الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر خبر يوسف بلكين بن زيري بن مناد وأهل بيته

هو يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي الحميري ، اجتمعت صنهاجة ومن والاها بالمغرب على طاعته ، قبل أن يقدمه المنصور ، وكان أبوه مناد كبيرا في قومه ، كثير المال والولد ، حسن الضيافة لمن يمر به ، ويقدم ابنه زيري في أيامه ، وقاد كثيرا من [ ص: 307 ] صنهاجة ، وأغار بهم ، وسبى ، فحسدته زناتة ، وجمعت له لتسير إليه وتحاربه ، فسار إليهم مجدا ، فكبسهم ليلا وهم غارون بأرض مغيلة ، فقتل منهم كثيرا ، وغنم ما معهم ، فكثر تبعه ، فضاقت بهم أرضهم ، فقالوا له : لو اتخذت لنا بلدا غير هذا ، فسار بهم إلى موضع مدينة أشير ، فرأى ما فيه من العيون ، فاستحسنه ، وبنى فيه مدينة أشير ، وسكنها هو وأصحابه ، وكان ذلك سنة أربع وستين وثلاثمائة .

وكانت زناتة تفسد في البلاد ، فإذا طلبوا احتموا بالجبال والبراري ، فلما بنيت أشير صارت صنهاجة بين زناتة والبربر ، فسر بذلك القائم .

وسمع زيري بغمارة وفسادهم ، واستحلالهم المحرمات ، وأنهم قد ظهر فيهم نبي ، فسار إليهم وغزاهم ، وظفر بهم ، وأخذ الذي كان يدعي النبوة أسيرا ، وأحضر الفقهاء فقتله .

ثم كان له أثر حسن في حادثة أبي يزيد الخارجي ، وحمل الميرة إلى القائم بالمهدية ، فحسن موقعها منه .

ثم إن زناتة حصرت مدينة أشير ، فجمع لهم زيري جموعا كثيرة ، وجرى بينهم عدة وقعات قتل فيها كثير من الفريقين ، ثم ظفر بهم واستباحهم .

ثم ظهر بجبل أوراس رجل ، وخالف على المنصور ، وكثر جمعه ، يقال له سعيد بن يوسف ، فسير إليه زيري ولده بلكين في جيش كثيف ، فلقيه عند باغاية ، واقتتلوا ، فقتل الخارجي ومن معه من هوارة وغيرهم ، فزاد محله عند المنصور ، وكان له في فتح مدينة فاس أثر عظيم ، على ما ذكرناه .

ثم إن بلكين بن زيري قصد محمد بن الحسين بن خزر الزناتي ، وقد خرج عن طاعة المعز ، وكثر جمعه ، وعظم شأنه ، فظفر به يوسف بلكين ، وأكثر القتل في أصحابه ، فسر المعز بذلك سرورا عظيما لأنه كان يريد [ أن ] يستخلف يوسف بلكين على الغرب لقوته ، وكثرة أتباعه ، وكان يخاف أن يتغلب على البلاد بعد مسيره عنها إلى مصر . فلما استحكمت الوحشة بينه وبين زناتة أمن تغلبه على البلاد .

ثم إن جعفر بن علي ، صاحب مدينة مسيلة وأعمال الزاب ، كان بينه وبين زيري محاسدة ، فلما كثر تقدم زيري عند المعز ساء ذلك جعفرا ، ففارق بلاده ولحق بزناتة فقبلوه قبولا عظيما ، وملكوه عليهم عداوة لزيري ، وعصى على المعز ، فسار زيري إليه [ ص: 308 ] في جمع كثير من صنهاجة وغيرهم ، فالتقوا في شهر رمضان ، واشتد القتال بينهم ، فكبا بزيري فرسه ( فوقع ) فقتل ، ورأى جعفر من زناتة تغيرا عن طاعته ، وندما على قتل زيري ، فقال لهم : إن ابنه يوسف بلكين لا يترك ثأر أبيه ، ولا يرضى بمن قتل منكم ، والرأي أن نتحصن بالجبال المنيعة ، والأوعار ، فأجابوه إلى ذلك ، فحمل ماله وأهله في المراكب ، وبقي هو مع الزناتيين ، وأمر عبيده ( في المراكب ) أن يعملوا في المراكب فتنة ، ففعلوا وهو يشاهدهم من البر ، فقال لزناتة : أريد [ أن ] أنظر ما سبب هذا الشر ، فصعد المركب ، ونجا معهم ، وسار إلى الأندلس إلى الحاكم الأموي ، فأكرمه ، وأحسن إليه ، وندمت زناتة كيف لم يقتلوه ويغنموا ما معه .

ثم إن يوسف بلكين جمع فأكثر ، وقصد زناتة ، وأكثر القتل فيهم وسبى نساءهم ، وغنم أولادهم ، وأمر أن تجعل القدور على رءوسهم ، ويطبخ فيها ، ولما سمع المعز بذلك سره أيضا ، وزاد في أقطاع بلكين المسيلة وأعمالها ، وعظم شأنه ، ونذكر باقي أحواله بعد ملكه إفريقية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث