الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ولا يجوز القصر حتى يكون جميع الصلاة في السفر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا يجوز القصر حتى يكون جميع الصلاة في السفر ، فأما إذا أحرم بالصلاة في سفينة في البلد ثم سارت السفينة وحصلت في السفر فلا يجوز له القصر ، وكذا إن أحرم بها في سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة أو نوى الإقامة لزمه الإتمام لأنه اجتمع في صلاته ما يقتضي القصر والإتمام فغلب الإتمام ، ولا يجوز القصر حتى ينوي القصر في الإحرام ، لأن الأصل الإتمام ، فإذا لم ينو القصر انعقد إحرامه على الإتمام فلم يجز القصر كالمقيم ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذه المسائل كما ذكرها باتفاق الأصحاب .

قال أصحابنا : وإذا صار مقيما أتم صلاته أربعا ولا يلزمه نية الإتمام ، وإن كان لم ينو إلا ركعتين لأن الإقامة قطعت حكم الرخصة بتعيين الإتمام لأنه الأصل قال إمام الحرمين : والإتمام مندرج في نية القصر ، فكأنه قال : نويت القصر ما لم يعرض ما يوجب الإتمام قال أصحابنا .

ولو شك هل نوى القصر أم لا ؟ ثم تذكر على قرب أنه نوى القصر لزمه الإتمام بالاتفاق لأنه مضى جزء من صلاته على حكم الإتمام ، وكذا لو دخل في أثناء صلاته في سفينة بلده أو شك هل هو بلده أم لا ؟ لزمه الإتمام وإن بان أنه ليس بلده لما ذكرناه .

واعلم أنه يستشكل ذكر مسألة الإحرام بالصلاة في البلد في سفينة ، لأنه [ ص: 231 ] إن نوى الصلاة تامة أو أطلق النية انعقدت صلاته تامة ، ولم يجز القصر لفوات شرط القصر وهو نية القصر عند الإحرام .

وإن نوى القصر لم تنعقد صلاته لأن من نوى الظهر ركعتين وهو في البلد فصلاته باطلة فلا فائدة حينئذ في ذكر هذه المسألة ، وقد ذكرها الشافعي والأصحاب كما ذكرها المصنف ، ويكفي في أشكالها أن إمام الحرمين مع جلالته استشكلها فقال : ليس في ذكر هذه المسألة كثيرة فائدة .

ثم بسط القول على نحو ما ذكرته ، وذكر احتمالين في صحة صلاة المقيم بنية القصر ثم قال بعد كلام طويل .

ليس عندي في ذلك نقل ، قال : والذي أراه أن المقيم لو نوى الظهر ركعتين جزما ولم ينو الترخص لم تنعقد صلاته ، وإن نوى الترخص بالقصر ففيه احتمال .

هذا كلامه .

وجزم غيره من الأصحاب ببطلان صلاة المقيم الذي نوى الظهر ركعتين ; وهو الصواب .

( والجواب ) عن الإشكال المذكور أن يقال صورة المسألة أن ينوي الظهر مطلقا في سفينة في البلد ثم يسير ويفارق البلد في أثنائها فيجب الإتمام لعلتين ( إحداهما ) فقد نية القصر عند الإحرام ( والثانية ) اجتماع الحضر والسفر فيها ، فبينوا أن اجتماع الحضر والسفر في العبادة يوجب تغليب حكم الحضر ، ويستدل به حينئذ في مسألة الخف ، وهي إذا مسحه في الحضر ثم سافر فعندنا يتم مسح مقيم .

وقال أبو حنيفة : يمسح مسح مسافر ; فيقول : اجتمع الحضر والسفر واجتماعهما يوجب تغليب الحضر ، وقد وافق أبو حنيفة على مسألة الصلاة ; بل نقل الشيخ أبو حامد وغيره إجماع المسلمين على هذا وهذا القياس هو الذي اعتمده أصحابنا في مسألة الخف والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز القصر حتى ينويه عند الإحرام ، قال العبدري وبه قال أكثر الفقهاء ، وقال المزني : لو نواه في أثناء الصلاة ولو قبل السلام جاز القصر ، وقال أبو حنيفة : لا تجب نية القصر لأن الأصل عنده القصر ، وحكى الشيخ أبو حامد وصاحب البيان عن المزني أنه لو نوى الإتمام ثم نوى في أثنائها أن يقصر كان له أن يقصر ، ودليلنا على أبي حنيفة أن الأصل الإتمام لما سبق ، وعلى الآخرين أن الأصل الإتمام عندنا وعندهما ، فمتى وجد جزء منها بغير نية القصر وجب إتمامها تغليبا للأصل .

[ ص: 232 ] فرع ) قال أصحابنا : يشترط لصحة القصر العلم بجوازه ، فلو جهل جوازه فقصر لم تصح صلاته بلا خلاف .

نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق الأصحاب عليه وذكر إمام الحرمين فيه احتمالا وليس بشيء لأنه متلاعب ، وكأن إمام الحرمين لم ير نصه في الأم ، واتفاق العراقيين وغيرهم على التصريح بالمسألة .

ثم إن كان نوى الظهر مطلقا وسلم من ركعتين عمدا لزمه استئنافها أربعا ، لالتزامه الإتمام فإن صلاته انعقدت تامة ، وإن كان نوى الظهر ركعتين وهو جاهل القصر فهو متلاعب ، وإذا أعادها فله القصر إذا علم جوازه لعدم شروعه فيها ، وإنما يجب الإتمام في الإعادة على من لا يعقد صلاته تامة ثم فسدت ، وهنا لم تنعقد صلاته بخلاف الصورة التي قبلها .

( فرع ) قال أصحابنا : نية القصر شرط عند الإحرام ولا يجب استدامة ذكرها لكن يشترط الانفكاك عن مخالفة الجزم بها ، فلو نوى القصر في الإحرام ثم تردد في القصر والإتمام أو شك فيه ثم جزم به أو تذكره لزمه الإتمام ، ولو اقتدى بمسافر علم أو ظن أنه نوى القصر فصلى ركعتين ثم قام إلى ثالثة ، فإن علم أنه نوى الإتمام لزم المأموم الإتمام .

وإن علم أنه ساه بأن كان حنفيا لا يرى الإتمام لم يلزم المأموم الإتمام ، بل يخير إن شاء نوى مفارقته وسجد للسهو وسلم ، وإن شاء انتظره حتى يعود ويسلم معه .

وإنما قالوا : يسجد للسهو لأن بقيام الإمام ساهيا توجه السجود عليهما ، فلو أراد المأموم الإتمام أتم ، لكن لا يجوز أن يقتدي بالإمام في سهوه لأنه غير محسوب له ، ولا يجوز الاقتداء بمن علمنا أن ما هو فيه غير محسوب له ، كالمسبوق إذا أدرك من آخر الصلاة ركعة ، ثم قام الإمام بعدها إلى ركعة زائدة لم يكن للمسبوق أن يتابعه في تدارك ما عليه ، ولو شك هل قام إمامه ساهيا أو متما ؟ لزمه الإتمام لتردده .

ولو نوى المنفرد القصر فصلى ركعتين ثم قام إلى ثالثة - فإن كان حدث ما يقتضي الإتمام كنية الإمام أو الإقامة أو حصوله بدار الإقامة في سفينة فقام لذلك - فقد فعل واجبه ، وإن لم يحدث شيء من ذلك وقام عمدا بطلت صلاته بلا خلاف ، لأنه زاد في صلاته عمدا ، كما لو قام المقيم إلى خامسة ، وكما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغيير النية .

وإن قام سهوا ثم ذكر [ ص: 233 ] لزمه أن يعود ويسجد للسهو ويسلم ، فلو أراد الإتمام بعد التذكر لزمه أن يعود إلى القعود ثم ينهض متما ، وفيه وجه ضعيف أن له أن يمضي في قيامه ، والمذهب الأول لأن النهوض إلى الركعة الثالثة واجب ونهوضه كان لاغيا لسهوه ، ولو صلى ثالثة ورابعة سهوا وجلس للتشهد فتذكر سجد للسهو وسلم ووقعت صلاته مقصورة ، وتكون الركعتان الزائدتان لاغيتين ولا تبطل بهما الصلاة للسهو ، فلو نوى الإتمام قبل السلام والحالة هذه لزمه أن يأتي بركعتين آخرتين ويسجد للسهو لأن الإتمام يقتضي أربع ركعات محسوبات .

( فرع ) قد ذكرنا أنه إذا نوى القصر ثم نوى الإتمام لزمه الإتمام ويبني على صلاته .

قال الشيخ أبو حامد : وقال مالك لا يجوز البناء دليلنا القياس على ما لو أحرم في سفينة في السفر ثم وصلت الوطن فيها ، ولو نوى الإمام الإتمام لزمه والمأمومين الإتمام .

قال أبو حامد : قال مالك : للمأمومين القصر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث