الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الصلوات المأمور بهن في الوقت مع خلل للضرورة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف : رحمه الله تعالى ( إذا كان على بعض أعضائه كسر يحتاج إلى وضع الجبائر وضع الجبائر على طهر ، فإن وضعها على طهر ثم أحدث وخاف من نزعها ، أو وضعها على غير طهر وخاف من نزعها مسح على الجبائر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يمسح على الجبائر ; ولأنه تلحقه المشقة في نزعها فجاز المسح عليها كالخف ، وهل يلزمه مسح الجميع أم لا ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) : يلزمه مسح الجميع ; لأنه مسح أجيز للضرورة فوجب فيه الاستيعاب كالمسح في التيمم .

( والثاني ) : يجزيه ما يقع عليه الاسم ; لأنه مسح على حائل منفصل ، فهو كمسح الخف . وهل يجب التيمم مع المسح ؟ فيه قولان . قال في القديم : لا يتيمم ، كما لا يتيمم مع المسح على الخف . وقال في الأم : يتيمم ، لحديث جابر رضي الله عنه { أن رجلا أصابه حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة يمسح عليها ويغسل سائر جسده } ; ولأنه يشبه الجريح ; لأنه يترك غسل العضو لخوف الضرر ، ويشبه لابس الخف ; لأنه لا يخاف الضرر من غسل العضو ، وإنما يخاف المشقة من نزع الحائل كلابس الخف ، فلما أشبههما وجب عليه الجمع بين المسح والتيمم ، فإن [ ص: 368 ] برأ وقدر على الغسل ، فإن كان قد وضع الجبائر على غير طهر لزمه إعادة الصلاة ، وإن كان وضعها على طهر ففيه قولان .

( أحدهما ) : لا يلزم الإعادة ، كما لا يلزم ماسح الخف ( والثاني ) : يلزمه ; لأنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل فصار كما لو ترك غسل العضو ناسيا ) .

التالي السابق


فصل في حكم الصلوات المأمور بهن في الوقت مع خلل للضرورة قال أصحابنا : العذر ضربان ، عام ونادر ، فالعام لا قضاء معه للمشقة ، ومن هذا الضرب المريض يصلي قاعدا أو موميا ، أو بالتيمم خوفا من استعمال الماء ، ومنه المصلي بالإيماء في شدة الخوف ، والمسافر يصلي بالتيمم لعجزه عما يجب عليه أن يستعمله .

وأما النادر فقسمان ، قسم يدوم غالبا وقسم لا يدوم ، فالأول كالمستحاضة وسلس البول والمذي ومن به جرح سائل أو رعاف دائم أو استرخت مقعدته فدام خروج الحدث منه ومن أشبههم ، فكلهم يصلون مع الحدث والنجس ولا يعيدون للمشقة والضرورة .

وأما الذي لا يدوم غالبا فنوعان ، نوع : يأتي معه ببدل للخلل ونوع : لا يأتي ، فمن الثاني من لم يجد ماء ولا ترابا ، والمريض والزمن ونحوهما ممن لا يخاف من استعمال الماء ، لكن لا يجد من يوضئه ، ومن لا يقدر على التحول إلى القبلة ، والأعمى وغيره ممن لا يقدر على معرفة القبلة ولا يجد من يعرفه إياها ، ومن على بدنه أو جرحه نجاسة لا يعفى عنها ولا يقدر على إزالتها ، والمربوط على [ ص: 376 ] خشبة ومن شد وثاقه ، والغريق ومن حول عن القبلة أو أكره على الصلاة إلى غيرها أو على ترك القيام ، فكل هؤلاء يجب عليهم الصلاة على حسب الحال ، وتجب الإعادة لندور هذه الأعذار ، وفي بعض هؤلاء خلاف ضعيف تقدم في هذا الباب .

وأما المصلي عريانا لعدم السترة ففي كيفية صلاته قولان ، ( أصحهما وأشهرهما ) : تجنب الصلاة قائما بإتمام الركوع والسجود .

( والثاني ) : يصلي قاعدا ، فعلى هذا هل يتم الركوع والسجود ؟ أم يقتصر على إدناء الجبهة من الأرض ؟ فيه قولان . وحكى إمام الحرمين والغزالي وجها أنه يتخير بين القيام والقعود ، ويجري هذا الخلاف في المحبوس في موضع نجس بحيث لو سجد لسجد على النجاسة ، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء ؟ أم يتخير ؟ ويجزي فيمن وجد ثوبا طاهرا لو فرشه بقي عريانا ، وإن لبسه صلى على النجاسة ، ويجري في العاري إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا ، والأصح في هاتين الصورتين أنه يصلي عاريا . فإذا قلنا في العريان : لا يتم الركوع والسجود لزمه الإعادة على المذهب ، وفي قول ضعيف لا يعيد ، وقد سبق نظيره فيمن صلى بغير ماء ولا تراب ونظائره . وإن قلنا : يتم الأركان ، فإن كان من قوم عادتهم العري لم تجب الإعادة بلا خلاف ، وإن كانوا لا يعتادونه فالمذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون وجماعة من الخراسانيين : أنه لا إعادة أيضا . وفيه وجه حكاه الخراسانيون أنها تجب وهو شاذ ضعيف .

وقد قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في باب ستر العورة : لا يجب عليه الإعادة ، ولا أعلم فيه خلافا - يعني بين المسلمين - فأشار إلى الإجماع عليه ، ثم لا فرق في سقوط الإعادة بين الحضر والسفر ; لأن الثوب يعز في الحضر ولا يبذل بخلاف الماء .

وأما الثاني وهو ما يأتي معه ببدل ففيه صور ، منها من يتيمم في الحضر لعدم الماء أو لشدة البرد في الحضر أو السفر ، أو لنسيان الماء في رحله ، ونحوه في السفر ، أو تيمم مع الجبيرة الموضوعة على غير طهر ، والصحيح عند الأصحاب : أنه تجب الإعادة على جميعهم ، وتقدمت تفاصيل الخلاف فيهم ، ومنها المتيمم مع الجبيرة الموضوعة على طهر ، فلا إعادة [ ص: 377 ] عليه في أصح القولين ، ومن الأصحاب من جعل مسألة الجبيرة من العذر العام ، وهو حسن والله أعلم .

ونقل إمام الحرمين والغزالي أن أبا حنيفة رحمه الله قال : كل صلاة تفتقر إلى القضاء لا يجب فعلها في الوقت ، وأن المزني رحمه الله قال : كل صلاة وجبت في الوقت وإن كانت مع خلل لم يجب قضاؤها ، قالا : وهما قولان منقولان عن الشافعي رحمه الله . وهذا الذي قاله المزني هو المختار ; لأنه أدى وظيفة الوقت ، وإنما يجب القضاء بأمر جديد ، ولم يثبت فيه شيء ، بل ثبت خلافه والله أعلم .

قال إمام الحرمين وغيره : ثم ما حكمنا من الأعذار بأنه دائم وأسقطنا الفرض به ، فلو اتفق زواله بسرعة فهو كالدائم المتمادي نظرا إلى جنسه ، وما حكمنا بأنه لا يدوم فاتفق دوامه لم يلحق بالدائم ، بل حكمه حكم ما ينقطع على قرب إلحاقا لما يشذ من الجنس بالجنس ، ثم كل صلاة أوجبناها في الحال مع خلل وأوجبنا قضاءها فقضاها ، ففي الفرض من صلاتيه أربعة أقوال مشهورة في الطريقتين ، وقد سبق بيانها ، أصحها عند الجمهور : أن الفرض الثانية . والثاني الأولى ، والثالث إحداهما لا بعينها ، والرابع كلاهما فرض ، واختاره القفال والفوراني وصاحب الشامل وهو قوي ، فإنه مكلف بهما . قال إمام الحرمين : وإذا أوجبنا الصلاة في الوقت وأوجبنا القضاء فالمذهب : أن ما يأتي به في الوقت صلاة ، ولكن يجب قضاؤها للنقص ، قال : ومن أصحابنا من قال : ليست صلاة بل تشبه الصلاة كالإمساك في رمضان لمن أفطر عمدا ، قال : وهذا بعيد . قال فإن قيل : هلا قلتم : الصلاة المفعولة في الوقت مع الخلل فاسدة كالحجة الفاسدة التي يجب المضي فيها ؟ قلنا : إيجاب الإقدام على الفاسد محال ، وأما التشبه فلا يبعد إيجابه ، والله أعلم بالصواب ، وله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث