الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة النسك لا يفسد بإتيان شيء حال الإحرام إلا الجماع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل )

وينحر هدي الفساد في عام القضاء نص عليه ، قال - في رواية أبي طالب - : إذا وطئ وهو محرم ، أو قارن : فسد حجه في سنته التي وطئ فيها فإن كان معه هدي نحره ، وإلا فليس عليه هدي وقد فسد حجه إلى قابل إذا حج أهدى . وكان عطاء يقول : يعجل الهدي في هذه السنة ، فيقول : ما يدري ما يحدث عليه . والذي أقول به : إن كان معه هدي نحره ، وإذا حج من قابل أهدى ، وإن لم يكن معه هدي فليس عليه حتى يحج من قابل ، وكذلك نقل الأثرم .

[ ص: 259 ] وقال القاضي : يجب إخراج الكفارة في السنة التي أفسدها ، ولا يلزمه كفارة ثانية في السنة التي يقضي فيها ، قال : ومعنى قول أحمد - في رواية الأثرم - : إن كان معه هدي نحره ، ويهدي في السنة الثانية : يعني به هديا أوجبه على نفسه ، وقوله : يهدي في السنة : يعني يكون في ذمته .

قال ابن أبي موسى : فسد حجهما وعلى كل واحد منهما بدنة ، والحج من قابل إن كانت طاوعته ، وإن استكرهها كفر عنها ، وأحجها من قابل من ماله ، وفرق بينهما في المكان الذي أصابها فيه في العام الماضي .

وقيل عنه : يجزئهما بدنة واحدة طاوعته ، أم أكرهها ؛ لأن الهدي قد وجب عليه بنفس الإفساد ومواقعة المحظور ، فوجب إخراجه حينئذ كسائر الدماء الواجبة بفعل المحظورات .

ووجه المنصوص : أن الحديثين المرسلين ، وآثار الصحابة عامتها : إنما فيها الأمر بالهدي مع القضاء وهي العمدة في هذا الباب ، لكن بعض ألفاظها محتملة وأكثرها مفسر كما تقدم .

وأيضا : فإنه إذا وجب القضاء والهدي : فإنما يخرج الهدي مع القضاء كهدي الفوات وعكسه الإحصار .

وأيضا : فإن الهدي إنما جبران للإحرام ، وهذا الإحرام الفاسد إنما ينجبر بالقضاء والهدي ، بخلاف الإحرام الصحيح فإنه ينجبر بمجرد الهدي . فأما إن أتى في الإحرام الفاسد محظورا مثل : اللباس والطيب وقتل الصيد : فإنه يخرجه ... .

[ ص: 260 ] فإن أخرج هدي الفساد قبل القضاء ... ، وليس عليه بالإفساد إلا هدي واحد كما تقدم في أحد الحديثين المرسلين وسائر فتاوى الصحابة ، وقد جاء في الحديث الآخر ذكر هديين ، وهي قضية عين ، فلعلهما كانا قد ساقا هديا ، وهذا لأن ... .

فإن كان هذا الواطئ قد ساق هديا نحره في السنة الأولى كما يقضي سائر المناسك ، ولم يجزه عن هدي الإفساد ، كما لا يجزئه عن سائر الدماء الواجبة عليه .

فإن كان قد وجب عليه في الحجة الفاسدة دم بفعل محظور من لباس أو طيب أو غير ذلك : لم يسقط عنه القضاء قولا واحدا .

وإن كان قد وجب عليه بترك واجب ؛ مثل : إن أحرم دون الميقات ثم أفسد الإحرام ، أو أفاض من عرفات قبل الليل ، أو ترك رمي الجمار ونحو ذلك فهل يسقط عنه بفعل القضاء ؟ ففيه روايتان منصوصتان ؛ إحداهما : يسقط . نص عليه في رواية منها في رجل جاوز الميقات إلى مكة ثم أحرم بعمرة فأفسدها : عليه قضاؤها يرجع إلى الوقت يحرم منه ، فقيل له : أفلا يكون عليه شيء لتركه الوقت أول مرة ، قال : لا .

وذلك لأن الدم قائم مقام النسك المتروك ، فإذا قضى ما تركه : فقد قام القضاء مقام ما ترك فأغنى عن الدم ، بخلاف ما وجب لفعل محظور فإن ذلك المحظور لم يخرج عنه كفارة ، وبخلاف ما لو عاد إلى الميقات محرما ، فإن إحرامه قد نقص نقصا لم يجبر بالعود إليه ، وهنا قد أحرم إحراما مبتدأ من الميقات .

والثانية : لا يسقط نص عليه في رواية ابن منصور ، وذكر له قول سفيان في [ ص: 261 ] رجل جاوز الميقات فأهل ثم جامع : عليه أن يحج من قابل وعليه بدنة ، وليس عليه دم لتركه الميقات ، قال أحمد : عليه دم لتركه الميقات ويمضي في حجته ويصنع ما يصنع الحاج ، ويلزمه ما يلزم المحرم في كل ما أتى لأن الإحرام قائم وعليه الحج من قابل والهدي .

وهذه اختيار أصحابنا ؛ لأن من أصلنا أن الدم الواجب بترك الإحرام من الميقات لا يسقط بالقضاء ، كما لو أحرم دون الميقات ثم عاد إلى الوقت محرما .

وأيضا : فإن الحجة الفاسدة حكمها حكم الصحيح في كل شيء ، وعليه أن يجبرها إذا ترك واجبا ، أو فعل محظورا ، فلو قلنا : إن ما يفعله في قضائها يقوم مقام ما يفعله فيها : لكنا لم نوجب عليه إتمام الحجة الفاسدة . ولأنه لو كان القضاء يقوم مقام ما يتركه في الحجة الفاسدة لم يجب عليه المضي فيها ، بل قد أوجب الشرع عليه إتمام الأولى وقضاءها .

وإن كان متمتعا أو قارنا قد وجب عليه دم بسبب ذلك ، ثم وطئ فهل يسقط عنه دم المتعة والقران ؟ على روايتين منصوصتين أيضا :

إحداهما : ليس عليه دم متعة ولا قران ، وقد تقدم نصه على ذلك - في رواية أبي طالب - : فيما إذا وطئ وهو محرم بعمرة أو قارن إن كان معه هدي نحره ، وإلا فليس عليه هدي إلى قابل فإذا حجا أهديا ، وقال أيضا - : في رواية المروذي وقد سئل عن متمتع دخل مكة فوطئ قبل أن يطوف بالبيت ، فقال : لا تقل : متمتع ولكن قل : معتمر يرجع إلى الميقات الذي أهل منه ، فيحرم بعمرة وعليه دم ، وإن كان الوقت ضيقا أهل بالحج فإذا فرغ منه أهل بالعمرة .

فلم يوجب عليه دم التمتع وذلك لأنه لم يترفه بسقوط أحد السفرين ؛ لأنه قد وجب عليه سفر آخر في القضاء 30 [ ص: 262 ] والرواية الثانية : لا يسقط عنه دم المتعة والقران نص عليه في رواية ابن منصور ، وذكر له قول سفيان في رجل أهل بعمرة في أشهر الحج ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت ثم أقام إلى الحج : حج وعليه دم لعمرته وليس عليه دم للمتعة لأنه أفسدها ، فقال أحمد : عليه دم للمتعة ودم لما أفسد من العمرة .

لأن كل ما وجب الإتيان به في النسك الصحيح : وجب الإتيان به في الفاسد كالطواف ؛ وذلك لأنه مأمور بإتمام الفاسد حتى يكون مثل الصحيح ، إلا في أن أحدهما حصل فيه الوطء فأفسده والآخر عري عن ذلك . فعلى هذا : إذا أحرم بقران القضاء فهل عليه دم الفساد ، ودم القران الفاسد ؟ كلام أحمد والأصحاب يقتضي أنه ليس عليه دم آخر .

وأما المتمتع : فإن كان قد وطئ في العمرة فقد وجب عليه قضاؤها . فإذا قضاها ...

فإن لم يقضها قبل الحج : فعليه دم لترك الميقات نص عليه .. .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث