستنماء ، والنماء في الحيوان بالإسامة إذ بها يحصل النسل فيزداد المال فإن أسيمت للحمل أو الركوب أو اللحم فلا زكاة فيها ولو أسيمت للبيع والتجارة ففيها زكاة مال التجارة لا زكاة السائمة ، ثم السائمة هي الراعية التي تكتفي بالرعي عن العلف ويمونها ذلك ولا تحتاج إلى أن تعلف ، فإن كانت تسام في بعض السنة وتعلف وتمان في البعض يعتبر فيه الغالب ; لأن للأكثر حكم الكل .

ألا ترى أن أهل اللغة لا يمنعون من إطلاق اسم السائمة على ما تعلف زمانا قليلا من السنة ؟ ولأن وجوب الزكاة فيها لحصول معنى النماء وقلة المؤنة ; لأن عند ذلك يتيسر الأداء فيحصل الأداء عن طيب نفس وهذا المعنى يحصل إذا أسيمت في أكثر السنة .

ومنها أن يكون الجنس فيه واحدا من الإبل والبقر والغنم سواء اتفق النوع والصفة أو اختلفا ، فتجب الزكاة عند كمال النصاب من كل جنس من السوائم ، وسواء كانت كلها ذكورا أو إناثا أو مختلطة ، وسواء كانت من نوع واحد أو أنواع مختلفة كالعراب والبخاتى في الإبل ، والجواميس في البقر ، والضأن والمعز في الغنم ; لأن الشرع ورد بنصابها باسم الإبل والبقر والغنم فاسم الجنس يتناول جميع الأنواع بأي صفة كانت كاسم الحيوان وغير ذلك .

وسواء كان متولدا من الأهلي أو من أهلي ووحشي بعد أن كان الأم أهليا كالمتولد من الشاة والظبي إذا كان أمه شاة والمتولد من البقر الأهلي والوحشي إذا كان أمه أهلية فتجب فيه الزكاة ويكمل به النصاب عندنا وعند الشافعي [ ص: 31 ] لا زكاة فيه .

وجه قوله أن الشرع ورد باسم الشاة بقوله { : في أربعين شاة شاة } ، وهذا وإن كان شاة بالنسبة إلى الأم فليس بشاة بالنسبة إلى الفحل فلا يكون شاة على الإطلاق فلا يتناوله النص .

( ولنا ) أن جانب الأم راجح بدليل أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية ، ولما نذكر في كتاب العتاق إن شاء الله تعالى

ومنها السن وهو أن تكون كلها مسان أو بعضها فإن كان كلها صغارا فصلانا أو حملانا أو عجاجيل فلا زكاة فيها وهذا قول أبي حنيفة ومحمد .

وكان أبو حنيفة يقول أولا : يجب فيها ما يجب في الكبار وبه أخذ زفر ومالك ثم رجع وقال : يجب فيها واحدة منها وبه أخذ أبو يوسف والشافعي ، ثم رجع وقال : لا يجب فيها شيء واستقر عليه وبه أخذ محمد .

واختلفت الرواية عن أبي يوسف في زكاة الفصلان ، في رواية قال : لا زكاة فيها حتى تبلغ عددا لو كانت كبارا تجب فيها واحدة منها وهو خمسة وعشرون ، وفي رواية قال : في الخمس خمس فصيل ، وفي العشر خمس فصيل ، وفي خمسة عشر ثلاثة أخماس فصيل ، وفي عشرين أربعة أخماس فصيل ، وفي خمس وعشرين واحدة منها ، وفي رواية قال : في الخمس ينظر إلى قيمة شاة وسط وإلى قيمة خمس فصيل فيجب أقلهما ، وفي العشر ينظر إلى قيمة شاتين وإلى قيمة خمسي فصيل فيجب أقلهما ، وفي خمسة عشر ينظر إلى قيمة ثلاث شياه وإلى قيمة ثلاثة أخماس فصيل فيجب أقلهما ، وفي عشرين ينظر إلى قيمة أربعة شياه وإلى قيمة أربعة أخماس فصيل فيجب أقلهما ، وفي خمس وعشرين يجب واحدة منها ، وعلى رواياته كلها قال : لا تجب في الزيادة على خمس وعشرين شيء حتى تبلغ العدد الذي لو كانت كبارا يجب فيها اثنان وهو ستة وسبعون ، ثم لا يجب فيها شيء حتى تبلغ العدد الذي لو كانت كبارا يجب فيها ثلاثة وهو خمسة وأربعون .

واحتج زفر بعموم قول النبي : صلى الله عليه وسلم { في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض } ، وقوله { : في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة } من غير فصل بين الكبار والصغار .

وبه تبين أن المراد من الواجب في قوله : { في خمس من الإبل شاة } ، وفي قوله { في أربعين شاة شاة } هو الكبيرة لا الصغيرة ولأبي يوسف أنه لا بد من الإيجاب في الصغار لعموم قوله صلى الله عليه وسلم { : في خمس من الإبل شاة ، وفي أربعين شاة شاة } لكن لا سبيل إلى إيجاب المسنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم للسعاة : { إياكم وكرائم أموال الناس } ، وقوله : { لا تأخذوا من حزرات الأموال ولكن خذوا من حواشيها } وأخذ الكبار من الصغار أخذ من كرائم الأموال وحزراتها وإنه منهي ; ولأن مبنى الزكاة على النظر من الجانبين جانب الملاك وجانب الفقراء ألا ترى أن الواجب هو الوسط ؟ وما كان ذلك الأمر إلا مراعاته الجانبين ، وفي إيجاب المسنة إضرار بالملاك ; لأن قيمتها قد تزيد على قيمة النصاب وفيه إجحاف بأرباب الأموال وفي نفي الوجوب رأسا إضرار بالفقراء فكان العدل في إيجاب واحدة ، منها وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم ، والعناق هي الأنثى الصغيرة من أولاد المعز ، فدل أن أخذ الصغار زكاة كان أمرا ظاهرا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي حنيفة ومحمد أن تنصيب النصاب بالرأي ممتنع ، وإنما يعرف بالنص ، والنص إنما ورد باسم الإبل والبقر والغنم ، وهذه الأسامي لا تتناول الفصلان والحملان والعجاجيل فلم يثبت كونها نصابا وعن أبي بن كعب أنه قال وكان مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئا .

وأما قول الصديق : رضي الله عنه " لو منعوني عناقا " فقد روي عنه أنه قال : لو منعوني عقالا وهو صدقة عام أو الحبل الذي يعقل به الصدقة .

فتعارضت الرواية فيه فلم يكن حجة ، ولئن ثبت فهو كلام تمثيل لا تحقيق أي : لو وجبت هذه ومنعوها لقاتلتهم .

وأما صورة هذه المسألة فقد تكلم المشايخ فيها ; لأنها مشكلة إذ الزكاة لا تجب قبل تمام الحول وبعد تمامه لا يبقى اسم الفصيل والحمل والعجول بل تصير مسنة .

قال بعضهم : الخلاف في أن الحول هل ينعقد عليها وهي صغارا ؟ ويعتبر انعقاد الحول عليها إذا كبرت وزالت صفة الصغر عنها .

وقال بعضهم : الخلاف فيما إذا كان له نصاب من النوق فمضى عليها ستة أشهر أو أكثر فولدت أولادا ثم ماتت الأمهات وتم الحول على الأولاد وهي صغار هل تجب الزكاة في الأولاد أم لا ؟ وعلى هذا الاختلاف إذا كان له مسنات فاستفاد في خلال الحول صغارا ثم هلكت المسنات وبقي المستفاد أنه هل تجب الزكاة في المستفاد ؟ فهو على ما ذكرنا ، وإلى هذا أشار محمد رحمه الله تعالى في الكتاب فيمن كان له أربعون حملا وواحدة مسنة [ ص: 32 ] فهلكت المسنة وتم الحول على الحملان أنه لا يجب شيء عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف تجب واحدة منها ، وعند زفر تجب مسنة ، هذا إذا كان الكل صغارا فأما إذا اجتمعت الصغار والكبار وكان واحد منهما كبيرا فإن الصغار تعد ويجب فيها ما يجب في الكبار وهو المسنة بلا خلاف ; لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : وتعد صغارها وكبارها } .

وروي أن الناس شكوا إلى عمر عامله وقالوا : إنه يعد علينا السخلة ولا يأخذها منا ، فقال عمر : أليس يترك لكم الربى والماخض والأكيلة وفحل الغنم ؟ ثم قال : عدها ولو راح بها الراعي على كفه ولا تأخذها منهم ، ولأنها إذا كانت مختلطة بالكبار أو كان فيها كبير دخلت تحت اسم الإبل والبقر والغنم فتدخل تحت عموم النصوص فيجب فيها ما يجب في الكبار ، ولأنه إذا كان فيها مسنة كانت تبعا للمسنة فيعتبر الأصل دون التبع ، فإن كان واحد منها مسنة فهلكت المسنة بعد الحول سقطت الزكاة عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف تجب في الصغار وزكاتها بقدرها حتى لو كانت حملانا يجب عليه تسعة وثلاثون جزءا من أربعين جزءا من الحمل ; لأن عندهما وجوب الزكاة في الصغار لأجل الكبار تبعا لها فكانت أصلا في الزكاة فهلاكها كهلاك الجميع ، وعنده الصغار أصل في النصاب .

والواجب واحد منها ، وإنما الفصل على الحمل الواحد باعتبار المسنة فهلاكها يسقط الفصل لا أصل الواجب .

ولو هلكت الحملان وبقيت المسنة يؤخذ قسطها من الزكاة وذلك جزءا من أربعين جزءا من المسنة ; لأن المسنة كانت سبب زكاة نفسها وزكاة تسعة وثلاثين سواها ; لأن كل الفريضة كانت فيها لكن أعطى الصغار حكم الكبار تبعا لها فصارت الصغار كأنها كبار فإذا هلكت الحملان هلكت بقسطها من الفريضة وبقيت المسنة بقسطها من الفريضة ، وهو ما ذكرنا ، ثم الأصل حال اختلاط الصغار بالكبار أنه تجب الزكاة في الصغار تبعا للكبار إذا كان العدد الواجب في الكبار موجودا في الصغار في قولهم جميعا فإذا لم يكن عدد الواجب في الكبار كله موجودا في الصغار فإنها تجب بقدر الموجود على أصل أبي حنيفة ومحمد بيان ذلك إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملا يجب فيها مسنتان بلا خلاف ; لأن عدد الواجب موجود فيه .

وإن كان له مسنة واحدة ومائة وعشرون حملا أخذت تلك المسنة لا غير في قول أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف تؤخذ المسنة وحمل وكذلك ستون من العجاجيل فيها تبيع عند أبي حنيفة ومحمد يؤخذ التبيع لا غير ، وعند أبي يوسف يؤخذ التبيع وعجول وكذلك ستة وسبعون من الفصلان فيها بنت لبون أنها تؤخذ فحسب في قولهما ، وعند أبي يوسف تؤخذ بنت لبون وفصيل ; لأن الوجوب لا يتعلق بالصغار أصلا عندهما وعنده يتعلق بها والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث