الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 18 ] ذكر قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم

وفي هذه السنة قتل مروان بن محمد ، وكان قتله ببوصير ، من أعمال مصر ، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة .

وكان مروان لما هزمه عبد الله بن علي بالزاب أتى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمرو التغلبي ، وبشر بن خزيمة الأسدي فقطعا الجسر ، فناداهم أهل الشام : هذا أمير المؤمنين مروان ! فقالوا : كذبتم ، أمير المؤمنين لا يفر ! وسبه أهل الموصل ، وقالوا : يا جعدي ! يا معطل الحمد لله الذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم ! الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا ! فلما سمع ذلك سار إلى بلد فعبر دجلة وأتى حران ، وبها ابن أخيه أبان بن يزيد بن محمد بن مروان عامله عليها ، فأقام بها نيفا وعشرين يوما .

وسار عبد الله بن علي حتى أتى الموصل ، فدخلها وعزل عنها هشاما ، واستعمل عليها محمد بن صول ، ثم سار في أثر مروان بن محمد ، فلما دنا منه عبد الله حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزما ، وخلف بمدينة حران ابن أخيه أبان بن يزيد ، وتحته أم عثمان ابنة مروان .

وقدم عبد الله بن علي حران ، فلقيه أبان مسودا مبايعا له ، فبايعه ودخل في طاعته ، فآمنه ومن كان بحران والجزيرة .

ومضى مروان إلى حمص ، فلقيه أهلها بالسمع والطاعة ، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم سار منها . فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه ، وقالوا : مرعوب منهزم ، فاتبعوه بعدما رحل عنهم فلحقوه على أميال .

فلما رأى غبرة الخيل كمن لهم ، فلما جاوزوا الكمين صافهم مروان فيمن معه وناشدهم ، فأبوا إلا قتاله ، فقاتلهم وأتاهم الكمين من خلفهم ، فانهزم أهل حمص وقتلوا حتى انتهوا إلى قريب المدينة .

وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان ، فخلفه بها وقال : قاتلهم حتى يجتمع أهل الشام . ومضى مروان حتى أتى فلسطين فنزل نهر أبي فطرس ، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي ، فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره ، وكان بيت المال في يد الحكم .

وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن علي يأمره باتباع مروان ، فسار حتى أتى الموصل ، فتلقاه من بها مسودين وفتحوا له المدينة ، ثم سار إلى حران ، فتلقاه أبان بن يزيد مسودا ، كما تقدم ، فآمنه وهدم عبد الله الدار التي حبس فيها إبراهيم .

ثم سار من حران إلى منبج ، وقد سودوا ، فأقام بها ، وبعث إليه أهل قنسرين ببيعتهم ، وقدم عليه [ ص: 19 ] أخوه عبد الصمد بن علي أرسله السفاح مددا له في أربعة آلاف ، فسار بعد قدوم عبد الصمد بيومين إلى قنسرين ، وكانوا قد سودوا ، ( فأقام يومين ) ، ثم سار إلى حمص وبايع أهلها وأقام بها أياما ، ثم سار إلى بعلبك ، فأقام يومين ، ثم سار فنزل مزة دمشق ، وهي قرية من قرى الغوطة .

وقدم عليه أخوه صالح بن علي مددا ، فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف ، ثم تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقي ، ونزل صالح على باب الجابية ، ونزل أبو عون على باب كيسان ، ونزل بسام بن إبراهيم على باب الصغير ، ونزل حميد بن قحطبة على باب توما ، وعبد الصمد ، ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس ، وفي دمشق الوليد بن معاوية ، فحصروه ودخلوها عنوة يوم الأربعاء لخمس مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة .

وكان أول من صعد سور المدينة من باب شرقي عبد الله الطائي ، ومن ناحية باب الصغير بسام بن إبراهيم ، فقاتلوا بها ثلاث ساعات ، وقتل الوليد بن معاوية فيمن قتل .

وأقام عبد الله بن علي في دمشق خمسة عشر يوما ، ثم سار يريد فلسطين ، فلقيه أهل الأردن وقد سودوا ، وأتى نهر أبي فطرس وقد ذهب مروان ، فأقام عبد الله بفلسطين ، ونزل بالمدينة يحيى بن جعفر الهاشمي ، فأتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن علي في طلب مروان .

فسار صالح من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، ومعه ابن فتان ، وعامر بن إسماعيل ، فقدم صالح أبا عون ، وعامر بن إسماعيل الحارثي ، فساروا حتى بلغوا العريش .

فأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام .

وسار صالح فنزل النيل ، ثم سار حتى أتى الصعيد ، وبلغه أن خيلا لمروان يحرقون الأعلاف فوجه إليهم فأخذوا ، وقدم بهم على صالح وهو بالفسطاط ، وسار فنزل موضعا يقال له ذات السلاسل .

وقدم أبو عون عامر بن إسماعيل الحارثي ، وشعبة بن كثير المازني في خيل أهل الموصل ، فلقوا خيلا لمروان ، فهزموهم وأسروا منهم رجالا ، فقتلوا بعضا واستحيوا بعضا ، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم .

وساروا فوجدوه نازلا في كنيسة في بوصير ، فوافوه ليلا ، وكان أصحاب أبي عون قليلين ، فقال لهم عامر بن إسماعيل : إن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا ولم ينج منا أحد .

وكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله ، وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا ، وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه ، وصاح صائح : صرع أمير المؤمنين ! فابتدروه فسبق إليه رجل من [ ص: 20 ] أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه ، فأخذه عامر فبعث به إلى أبي عون ، وبعثه أبو عون إلى صالح .

فلما وصل إليه أمر أن يقص لسانه ، فانقطع لسانه ، فأخذه هر ، فقال صالح : ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر ! هذا لسان مروان قد أخذه هر .

وقال شاعر :


قد فتح الله مصرا عنوة لكم وأهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما     فلاك مقوله هر يجرره
وكان ربك من ذي الكفر منتقما

وسيره صالح إلى أبي العباس السفاح .

وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة ، ورجع صالح إلى الشام ، وخلف أبا عون بمصر وسلم إليه السلاح والأموال والرقيق .

ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة ، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال : الحمد لله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ، ولم يبق ثأري قبلك ، وقبل رهطك أعداء الدين ! وتمثل :


لو يشربون دمي لم يرو شاربهم     ولا دماؤهم للغيظ ترويني


ولما قتل مروان هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى أرض الحبشة ، فلقوا من الحبشة بلاء ، قاتلهم الحبشة فقتل عبيد الله ونجا عبد الله في عدة ممن معه ، فبقي إلى خلافة المهدي ، فأخذه نصر بنمحمد بن الأشعث ، عامل فلسطين ، فبعث به إلى المهدي .

ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها حرم مروان ، وكان قد وكل بهن خادما ، وأمره أن يقتلهن بعده ، فأخذه عامر وأخذ نساء مروان وبناته ، فسيرهن إلى صالح بن علي بن عبد الله بن عباس .

فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى ، فقالت : يا عم أمير [ ص: 21 ] المؤمنين ! حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه ، نحن بناتك وبنات أخيك ، وابن عمك فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا .

قال : والله لا أستبقي منكم واحدا ! ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الإمام ؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين ، وصلبه في الكوفة ؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد ، وصلبه بخراسان ؟ ألم يقتل ابن زياد الدعي مسلم بن عقيل ؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهل بيته ؟ ألم يخرج إليه بحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبايا فوقفهن موقف السبي ؟ ألم يحمل رأس الحسين وقد قرع دماغه ؟ فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن ؟ ! قالت : فليسعنا عفوكم ! فقال : أما هذا فنعم ، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل ! فقالت : وأي عز خير من هذا ! بل تلحقنا بحران . فحملهن إليها ، فلما دخلنها ورأين منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء .

قيل : كان يوما بكير بن ماهان مع أصحابه قبل أن يقتل مروان يتحدث ، إذ مر به عامر بن إسماعيل وهو لا يعرفه ، فأتى دجلة واستقى من مائها ثم رجع ، فدعاه بكير ، فقال : ما اسمك يا فتى ؟ قال : عامر بن إسماعيل بن الحارث . قال : فكن [ من ] بني مسلية . قال : فأنا منهم . قال : أنت والله تقتل مروان ! فكان هذا القول هو الذي قوى طمع عامر في قتل مروان .

ولما قتل مروان كان عمره اثنتين وستين سنة ، وقيل : تسعا وستين سنة ، وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوما ، وكان يكنى أبا عبد الملك .

وكانت أمه أم ولد كردية ، كانت لإبراهيم بن الأشتر ، أخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم ، فولدت مروان ، فلهذا قال عبد الله بن عياش المنتوف للسفاح : الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن عبد المطلب .

وكان مروان يلقب بالحمار ، والجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في [ ص: 22 ] القول بخلق القرآن والقدر وغير ذلك .

وقيل : إن الجعد كان زنديقا ، وعظه ميمون بن مهران فقال : لشاه قباذ أحب إلي مما تدين به . فقال له : قتلك الله ، وهو قاتلك ، وشهد عليه ميمون ، وطلبه هشام فظفر به ، وسيره إلى خالد القسري فقتله ، فكان الناس يذمون مروان بنسبته إليه .

وكان مروان أبيض أشهل شديد الشهلة ، ضخم الهامة ، كث اللحية أبيضها ، ربعة ، وكان شجاعا حازما ، إلا أن مدته انقضت فلم ينفعه حزمه ولا شجاعته .

( عياش بالياء تحتها نقطتان ، والشين المعجمة ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث