الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة السادسة إذا قنت الإمام في الصبح هل يجهر بالقنوت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( والسنة في صلاة الصبح أن يقنت في الركعة الثانية لما روى أنس رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو عليهم ثم تركه ، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا } ومحل القنوت بعد الرفع من الركوع لما روي أنه { سئل أنس هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح ؟ قال : نعم ، وقيل : قبل الركوع أو بعده ؟ قال بعد الركوع } والسنة أن يقول : اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت وتعاليت " لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال : { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات في الوتر فقال قل : [ ص: 474 ] اللهم اهدني فيمن هديت } إلى آخره وإن قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنا وهو ما روى أبو رافع قال : قنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح فسمعته يقول : " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك . ونخلع ونترك من يفجرك ، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق ، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه ، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا إله الحق واجعلنا منهم " ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء لما روي من حديث الحسن رضي الله عنه في الوتر أنه قال : " تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي وسلم " ويستحب للمأموم أن يؤمن على الدعاء لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : { قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يؤمن من خلفه } ويستحب له أن يشاركه في الثناء ; لأنه لا يصلح التأمين على ذلك فكانت المشاركة أولى .

وأما رفع اليدين في القنوت فليس فيه نص ، والذي يقتضيه المذهب أنه لا يرفع ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن في الاستسقاء والاستنصار وعشية عرفة ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد ، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري في بعض كتبه أنه لا يرفع اليد ، وحكى في التعليق أنه يرفع اليد ، والأول عندي أصح . وأما غير الصبح من الفرائض فلا يقنت فيه من غير حاجة ، فإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا في جميع الفرائض ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد ، وكان إذا قال : سمع الله لمن حمده ، قال : ربنا لك الحمد وذكر الدعاء } )

التالي السابق


( السادسة ) إذا قنت الإمام في الصبح هل يجهر بالقنوت ؟ فيه وجهان مشهوران عند الخراسانيين ، وحكاهما جماعة من العراقيين ومنهم صاحب الحاوي ( أحدهما ) لا يجهر كالتشهد وكسائر الدعوات ( وأصحهما ) يستحب الجهر ، وبه قطع أكثر العراقيين ، ويحتج له بالحديث الذي سنذكره إن شاء الله قريبا عن صحيح البخاري في قنوت النازلة ، وبالقياس على ما لو سأل الرحمة أو استعاذ من العذاب في أثناء القراءة ، فإن المأموم يوافقه في السؤال ، ولا يؤمن ، وبهذا استدل المتولي وأما المنفرد فيسر به بلا خلاف ، صرح به الماوردي والبغوي وغيرهما . وأما المأموم - فإن قلنا : لا يجهر الإمام - قنت وأسر . وإن قلنا : يجهر الإمام فإن كان يسمع الإمام فوجهان مشهوران للخراسانيين ( أصحهما ) يؤمن على دعاء الإمام ولا يقنت وبهذا قطع المصنف والأكثرون ( والثاني ) يتخير بين التأمين والقنوت فإن قلنا يؤمن في ( أحدهما ) يؤمن في الجميع ( وأصحهما ) وبه قطع الأكثرون : يؤمن في الكلمات الخمس التي هي دعاء . وأما الثناء وهو قوله : فإنك تقضي ولا يقضى عليك إلى آخره فيشاركه في قوله أو يسكت ، والمشاركة أولى ; لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين ، وإن كان لا يسمع الإمام لبعد أو غيره وقلنا لو سمع لأمن فههنا وجهان ( أصحهما ) يقنت ( والثاني ) يؤمن ، وهما كالوجهين في استحباب قراءة السورة إذا لم يسمع قراءة الإمام . هذا كله في الصبح وفيما إذا قنت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان .

وأما إذا قنت في باقي المكتوبات حيث قلنا به فقال الرافعي كلام الغزالي يقتضي أنه يسر به في السريات ، وفي جهره به في الجهريات الوجهان ، قال [ ص: 482 ] وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الجميع . قال وحديث قنوت النبي صلى الله عليه وسلم حين قتل القراء رضي الله عنهم يقتضي أنه كان يجهر به في جميع الصلوات ، هذا كلام الرافعي والصحيح أو الصواب استحباب الجهر ، ففي البخاري في تفسير قول الله تعالى { ليس لك من الأمر شيء } عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقنوت في قنوت النازلة } وفي الجهر بالقنوت أحاديث كثيرة صحيحة سنذكرها إن شاء الله تعالى قريبا في فرع مذاهب العلماء في القنوت . واحتج المصنف والأصحاب في استحباب تأمين المأموم على قنوت الإمام بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : { قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة ، إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه } رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح .

( السابعة ) في ألفاظ الفصل ، القنوت في اللغة له معان ، منها الدعاء ، ولهذا سمي هذا الدعاء قنوتا ، ويطلق على الدعاء بخير وشر ، يقال : قنت له وقنت عليه قوله " قنت شهرا يدعو عليهم ثم تركه " معناه قنت شهرا يدعو على الكفار الذين قتلوا أصحابه القراء ببئر معونة - بفتح الميم وبالنون - وقوله " ثم تركه " فيه قولان للشافعي رحمه الله حكاهما البيهقي :

( أحدهما ) ترك القنوت في غير الصبح ( والثاني ) ترك الدعاء عليهم ولعنتهم ، وأما الدعاء في الصبح فلم يتركه . قوله " لا يذل من واليت " هو بفتح الياء وكسر الذال ، قوله " ونخلع من يفجرك " أي نترك من يعصيك ويلحد في صفاتك ، وهو بفتح الياء وضم الجيم ، قوله " وإليك نسعى ونحفد " هو بفتح النون وكسر الفاء ، أي نسارع إلى طاعتك وأصل الحفد العمل والخدمة . قوله " إن عذابك الجد " هو بكسر الجيم ، أي الحق ، ولم تقع هذه اللفظة في المهذب . قوله " ملحق " الأشهر فيه كسر الحاء ، رواه البيهقي عن أبي عمرو بن العلاء ، وهو قول الأصمعي وأبي عبيدة والأكثرين من أهل اللغة . [ ص: 483 ] وحكى ابن قتيبة وآخرون فيه الفتح ، فمن فتح فمعناه إن شاء الله ألحقه بهم ، ومن كسر معناه لحق ، كما يقال : أنبت الزرع بمعنى نبت قوله " وأصلح ذات بينهم " أي أمورهم ومواصلاتهم قوله " وألف بين قلوبهم " أي اجمعها على الخير . قوله " الحكمة " فهي كل ما منع القبيح . قوله " وأوزعهم " أي ألهمهم ، قوله " واجعلنا منهم " أي ممن هذه صفته ، قوله { إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن : في الاستسقاء والاستنصار وعشية عرفة } والمراد بالاستنصار الدعاء بالنصر على الكفار .

قوله " لما روى الحسن بن علي " هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته ، اختلف في وقت ولادته والأصح أنه في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وتوفي بالمدينة ودفن بالبقيع سنة تسع وأربعين . وقيل سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين ومناقبه كثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرهما رضي الله تعالى عنه ( وأما أبو رافع ) الذي روي عنه في الكتاب قنوت عمر رضي الله تعالى عنه فهو أبو رافع الصائغ واسمه نفيع - بضم النون - من كبار التابعين وأخيارهم بكى حين أعتق وقال : كان لي أجران فذهب أحدهما .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث