الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الذي يرجع إلى المؤدي فمنها أن يكون مالا متقوما على الإطلاق سواء كان منصوصا عليه أو لا من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة أو من غير جنسه .

والأصل أن كل مال يجوز التصدق به تطوعا يجوز أداء الزكاة منه وما لا فلا وهذا عندنا ، وعند الشافعي لا يجوز الأداء المنصوص عليه وقد مضت المسألة غير أن المؤدى يعتبر فيه القدر والصفة في بعض الأموال وفي بعضها القدر دون الصفة وفي بعضها الصفة دون القدر وفي بعض هذه الجملة اتفاق وفي بعضها اختلاف .

وجملة الكلام فيه أن مال الزكاة لا يخلو إما أن يكون عينا وإما أن يكون دينا ، والعين لا يخلو إما أن تكون مما لا يجري فيه الربا كالحيوان والعروض وإما أن يكون مما يجري فيه الربا كالمكيل والموزون .

فإن كان مما لا يجري فيه الربا فإن كان من السوائم فإن أدى المنصوص عليه من الشاة وبنت المخاض ونحو ذلك يراعى فيه صفة الواجب وهو أن يكون وسطا فلا يجوز الرديء إلا على طريق التقويم فبقدر قيمته وعليه التكميل ; لأنه لم يؤد الواجب ولو أدى الجيد جاز ; لأنه أدى الواجب وزيادة .

وإن أدى القيمة أدى قيمة الوسط فإن أدى قيمة الرديء لم يجز إلا بقدر قيمته وعليه التكميل .

ولو أدى شاة واحدة سمينة عن شاتين وسطين تعدل قيمتها قيمة شاتين وسطين جاز ; لأن الحيوان ليس من أموال الربا والجودة في غير أموال الربا متقومة ألا ترى أنه يجوز بيع شاة بشاتين ؟ فبقدر الوسط يقع عن نفسه وبقدر قيمة الجودة يقع عن شاة أخرى وإن كان من عروض التجارة فإن أدى من النصاب ربع عشره يجوز كيفما كان النصاب ; لأنه أدى الواجب بكماله وإن أدى من غير النصاب فإن كان من جنسه يراعى فيه صفة الواجب من الجيد والوسط والرديء ولو أدى الرديء مكان الجيد والوسط لا يجوز إلا على طريق التقويم بقدره وعليه التكميل ; لأن العروض ليست من أموال الربا حتى يجوز بيع ثوب بثوبين فكانت الجودة فيها متقومة ; ولهذا لو أدى ثوبا جيدا عن ثوبين رديئين يجوز ، وإن كان من خلاف جنسه يراعى فيه قيمة الواجب حتى لو أدى أنقص منه لا يجوز إلا بقدره وإن كان مال الزكاة مما يجري فيه الربا من الكيلي والوزني فإن أدى ربع عشر النصاب يجوز كيفما كان ; لأنه أدى ما وجب عليه وإن أدى من غير النصاب فلا يخلو إما أن كان من جنس النصاب وإما أن كان من خلاف جنسه فإن كان المؤدى من خلاف جنسه بأن أدى الذهب عن الفضة أو [ ص: 42 ] الحنطة عن الشعير يراعى قيمة الواجب بالإجماع حتى لو أدى أنقص منها لا يسقط عنه كل الواجب بل يجب عليه التكميل ; لأن الجودة في أموال الربا متقومة عند مقابلتها بخلاف جنسها وإن كان المؤدى من جنس النصاب فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال قال أبو حنيفة وأبو يوسف : إن المعتبر هو القدر لا القيمة ، وقال زفر : المعتبر هو القيمة لا القدر ، وقال محمد : المعتبر ما هو أنفع للفقراء فإن كان اعتبار القدر أنفع فالمعتبر هو القدر كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف وإن كان اعتبار القيمة أنفع فالمعتبر هو القيمة كما قال زفر .

وبيان هذا في مسائل ، إذا كان له مائتان قفيز حنطة جيدة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال عليها الحول فلم يؤد منها وأدى خمسة أقفزة رديئة يجوز أن تسقط عنه الزكاة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ويعتبر القدر لا قيمة الجودة وعند محمد وزفر عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب اعتبارا في حق الفقراء للقيمة عند زفر واعتبارا للأنفع عند محمد والصحيح اعتبار أبي حنيفة وأبي يوسف ; لأن الجودة في الأموال الربوية لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم { جيدها ورديئها سواء } إلا أن محمدا يقول : إن الجودة متقومة حقيقة وإنما سقط اعتبار تقومها شرعا لجريان الربا ، والربا اسم لمال يستحق بالبيع ولم يوجد والجواب أن المسقط لاعتبار الجودة وهو النص مطلق فيقتضي سقوط تقومها مطلقا إلا فيما قيد بدليل ، ولو كان النصاب حنطة رديئة للتجارة قيمتها مائتا درهم فأدى أربعة أقفزة جيدة عن خمسة أقفزة رديئة لا يجوز إلا عن أربعة أقفزة منها ، وعليه أن يؤدي قفيزا آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد اعتبارا للقدر دون القيمة عندهما واعتبارا للأنفع للفقراء عند محمد ، وعند زفر لا يجب عليه شيء آخر اعتبارا للقيمة عنده ، وعلى هذا إذا كان له مائتا درهم جيدة حال عليها الحول فأدى خمسة زيوفا جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف ; لوجود القدر ولا يجوز عند محمد وزفر لعدم القيمة والأنفع ، ولو أدى أربعة دراهم جيدة عن خمسة رديئة لا يجوز إلا عن أربعة دراهم وعليه درهم آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد .

وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلاعتبار القدر والقدر ناقص .

وأما عند محمد فلاعتبار الأنفع للفقراء والقدر ههنا أنفع لهم ، وعلى أصل زفر يجوز لاعتبار القيمة ولو كان له قلب فضة أو إناء مصنوع من فضة جيدة وزنه مائتا درهم وقيمته لجودته وصياغته ثلاثمائة فإن أدى من النصاب أدى ربع عشره ، وإن أدى من الجنس من غير النصاب يؤدي خمسة دراهم زكاة المائتين عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر يؤدي زكاة ثلاثمائة درهم بناء على الأصل الذي ذكرنا ، وإن أدى من غير جنسة يؤدي زكاة ثلاثمائة وذلك سبعة دراهم ونصف بالإجماع ; لأن قيمة الجودة تظهر عند المقابلة بخلاف الجنس ، ولو أدى عنها خمسة زيوفا قيمتها أربعة دراهم جيدة جاز وسقطت عنه الزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد وزفر عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب وعلى هذا النذر إذا أوجب على نفسه صدقة قفيز حنطة جيدة فأدى قفيزا رديئا يخرج عن النذر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد وزفر عليه أداء الفضل ولو أوجب على نفسه صدقة قفيز حنطة رديئة فتصدق بنصف قفيز حنطة جيدة تبلغ قيمته قيمة قفيز حنطة رديئة لا يجوز إلا على النصف وعليه أن يتصدق بنصف آخر في قول أصحابنا الثلاثة ، وفي قول زفر لا شيء عليه غيره وهذا والزكاة سواء والأصل ما ذكرنا .

ولو أوجب على نفسه صدقة بشاتين فتصدق مكانهما بشاة واحدة تبلغ قيمتها قيمة شاتين جاز ويخرج عن النذر كما في الزكاة وهذا بخلاف ما إذا أوجب على نفسه أن يهدي شاتين فأهدى مكانهما شاة تبلغ قيمتها قيمة شاتين إنه لا يجوز إلا عن واحدة منهما وعليه شاة أخرى ; لأن القربة هناك في نفس الإراقة لا في التمليك ، وإراقة دم واحد لا يقوم مقام إراقة دمين .

وكذا لو أوجب على نفسه عتق رقبتين فأعتق رقبة تبلغ قيمتها قيمة رقبتين لم يجز ; لأن الرقبة ثمة ليس في التمليك بل في إزالة الرق ، وإزالة رق واحد لا يقوم مقام إزالة رقين ولهذا لم يجز إعتاق رقبة واحدة وإن كانت سمينة إلا عن كفارة واحدة والله أعلم .

وإن كان مال الزكاة دينا فجملة الكلام فيه أداء العين عن العين جائز بأن كان له مائتا درهم عين فحال عليها الحول فأدى خمسة منها ; لأنه أداء الكامل عن الكامل فقد أدى ما وجب عليه فيخرج عن الواجب .

وكذا إذا أدى العين عن الدين بأن كان له مائتا درهم دين فحال عليها الحول ووجبت فيها الزكاة [ ص: 43 ] فأدى خمسة عينا عن الدين ; لأنه أداء الكامل عن الناقص ; لأن العين مال بنفسه ومالية الدين لاعتبار تعينه في العاقبة .

وكذا العين قابل للتمليك من جميع الناس والدين لا يقبل التمليك لغير من عليه الدين ، وأداء الدين عن العين لا يجوز بأن كان له على فقير خمسة دراهم وله مائتا درهم عين حال عليها الحول فتصدق بالخمسة على الفقير ناويا عن زكاة المائتين ; لأنه أداء الناقص عن الكامل فلا يخرج عما عليه ، والحيلة في الجواز أن يتصدق عليه بخمسة دراهم عين ينوي عن زكاة المائتين ثم يأخذها منه قضاء عن دينه فيجوز ويحل له ذلك .

وأما أداء الدين عن الدين فإن كان عن دين يصير عينا لا يجوز بأن كان له على فقير خمسة دراهم دين وله على رجل آخر مائتا درهم فحال عليها الحول فتصدق بهذه الخمسة على من عليه ناويا عن زكاة المائتين ; لأن المائتين تصير عينا بالاستيفاء فتبين في الآخرة أن هذا أداء الدين عن العين وأنه لا يجوز لما بينا .

وإن كان عن دين لا يصير عينا يجوز بأن كان له على فقير مائتا درهم دين فحال عليها الحول فوهب منه المائتين ينوي عن الزكاة ; لأن هذا دين لا ينقلب عينا فلا يظهر في الآخرة أن هذا أداء الدين عن العين فلا يظهر أنه أداء الناقص عن الكامل فيجوز هذا إذا كان من عليه الدين فقيرا فوهب المائتين له أو تصدق بها عليه فأما إذا كان غنيا فوهب أو تصدق فلا شك أنه سقط عنه الدين لكن هل يجوز وتسقط عنه الزكاة أم لا يجوز وتكون زكاتها دينا عليه ؟ ذكر في الجامع أنه لا يجوز ويكون قدر الزكاة مضمونا عليه وذكر في نوادر الزكاة أنه يجوز وجه رواية الجامع ظاهر ; لأنه دفع الزكاة إلى الغني مع العلم بحاله أو من غير تحر وهذا لا يجوز بالإجماع

وجه رواية النوادر أن الجواز ليس على معنى سقوط الواجب بل على امتناع الوجوب ; لأن الوجوب باعتبار ماليته وماليته باعتبار صيرورته عينا في العاقبة فإذا لم يصر تبين أنه لم يكن مالا والزكاة لا تجب فيما ليس بمال والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث