الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر عود بختيار إلى ملكه

لما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متوليا لها ، فلما بلغه قبض والده امتنع فيها على عضد الدولة ، وكتب إلى ركن الدولة يشكو ما جرى على والده وعميه من عضد الدولة ومن أبي الفتح بن العميد ، ويذكر له الحيلة التي تمت عليه ، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه ( عن سريره ) إلى الأرض وتمرغ عليها ، وامتنع من الأكل والشرب عدة أيام ، ومرض مرضا لم يستقل منه باقي حياته .

وكان محمد بن بقية ، بعد بختيار ، قد خدم عضد الدولة ، وضمن منه مدينة واسط وأعمالها ، فلما صار إليها خلع طاعة الدولة ، وخالف عليه وأظهر الامتعاض لقبض [ ص: 330 ] بختيار ، وكاتب عمران بن شاهين ، وطلب مساعدته ، وحذره مكر عضد الدولة ، فأجابه عمران إلى ما التمس .

وكان عضد الدولة قد ضمن سهل بن بشر ، وزير الفتكين ، بلد الأهواز ، وأخرجه ( من حبس ) بختيار ، فكاتبه محمد بن بقية واستماله ، فأجابه ، فلما عصى ابن بقية أنفذ إليه عضد الدولة جيشا قويا ، فخرج إليهم ابن بقية في الماء ومعه عسكر قد سيره إليه عمران ، فانهزم أصحاب عضد الدولة أقبح هزيمة ، وكاتب ركن الدولة بحاله حال بختيار ، فكتب ركن الدولة إليه وإلى المرزبان وغيرهما ممن احتمى لبختيار ، يأمرهم بالثبات والصبر ، ويعرفهم أنه على المسير إلى العراق لإخراج عضد الدولة وإعادة بختيار .

فاضطربت النواحي على عضد الدولة ، وتجاسر عليه الأعداء حيث علموا إنكار أبيه عليه ، وانقطعت عنه مواد فارس والبحر ، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداذ ، وطمع فيه العامة وأشرف على ما يكره ، فرأى إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يعرفه ما جرى له وما فرق من الأموال ، وضعف بختيار عن حفظ البلاد ، وإن أعيد إلى حاله خرجت المملكة والخلافة عنهم ، وكان بوارهم ، ويسأل ترك نصرة بختيار ، وقال لأبي الفتح : فإن أجاب إلى ما تريد منه ، وإلا فقل له : إنني أضمن منك أعمال العراق ، وأحمل إليك منها كل سنة ثلاثين ألف ألف درهم ، وأبعث بختيار وأخويه إليك لتجعلهم بالخيار ، فإن اختاروا أقاموا عنك ، وإن اختاروا بعض بلاد فارس سلمته إليهم ، ووسعت عليهم ، وإن أجبت أنت أن تحضر في العراق لتلي تدبير الخلافة ، وتنفذ بختيار إلى الري وأعود أنا إلى فارس فالأمر إليك .

وقال لابن العميد : فإن أجاب إلى ما ذكرت له ، وإلا فقل له : أيها السيد الوالد ، أنت مقبول الحكم والقول ، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد مكاشفتهم ، وإظهار العداوة ، وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه ، فتنتشر الكلمة ، ويختلف أهل البيت أبدا ، فإن قبلت ما ذكرته فأنا العبد الطائع ، وإن أبيت ، وحكمت بانصرافي ، فإني سأقتل بختيار وأخويه ، وأقبض على كل من أتهمه بالميل إليهم وأخرج عن العراق ، وأترك البلاد سائبة ليدبرها من اتفقت له .

فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة ، وأشار أن يسير بها غيره ، ويسير هو بعد ذلك ، ويكون كالمشير على ركن الدولة بإجابته إلى ما طلب ، فأرسل عضد الدولة رسولا بهذه الرسالة ، وسير بعده ابن العميد على الجمازات ، فلما حضر الرسول عند ركن [ ص: 331 ] الدولة ، وذكر بعض الرسالة ، وثب إليه ليقتله ، فهرب من بين يديه ، ثم رده بعد أن سكن غضبه ، وقال : قل لفلان ، يعني عضد الدولة ، وسماه بغير اسمه ، وشتمه ، خرجت إلى نصرة ابن أخي وللطمع في مملكته ، أما عرفت أني نصرت الحسن بن الفيرزان ، وهو غريب مني ، مرارا كثيرة أخاطر فيها بملكي ونفسي ، فإذا أعدت له بلاده ، ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد . ثم انصرف إبراهيم بن المرزبان ، وأعدته إلى أذربيجان ، وأنفذت وزيري وعساكري في نصرته ، ولم آخذ منه درهما واحدا ، كل ذلك طلبا لحسن الذكر ، ومحافظة على الفتوة ، تريد أن تمن أنت علي بدرهمين أنفقتهما أنت علي وعلى أولاد أخي ، ثم تطمع في ممالكهم وتهددني بقتلهم ! .

فعاد الرسول ووصل ابن العميد ، فحجبه عنه ، ولم يسمع حديثه ، وتهدده بالهلاك ، وأنفذ إليه يقول له : لأتركنك وذلك الفاعل ، يعني عضد الدولة ، تجتهدان جهدكما ، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلاثمائة جمازة وعليها الرجل ، ثم اثبتوا إن شئتم ، فوالله لا قاتلتكما إلا بأقرب الناس إليكما .

وكان ركن الدولة يقول : إنني أرى أخي معز الدولة كل ليلة في المنام يعض على أنامله ويقول : يا أخي هكذا ضمنت لي أن تخلفني في ولدي . وكان ركن الدولة يحب أخاه محبة شديدة لأنه رباه ، فكان عنده بمنزلة الولد .

ثم إن الناس سعوا لابن العميد ، وتوسطوا الحال بينه وبين ركن الدولة ، وقالوا : إنما تحمل ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقا للخلاص من عضد الدولة ، والوصول إليك لتأمر بما تراه . فأذن له في الحضور عنده ، فاجتمع به ، وضمن له إعادة عضد الدولة إلى فارس ، وتقرير بختيار بالعراق ، فرده إلى عضد الدولة ، وعرفه جلية الحال .

فلما رأى عضد الدولة انحراف الأمور عليه من كل ناحية إلى المسير إلى فارس وإعادة بختيار ، فأخرجه من محبسه ، وخلع عليه ، وشرط عليه أن يكون نائبا عنه بالعراق ، ويخطب له ، ويجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعف بختيار ، ورد عليهم جميع ما كان لهم ، وسار إلى فارس في شوال في هذه السنة ، وأمر أبا الفتح بن العميد ، وزير أبيه ، أن يلحقه بعد ثلاثة أيام .

فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار متشاغلا بالذات ، وبما هو بختيار مغرى به من اللعب ، واتفقا باطنا على أنه إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر له ، واتصل ذلك بعضد الدولة ، فكان سبب هلاك ابن العميد ، على ما نذكره .

[ ص: 332 ] واستقر بختيار ببغداذ ، ولم يقف لعضد الدولة على العهود . فلما ثبت أمر بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له ، وحضر عنده ، وأكد الوحشة بين بختيار وعضد الدولة ، ( وثارت الفتنة بعد مسير عضد الدولة ) ، واستمال ابن بقية الأجناد ، وجبى كثيرا من الأموال إلى خزانته ، وكان إذا طالبه بختيار بالمال وضع الجند على مطالبته ، فثقل على بختيار فاستشار في مكروه يوقعه به ، فبلغ ذلك ابن بقية ، فعاتب بختيار عليه ، فأنكره وحلف له فاحترز ابن بقية منه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث