الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر محاصرة ابن هبيرة بواسط

قد ذكرنا ما كان من أمر يزيد بن هبيرة والجيش الذين لقوه من أهل خراسان مع قحطبة ، ثم مع ابنه الحسن ، وانهزامه إلى واسط وتحصنه بها ، وكان لما انهزم قد وكل بالأثقال قوما ، فذهبوا بها ، فقال له حوثرة : أين تذهب وقد قتل صاحبهم ؟ يعني قحطبة ، امض إلى الكوفة ومعك جند كثير ، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر . قال : بل نأتي واسط فننظر . قال : ما تزيد على أن تمكنه من نفسك وتقتل .

وقال يحيى بن حضين : إنك لو تأتي مروان بشيء أحب إليه من هذه الجنود ، فالزم الفرات حتى تأتيه ، وإياك وواسط فتصير في حصار ، وليس بعد الحصر إلا القتل . فأبى .

[ ص: 30 ] وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه بالأمر فيخالفه ، فخاف أن يقتله ، فأتى واسط فتحصن بها ، وسير أبو سلمة إليه الحسن بن قحطبة فحصره ، وأول وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء . .

قال أهل الشام لابن هبيرة : ايذن لنا في قتالهم . فأذن لهم ، فخرجوا وخرج ابن هبيرة وعلى ميمنته ابنه داود ، فالتقوا وعلى ميمنة الحسن خازم بن خزيمة ، فحمل خازم على ابن هبيرة ، فانهزم هو ومن معه وغص الباب بالناس ، ورمى أصحابه بالعرادات .

ورجع أهل الشام ، فكر عليهم الحسن واضطرهم إلى دجلة ، فغرق منهم ناس كثير ، فتلقوهم بالسفن وتحاجزوا ، فمكثوا سبعة أيام ثم خرجوا إليهم ، فاقتتلوا ، وانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة ، فدخلوا المدينة ، فمكثوا ما شاء الله لا يقاتلون إلا رميا .

وبلغ ابن هبيرة ، وهو في الحصار ، أن أبا أمية التغلبي قد سود فأخذه وحبسه ، فتكلم ناس من ربيعة في ذلك ومعن بن زائدة الشيباني ، وأخذوا ثلاثة نفر من فزارة رهط ابن هبيرة فحبسوهم .

( وشتموا ابن هبيرة ) وقالوا : لا نترك ما في أيدينا حتى يترك ابن هبيرة صاحبنا . وأبى ابن هبيرة أن يطلقه ، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجلي فيمن معهما . فقيل لابن هبيرة : هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم ، وإن تماديت في ذلك كانوا أشد عليك ممن حصرك . فدعا أبا أمية فكساه وخلى سبيله ، فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه .

وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناحية سجستان إلى الحسن ، فأوفد الحسن وفدا إلى السفاح بقدوم أبي نصر عليه ، وجعل على الوفد غيلان بن عبد الله الخزاعي ، وكان غيلان واجدا على الحسن لأنه سرحه إلى روح بن حاتم مددا له ، فلما قدم على السفاح وقال : أشهد أنك أمير المؤمنين ، وأنك حبل الله المتين ، وأنك إمام المتقين .

قال : حاجتك يا غيلان ؟ قال : أستغفرك . قال : غفر الله لك . قال غيلان : يا أمير المؤمنين من علينا برجل من [ أهل ] بيتك . قال : أوليس عليكم رجل من أهل بيتي الحسن بن قحطبة ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، من علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه ، وتقر عيننا به . فبعث أخاه أبا جعفر لقتال ابن هبيرة عند رجوعه من خراسان .

وكتب إلى الحسن : إن العسكر عسكرك ، والقواد قوادك ، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضرا ، فاسمع له وأطع وأحسن موازرته . وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك . وكان الحسن هو المدبر لأمر ذلك العسكر .

[ ص: 31 ] فلما قدم أبو جعفر المنصور على الحسن تحول الحسن عن خيمته وأنزله فيها ، وجعل الحسن على حرس المنصور عثمان بن نهيك .

وقاتلهم مالك بن الهيثم يوما فانهزم أهل الشام إلى خنادقهم وقد كمن لهم معن وأبو يحيى الجذامي . فلما جازهم أصحاب مالك خرجوا عليهم فقاتلوهم حتى جاء الليل ، وابن هبيرة على برج الخلالين ، فاقتتلوا ما شاء الله من الليل ، وسرح ابن هبيرة إلى معن يأمره بالانصراف ، فانصرف ، فمكثوا أياما .

وخرج أهل واسط أيضا مع معن ومحمد بن نباتة ، فقاتلهم أصحاب الحسن فهزموهم إلى دجلة حتى تساقطوا فيها ، ورجعوا وقد قتل ولد مالك بن الهيثم ، فلما رآه أبوه قتيلا قال : لعن الله الحياة بعدك ! ثم حملوا على أهل واسط فقاتلوهم حتى أدخلوهم المدينة .

وكان مالك يملأ السفن حطبا ، ثم يضرمها نارا لتحرق ما مرت به ، فكان ابن هبيرة يجر تلك السفن بكلاليب ، فمكثوا كذلك أحد عشر شهرا .

فلما طال عليهم الحصار طلبوا الصلح ، ولم يطلبوه حتى جاءهم خبر قتل مروان ، أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسري وقال لهم : علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان ؟ وتجنى أصحاب ابن هبيرة عليه .

فقالت اليمانية : لا نعين مروان وآثاره فينا آثاره . وقالت النزارية : لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية ، وكان يقاتل معه صعاليك الناس وفتيانهم .

وهم ابن هبيرة بأن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي ، فكتب إليه ، فأبطأ جوابه ، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم ، فخرج إليه زياد بن صالح ، وزياد بن عبد الله الحارثيان ، ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية ابن العباس ، فلم يفعلا .

وجرت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة ، حتى جعل له أمانا ، وكتب به كتابا مكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه ، فأنفذه إلى أبي جعفر ، فأنفذه أبو جعفر إلى أخيه السفاح ، فأمره بإمضائه .

وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه ، وكان السفاح لا يقطع أمرا دون أبي مسلم ، وكان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على السفاح ، فكتب السفاح إلى أبي مسلم يخبره أمر ابن هبيرة ، فكتب أبو مسلم إليه : إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد ، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة .

ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة [ من البخارية ] ، [ ص: 32 ] وأراد أن يدخل على دابته ، فقام إليه الحاجب سلام بن سليم ، فقال : مرحبا [ بك ] أبا خالد ، انزل راشدا ! وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان ، فنزل ، ودعا له بوسادة ليجلس عليها ، وأدخل القواد ثم أذن لابن هبيرة وحده ، فدخل ، وحادثه ساعة ، ثم قام .

ثم مكث يأتيه يوما ويتركه يوما ، فكان يأتيه في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل ، فقيل لأبي جعفر : إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء . فأمره أبو جعفر أن لا يأتي إلا في حاشيته ، فكان يأتي في ثلاثين ، ثم صار يأتي في ثلاثة أو أربعة .

وكلم ابن هبيرة المنصور يوما ، فقال له ابن هبيرة : يا هناه ! أو : يا أيها المرء ! ثم رجع ، فقال : أيها الأمير ، إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به لقريب فسبقني لساني إلى ما لم أرده . فألح السفاح على أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة ، وهو يراجعه حتى كتب إليه : والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم يتولى قتله .

فعزم على قتله ، فبعث خازم بن خزيمة ، والهيثم بن ظهير وأمرهما بختم بيوت الأموال ، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة من القيسية والمضرية فأحضرهم ، فأقبل محمد بن نباتة ، وحوثرة بن سهيل في اثنين وعشرين رجلا ، فخرج سلام بن سليم ، فقال : أين ابن نباتة وحوثرة ؟ فدخلا وقد أجلس أبو جعفر عثمان بن نهيك وغيره في مائة في حجرة دون حجرته ، فنزعت سيوفهما وكتفا ، واستدعى رجلين رجلين يفعل بهما مثل ذلك .

فقال بعضهم : أعطيتمونا عهد الله ثم غدرتم بنا ! إنا لنرجو أن يدرككم الله ! وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه وقال : كأني كنت أنظر إلى هذا .

وانطلق خازم والهيثم بن شعبة في نحو من مائة إلى ابن هبيرة فقالوا : نريد حمل المال . فقال لحاجبه : دلهم على الخزائن . فأقاموا عند كل بيت نفرا ، وأقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجره .

فلما أقبلوا نحوه قام حاجبه في وجوههم ، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه ، وقاتل ابنه داود ، وأقبل هو إليه ونحى ابنه من حجره ، فقال : دونكم هذا الصبي ، وخر ساجدا فقتل ، وحملت رءوسهم إلى أبي جعفر .

ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر ، وخالد بن سلمة المخزومي ، وعمر بن ذر ، فاستأمن زياد بن عبد الله لابن ذر ، فآمنه ، وهرب الحكم ، وآمن أبو جعفر خالدا فقتله السفاح ، ولم يجز أمان أبي جعفر .

فقال أبو العطاء السندي يرثي ابن هبيرة :

[ ص: 33 ] ألا إن عينا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود عشية قام النائحات وصفقت أكف بأيدي مأتم وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود وفود فإنك لم تبعد على متعهد بلى كل من تحت التراب بعيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث