الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجب ذلك إلا على مسلم بالغ عاقل طاهر ، فأما الكافر فإن كان أصليا لم تجب عليه ، وإذا أسلم لا يخاطب بقضائها ; لقوله تعالى : { قل للذين كفروا [ ص: 5 ] إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ولأن في إيجاب ذلك عليهم تنفيرا فعفي عنه ، وإن كان مرتدا وجبت عليه ، وإذا أسلم لزمه قضاؤها ; لأنه اعتقد وجوبها وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما الكافر المرتد فيلزمه الصلاة في الحال ، وإذا أسلم لزمه قضاء ما فات في الردة لما ذكره المصنف هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه وداود : لا يلزم المرتد إذا أسلم قضاء ما فات في الردة ولا في الإسلام قبلها ، وجعلوه كالكافر الأصلي يسقط عنه بالإسلام ما قد سلف والله أعلم . وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام ، فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم : هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان ، وقيل لا يخاطب بالفروع . وقيل : يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة ، والصحيح الأول ، وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع ; لأن المراد هنا غير المراد هناك ، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم ، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر ، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده ، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين وفي الفروع حكم الطرف الآخر ، والله أعلم . ( فرع ) لا يصح من كافر أصلي ولا مرتد صلاة ، ولو صلى في كفره ثم أسلم لم تتبين صحتها بل هي باطلة بلا خلاف . أما إذا فعل الكافر الأصلي قربة لا يشترط النية لصحتها كالصدقة والضيافة وصلة الرحم والإعتاق والقرض والعارية والمنحة وأشباه ذلك فإن مات على كفره فلا ثواب له عليها في الآخرة لكن يطعم بها في الدنيا ويوسع في رزقه وعيشه ، وإن أسلم فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له بكل [ ص: 6 ] حسنة كان زلفها } أي قدمها ومعنى حسن إسلامه أي أسلم إسلاما محققا لا نفاق فيه . وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قلت { يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو إعتاق أو صلة رحم أفيها أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما أسلفت من خير } وفي رواية الصحيح { أسلمت على ما أسلفت لك من الخير } قوله : أتحنث أي أتعبد فهذان حديثان صحيحان لا يمنعهما عقل ولم يرد الشرع بخلافهما فوجب العمل بهما . وقد نقل الإجماع على ما ذكرته من إثبات ثوابه إذا أسلم وقد أوضحت المسألة بدلائلها وما يتعلق بها مبسوطا في أول شرحي صحيحي البخاري ومسلم . وأما قول أصحابنا وغيرهم : لا يصح من كافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها . مرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة فإن أطلق مطلق أنه لا يثاب عليها في الآخرة وصرح بذلك فهو مجازف غالط مخالف للسنة الصحيحة التي لا معارض لها . وقد قال الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء إذا لزم الكافر كفارة ظهار أو قتل أو غيرهما فكفر في حال كفره أجزأه ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث