الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويسجد على الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين ، وأما السجود على الجبهة فواجب لما روى عبد الله بن عمر : رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقره نقرا } قال في الأم : فإن وضع بعض الجبهة كرهته وأجزأه ; لأنه سجد على [ ص: 397 ] الجبهة ، فإن سجد على حائل [ متصل به ] دون الجبهة لم يجزئه ، ، لما روى خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : { شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا } ، وأما السجود على الأنف فهو سنة لما روى أبو حميد { : أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وأمكن جبهته وأنفه من الأرض } فإن تركه أجزأه لما روى { جابر ، رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر } ، وإذا سجد بأعلى جبهته لم يسجد على الأنف ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عمر وجابر غريبان ضعيفان ، وقد روى الدارقطني حديث عمر وجابر بلفظه هنا ، لكنه ضعفه .

وأما حديث خباب فرواه البيهقي بلفظه هنا وإسناده جيد .

ورواه مسلم بغير هذا اللفظ ، فرواه عن زهير عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب قال : { أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا } قال زهير : قلت لأبي إسحاق : أفي الظهر ؟ قال : نعم ، قلت : في تعجيلها ؟ قال : نعم " هذا لفظ رواية مسلم ، ورواه البيهقي من طريق آخر ، وقال : فما أشكانا ، وقال : " { إذا زالت الشمس فصلوا } " وقد اعترض بعضهم على أصحابنا في احتجاجهم بهذا الحديث لوجوب كشف الجبهة ، وقال : هذا ورد في الأبراد وهذا الاعتراض ضعيف ; لأنهم شكوا حر الرمضاء في جباههم وأكفهم ، ولو كان الكشف غير واجب لقيل لهم : استروها ، فلما لم يقل ذلك دل على أنه لا بد من كشفها . وقوله : فلم يشكنا ولم يجبنا إلى ما طلبناه ثم نسخ هذا ، وثبتت السنة بالإبراد بالظهر ، وأما حديث أبي حميد فرواه أبو دؤاد والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وقد ثبت السجود على الأنف في أحاديث كثيرة صحيحة .

وقوله : قصاص الشعر هو بضم القاف وفتحها وكسرها ثلاث لغات ، حكاهن ابن السكيت وغيره ، وهو أصل من مقدم الرأس .

وأما خباب بن الأرت فكنيته : أبو عبد الله شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من كبار الصحابة والسابقين إلى الإسلام نزل الكوفة وتوفي بها سنة سبع وثلاثين ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة .

( أما حكم المسألة ) فالسجود على الجبهة واجب بلا خلاف عندنا ، والأولى أن يسجد عليها كلها ، فإن اقتصر على ما يقع عليه الاسم منها أجزأه ، [ ص: 398 ] مع أنه مكروه كراهة تنزيه ، هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي في الأم ، وقطع به جمهور الأصحاب .

وحكى ابن كج والدارمي وجها أنه يجب وضع جميعها ، وهو شاذ ضعيف ، ولو سجد على الجبين وهو الذي في جانب الجبهة أو على خده أو صدغه أو مقدم رأسه أو على أنفه ولم يضع شيئا من جبهته على الأرض ، لم يجزئه بلا خلاف ، ونص عليه في الأم ، والصحيح من الوجهين : أنه لا يكفي في وضع الجبهة الإمساس ، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته ، فلو سجد على قطن أو حشيش أو شيء محشو بهما وجب أن يتحامل حتى ينكبس ويظهر أثره على يد - لو فرضت تحت ذلك المحشو - فإن لم يفعل لم يجزئه ، وقال إمام الحرمين : عندي أنه يكفي إرخاء رأسه ، ولا حاجة إلى التحامل كيف فرض محل السجود ، والمذهب الأول ، وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني وصاحب التتمة والتهذيب .

قال الشافعي والأصحاب : ويجب أن يكشف ما يقع عليه الاسم فيباشر به موضع السجود ، وقد ذكر المصنف دليله ، فإن حال دون الجبهة حائل متصل به فإن سجد على كفه أو كور عمامته أو طرف كمه أو عمامته وهما يتحركان بحركته في القيام والقعود أو غيرهما لم تصح صلاته بلا خلاف عندنا ; لأنه منسوب إليه ، وإن سجد على ذيله أو كمه أو طرف عمامته وهو طويل جدا لا يتحرك بحركته فوجهان . ( الصحيح ) : أنه تصح صلاته ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والرافعي

قال إمام الحرمين : لأن هذا الطرف في معنى المنفصل ، ( والثاني ) : لا تصح وبه قطع القاضي حسين في تعليقه ، كما لو كان على ذلك الطرف نجاسة فإنه لا تصح صلاته ، وإن كان لا يتحرك بحركته ، وقد سبق الفرق بينهما في باب طهارة البدن .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث