الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) [ الأعراف : 204 ] واعلم أنا بينا في تفسير هذه الآية أنها لا تدل على قولهم ، وبالغنا ، فليطالع ذلك الموضع من هذا التفسير ؛ وأما الأخبار فقد ذكروا أخبارا كثيرة ، والشيخ أحمد البيهقي بين ضعفها ، ثم نقول : هب أنها صحيحة ، ولكن الأخبار لما تعارضت وكثرت فلا بد من الترجيح ، وهو معنا من وجوه :

الأول : أن قولنا يوجب الاشتغال بقراءة القرآن ، وهو من أعظم الطاعات ، وقولهم يوجب العطلة والسكوت عن ذكر الله ، ولا شك أن قولنا أولى .

الثاني : أن قولنا أحوط .

الثالث : أن قولنا يوجب شغل جميع أجزاء الصلاة بالطاعات والأذكار الجميلة ، وقولهم يوجب تعطيل الوقت عن الطاعة والذكر .

المسألة الثالثة عشرة : قال الشافعي رضي الله عنه : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة ، فإن تركها في [ ص: 177 ] ركعة بطلت صلاته ، قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني : وهذا القول مجمع عليه بين الصحابة ، قال به أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود .

واعلم أن المذاهب في هذه المسألة ستة :

أحدها : قول الأصم وابن علية ، وهو أن القراءة غير واجبة أصلا .

والثاني : قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن جني أن القراءة إنما تجب في ركعة واحدة ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " والاستثناء من النفي إثبات ، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء .

والثالث : قول أبي حنيفة ، وهو أن القراءة في الركعتين الأوليين واجبة ، وهو في الأخيرتين بالخيار ، إن شاء قرأ وإن شاء سبح ، وإن شاء سكت ، وذكر في كتاب الاستحباب أن القراءة واجبة في الركعتين من غير تعيين .

والرابع : نقل ابن الصباغ في كتاب الشامل عن سفيان أنه قال : تجب القراءة في الركعتين الأوليين وتكره في الأخريين .

والخامس : وهو قول مالك أن القراءة واجبة في أكثر الركعات ، ولا تجب في جميعها ، فإن كانت الصلاة أربع ركعات كفت القراءة في ثلاث ركعات ، وإن كانت مغربا كفت في ركعتين ، وإن كانت صبحا وجبت القراءة فيهما معا . والسادس : وهو قول الشافعي وهو أن القراءة واجبة في كل الركعات .

ويدل على صحته وجوه :

الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في كل الركعات ، فيجب علينا مثله ، لقوله تعالى : ( واتبعوه ) [ الأعراف : 158 ] .

الحجة الثانية : أن الأعرابي الذي علمه عليه الصلاة والسلام الصلاة أمره أن يقرأ بأم القرآن ، ثم قال : وكذلك فافعل في كل ركعة ، والأمر للوجوب ، فإن قالوا قوله : " فافعل في كل ركعة " راجع إلى الأفعال لا إلى الأقوال ، قلنا : القول فعل اللسان فهو داخل في الأفعال .

الحجة الثالثة : نقل الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتاب الشامل عن أبي سعيد الخدري أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة .

الحجة الرابعة : القراءة في الركعات أحوط ، فوجب القول بوجوبها .

الحجة الخامسة : أمر بالصلاة ، والأصل في الثابت البقاء ، حكمنا بالخروج عن العهدة عند القراءة في كل الركعات لأجل أن هذه الصلاة أكمل ، فعند عدم القراءة في الكل وجب أن يبقى في العهدة .

واحتج المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت : فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر ، وإذا ثبت هذا فنقول : الركعتان الأوليان أصل ، والأخريان تبع ، ومدار الأمر في التبع على التخفيف ، ولهذا المعنى فإنه لا يقرأ السورة الزائدة فيهما ولا يجهر بالقراءة فيهما . والجواب أن دلائلنا أكثر وأقوى ، ومذهبنا أحوط ، فكان أرجح .

المسألة الرابعة عشرة : إذا ثبت أن قراءة الفاتحة شرط من شرائط الصلاة فله فروع : الفرع الأول : قد بينا أنه لو ترك قراءة الفاتحة أو ترك حرفا من حروفها عمدا بطلت صلاته ، أما لو تركها سهوا قال الشافعي في القديم : لا تفسد صلاته ، واحتج بما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : صلى بنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه المغرب فترك القراءة ، فلما انقضت الصلاة قيل له : تركت القراءة ، قال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا : حسنا ، قال : فلا بأس ، قال الشافعي : فلما وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصحابة كان ذلك إجماعا ، ورجع الشافعي عنه في الجديد ، وقال : تفسد صلاته ؛ لأن الدلائل المذكورة عامة في العمد والسهو ، ثم أجاب عن قصة عمر من وجهين : الأول : أن الشعبي روى أن عمر رضي الله عنه أعاد [ ص: 178 ] الصلاة .

والثاني : أنه لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة ، قال الشافعي : هذا هو الظن بعمر .

الفرع الثاني : تجب الرعاية في ترتيب القراءة ، فلو قرأ النصف الأخير ثم النصف الأول يحسب له الأول دون الأخير .

الفرع الثالث : الرجل الذي لا يحسن تمام الفاتحة إما أن يحفظ بعضها ، وإما أن لا يحفظ شيئا منها ، أما الأول فإنه يقرأ تلك الآية ويقرأ معها ست آيات على الوجه الأقرب ، وأما الثاني - وهو أن لا يحفظ شيئا من الفاتحة - فهاهنا إن حفظ شيئا من القرآن لزمه قراءة ذلك المحفوظ ؛ لقوله تعالى : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) [ المزمل : 20 ] وإن لم يحفظ شيئا من القرآن فهاهنا يلزمه أن يأتي بالذكر ، وهو التكبير والتحميد ، وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء ، حجة الشافعي ما روى رفاعة بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله ، ثم يكبر ، فإن كان معه شيء من القرآن فليقرأ ، وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر ، بقي هاهنا قسم واحد ، وهو أن لا يحفظ الفاتحة ، ولا يحفظ شيئا من القرآن ، ولا يحفظ أيضا شيئا من الأذكار العربية ، وعندي أنه يؤمر بذكر الله تعالى بأي لسان قدر عليه ، تمسكا بقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " .

المسألة الخامسة عشرة : نقل في الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن ، وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن ، واعلم أن هذا في غاية الصعوبة ؛ لأنا إن قلنا : إن النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن ، فحينئذ كان ابن مسعود عالما بذلك ، فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل ، وإن قلنا : إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلا في ذلك الزمان ، فهذا يقتضي أن يقال : إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل ، وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ، والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل ، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة . وهاهنا آخر الكلام في المسائل الفقهية المفرعة على سورة الفاتحة ، والله الهادي للصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث