الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الخامسة رفع اليدين في القنوت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( والسنة في صلاة الصبح أن يقنت في الركعة الثانية لما روى أنس رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو عليهم ثم تركه ، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا } ومحل القنوت بعد الرفع من الركوع لما روي أنه { سئل أنس هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح ؟ قال : نعم ، وقيل : قبل الركوع أو بعده ؟ قال بعد الركوع } والسنة أن يقول : اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت وتعاليت " لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال : { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر فقال قل : [ ص: 474 ] اللهم اهدني فيمن هديت } إلى آخره وإن قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنا وهو ما روى أبو رافع قال : قنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح فسمعته يقول : " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك . ونخلع ونترك من يفجرك ، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق ، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه ، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا إله الحق واجعلنا منهم " ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء لما روي من حديث الحسن رضي الله عنه في الوتر أنه قال : " تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي وسلم " ويستحب للمأموم أن يؤمن على الدعاء لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : { قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يؤمن من خلفه } ويستحب له أن يشاركه في الثناء ; لأنه لا يصلح التأمين على ذلك فكانت المشاركة أولى .

وأما رفع اليدين في القنوت فليس فيه نص ، والذي يقتضيه المذهب أنه لا يرفع ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن في الاستسقاء والاستنصار وعشية عرفة ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد ، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري في بعض كتبه أنه لا يرفع اليد ، وحكى في التعليق أنه يرفع اليد ، والأول عندي أصح . وأما غير الصبح من الفرائض فلا يقنت فيه من غير حاجة ، فإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا في جميع الفرائض ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد ، وكان إذا قال : سمع الله لمن حمده ، قال : ربنا لك الحمد وذكر الدعاء } )

التالي السابق


( الخامسة ) هل يستحب رفع اليدين في القنوت ؟ فيه وجهان مشهوران :

( أحدهما ) لا يستحب ، وهو اختيار المصنف والقفال والبغوي ، وحكاه إمام الحرمين عن كثير من الأصحاب ، وأشاروا إلى ترجيحه واحتجوا بأن الدعاء في الصلاة لا ترفع له اليد كدعاء السجود والتشهد ( والثاني ) يستحب ، وهذا هو الصحيح عند الأصحاب وفي الدليل ، وهو اختيار أبي زيد المروزي إمام طريقة أصحابنا الخراسانيين والقاضي أبي الطيب في تعليقه وفي المنهاج ، والشيخ أبي محمد وابن الصباغ والمتولي والغزالي والشيخ نصر المقدسي في كتبه الثلاثة : الانتخاب والتهذيب والكافي وآخرين . قال صاحب البيان : وهو قول أكثر أصحابنا ، واختاره من أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي واحتج له البيهقي بما رواه بإسناد له صحيح أو حسن عن أنس رضي الله عنه في قصة القراء الذين قتلوا رضي الله عنهم قال { لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صلى الغداة يرفع يديه يدعو عليهم ، يعني الذين قتلوهم }

قال البيهقي رحمه الله تعالى : ولأن عددا من الصحابة رضي الله عنهم رفعوا أيديهم في القنوت . ثم روى عن أبي رافع قال " صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء " قال البيهقي : هذا عن عمر صحيح . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه [ ص: 480 ] بإسناد فيه ضعف . وروي عن ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهما في قنوت الوتر .

وأما مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء . فإن قلنا : لا يرفع اليدين لم يشرع المسح بلا خلاف ، وإن قلنا : يرفع فوجهان ( أشهرهما ) أنه يستحب . وممن قطع به القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد الجويني وابن الصباغ والمتولي والشيخ نصر في كتبه والغزالي وصاحب البيان ( والثاني ) لا يمسح وهذا هو الصحيح ، صححه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين . قال البيهقي لست أحفظ في مسح الوجه هنا عن أحد من السلف شيئا ، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة ، فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس . فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما نقله السلف عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة ، ثم روى بإسناده حديثا من سنن أبي داود عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { سلوا الله ببطون كفوفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم } قال أبو داود : روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية ، هذا متنها وهو ضعيف أيضا . ثم روى البيهقي عن علي الباشاني قال : سألت عبد الله - يعني ابن المبارك - عن الذي إذا دعا مسح وجهه قال : لم أجد له ثبتا . قال علي : ولم أره يفعل ذلك ، قال وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر وكان يرفع يديه . هذا آخر كلام البيهقي في كتاب السنن ، وله رسالة مشهورة كتبها إلى الشيخ أبي محمد الجويني أنكر عليه فيها أشياء من جملتها مسحه وجهه بعد القنوت ، وبسط الكلام في ذلك .

وأما حديث عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه } " رواه الترمذي وقال : حديث غريب ، انفرد به حماد بن عيسى وحماد هذا ضعيف ، وذكر الشيخ عبد الحق هذا الحديث في كتابه الأحكام وقال : قال الترمذي : وهو حديث صحيح وغلط في قوله : إن الترمذي قال هو حديث صحيح ، وإنما قال غريب ، والحاصل لأصحابنا ثلاثة أوجه ( الصحيح ) يستحب رفع يديه [ ص: 481 ] دون مسح الوجه ( والثاني ) لا يستحبان .

( والثالث ) يستحبان . وأما غير الوجه من الصدر وغيره فاتفق أصحابنا على أنه لا يستحب ، بل قال ابن الصباغ وغيره : هو مكروه ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث