الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر مسير المسترشد إلى حرب السلطان مسعود وانهزامه

في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود في شهر رمضان ، وسبب ذلك أن السلطان مسعودا لما سافر من بغداد إلى همذان بعد موت أخيه طغرل وملكها - فارقه جماعة من أعيان الأمراء منهم يرنقش بازدار ، [ ص: 62 ] وقزل آخر ، وسنقر الخمارتكين والي همذان ، وعبد الرحمن بن طغايرك ، وغيرهم ، خائفين منه مستوحشين ، ومعهم عدد كثير ، وانضاف إليهم دبيس بن صدقة .

وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه الأمان ليحضروا خدمته ، فقيل : إنها مكيدة لأن دبيسا معهم ، وساروا نحو خوزستان ، واتفقوا مع برسق بن برسق ، فأرسل الخليفة إليهم سديد الدولة بن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين بتطييب نفوسهم ، والأمر بحضورهم .

وكان الأمراء المذكورون قد عزموا على قبض دبيس ، والتقرب إلى الخليفة بحمله إليه ، فبلغه ذلك فهرب إلى السلطان مسعود .

وسار الأمراء إلى بغداد في رجب ، فأكرمهم الخليفة ، وحمل إليهم الإقامات والخلع ، وقطعت خطب السلطان مسعود من بغداد ، وبرز الخليفة في العشرين من رجب على عزم المسير إلى قتال مسعود ، وأقام في الشفيعي ، فعصى عليه بكبه صاحب البصرة فهرب إليها ، فراسله وبذل له الأمان فلم يعد إليه .

وتريث الخليفة عن المسير ، وهؤلاء الأمراء يحسنون له الرحيل ، ويسهلون عليه الأمر ، ويضعفون عنده أمر السلطان مسعود ، فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا البلاد وأفسدوا ، ولم ينكر عليهم أحد شيئا ، ثم سار الخليفة ثامن شعبان ، ولحق به في الطريق الأمير برسق بن برسق فبلغت عدتهم سبعة آلاف فارس ، وتخلف بالعراق مع إقبال خادم المسترشد بالله ثلاثة آلاف فارس .

وكان السلطان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمسمائة فارس ، وكان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ، ويبذلون له الطاعة ، فتريث في طريقه ، فاستصلح السلطان مسعود أكثرهم حتى صاروا في نحو خمسة عشر ألف فارس ، وتسلل جماعة كثيرة من عسكر الخليفة حتى بقي في خمسة آلاف ، وأرسل أتابك زنكي نجدة فلم تلحق .

[ ص: 63 ] وأرسل الملك داود ابن السلطان محمود وهو بأذربيجان إلى الخليفة يشير بالميل إلى الدينور ليحضر بنفسه وعسكره ، فلم يفعل المسترشد ذلك ، وسار حتى بلغ دايمرج ، وعبأ أصحابه ، فجعل في الميمنة يرنقش بازدار ونور الدولة سنقر ، وقزل آخر ، وبرسق بن برسق ، وجعل في المسيرة جاولي وبرسق شراب سلار ، وأغلبك الذي كان الخليفة قد قبض عليه وأخرجه من محبسه .

ولما بلغ السلطان مسعودا خبرهم سار إليهم مجدا ، فواقعهم بدايمرج عاشر رمضان ، وانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان مسعود فصارت معه ، واقتتلت ميمنته وميسرة السلطان قتالا ضعيفا ، ودار به عسكر السلطان وهو ثابت لم يتحرك من مكانه ، وانهزم عسكره ، وأخذ هو أسيرا ، ومعه جمع كثير من أصحابه ، منهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي ، وقاضي القضاة ، وصاحب المخزن ابن طلحة ، وابن الأنباري ، والخطباء ، والفقهاء ، والشهود ، وغيرهم ، وأنزل الخليفة في خيمة ، وغنموا ما في معسكره وكان كثيرا ، فحمل الوزير ، وقاضي القضاة ، وابن الأنباري ، وصاحب المخزن ، وغيرهم من الأكابر إلى قلعة سرجهان ، وباعوا الباقين بالثمن الطفيف ، ولم يقتل في هذه المعركة أحد ، وهذا من أعجب ما يحكى .

وعاد السلطان إلى همذان ، وأمر فنودي :

من تبعنا إلى همذان من البغداديين قتلناه ، فرجع الناس كلهم على أقبح حالة لا يعرفون طريقا ، وليس معهم ما يحملهم ، وسير السلطان الأمير بك أبه المحمودي إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عبيد ، فقبضوا جميع أملاك الخليفة ، وأخذوا غلاتها .

وثار جماعة من عامة بغداد ، فكسروا المنبر والشباك ، ومنعوا من الخطبة ، وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب على رءوسهم ويبكون ويصيحون ، وخرجت النساء حاسرات في الأسواق يلطمن ، واقتتل أصحاب الشحنة ، وعامة بغداد ، فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين قتيلا ، وهرب الوالي وحاجب الباب .

وأما السلطان فإنه سار في شوال من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن [ ص: 64 ] أخيه محمود ، وكان قد عصى عليه ، فنزل على فرسخين من مراغة والمسترشد معه ، فترددت الرسل بين الخليفة وبين السلطان في الصلح ، فاستقرت القاعدة على ما نذكره إن شاء الله ، والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث