الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا اشتد الخوف ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالا ركبانا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( فإن اشتد الخوف ، ولم يتمكن من تفريق الجيش صلوا رجالا ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لقوله تعالى - : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } قال ابن عمر : " مستقبلي القبلة وغير مستقبليها " وروى نافع عن ابن عمر : " إذا كان الخوف أكثر من ذلك صلى راكبا وقائما يومئ إيماء " قال الشافعي : ولا بأس أن يضرب الضربة ويطعن الطعنة ، فإن تابع أو عمل ما يطول بطلت صلاته ، وحكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن أبي العباس رحمهما الله - أنه قال : إن لم يكن مضطرا إليه بطلت صلاته ، وإن كان مضطرا إليه لم تبطل كالمشي وحكى عن بعض أصحابنا أنه قال : إن اضطر إليه فعل ولكن تلزمه الإعادة كما نقول فيمن لم يجد ماء ، ولا ترابا : إنه يصلي ويعيد فإن استفتح الصلاة راكبا ثم أمن فنزل فإن استدبر القبلة في النزول - بطلت صلاته ; لأنه ترك القبلة من غير خوف ، وإن لم يستدبر قال الشافعي - رحمه الله - : بنى على صلاته ; لأنه عمل قليل فلم يمنع البناء وإن استفتحها راجلا فخاف فركب ، قال الشافعي : ابتدأ الصلاة وقال أبو العباس : إن لم يكن مضطرا إليه ابتدئ ; لأنه عمل كثير لا ضرورة به إليه .

وإن كان مضطرا لم تبطل ; لأنه مضطر إليه فلم تبطل كالمشي ، وقول أبي العباس أقيس ، والأول أشبه بظاهر النص [ إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا وصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه لم يكن عدوا ففيه قولان ( أحدهما ) : تجب الإعادة لأنه فرض فلم يسقط بالخطأ كما لو ظن أنه أتى بفرض ثم علم أنه لم يأت به ( والثاني ) : لا إعادة عليه ، وهو الأصح ; لأن العلة في جواز الصلاة شدة الخوف والعلة موجودة في حال الصلاة [ ص: 312 ] فوجب أن يجزئه كما لو رأى عدوا فظن أنهم على قصده فصلى بالإيماء ثم علم أنهم لم يكونوا على قصده فأما إذا رأى العدو فخافهم فصلى صلاة شدة الخوف ثم بان أنه كان بينهم حاجز من خندق أو ماء ففيه طريقان ، من أصحابنا من قال : على قولين كالتي قبلها ، ومنهم من قال : تجب الإعادة هاهنا قولا واحدا ; لأنه فرط في ترك تأمل المانع فلزمه الإعادة فأما إذا غشيه سيل أو طلبه سبع جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف ، فإذا أمن لم تلزمه الإعادة .

قال المزني : قياس قول الشافعي - رحمه الله - أن الإعادة عليه ; لأنه عذر نادر ، والمذهب الأول ; لأن جنس الخوف معتاد فسقط الفرض بجميعه ] )

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عمر هذا صحيح رواه البخاري بقريب من معناه ، وسبق بيانه في أول استقبال القبلة .

وذكرنا هناك أيضا أن قوله تعالى - : { رجالا } جمع راجل لا جمع رجل .

وقوله ( ويطعن ) هو بضم العين على المشهور ، ويقال بفتحها ، يقال طعن في النسب ونحوه يطعن - بفتح العين - ويطعن بالرمح بضمها ، وقيل لغتان فيهما .

( أما حكم المسألة ) فقال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله - : إذا التحم القتال ، ولم يتمكنوا من تركه بحال لقلتهم وكثرة العدو ، واشتد الخوف ، وإن لم يلتحم القتال فلم يأمنوا أن يركبوا أكتافهم لو ولوا عنهم وانقسموا فرقتين وجب عليهم الصلاة بحسب الإمكان ، وليس لهم تأخيرها عن الوقت بلا خلاف ، ويصلون ركبانا ومشاة ، ولهم ترك استقبال القبلة إذا لم يقدروا عليه .

قال أصحابنا : ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع الاختلاف في الجهة كالمصلين في الكعبة وحولها قال أصحابنا : وصلاة الجماعة في هذا الحال أفضل من الانفراد كحالة الأمن لعموم الأحاديث في فضيلة الجماعة وممن صرح بتفضيل الجماعة على الانفراد هنا صاحب الشامل والمتولي وصاحب البيان وغيرهم .

قال الشيخ أبو حامد في التعليق ( فإن قيل ) : إذا صلوا جماعة لا يمكنهم الاقتداء لعدم المشاهدة ( فالجواب ) : أن المعتبر في الاقتداء العلم بصلاة الإمام لا المشاهدة كما لو صلى في آخر المسجد بصلاة الإمام ، ولا يراه ، لكن يعلم صلاته فإنه يصح بالإجماع ، وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما عن أبي حنيفة : أنه قال : لا تصح صلاتهم جماعة قال الشافعي [ ص: 313 ] والأصحاب : وإذا لم يتمكنوا جماعة أو فرادى من إتمام الركوع والسجود أومأوا بهما وجعلوا السجود أخفض من الركوع ، ولا يلزم الماشي استقبال القبلة في الركوع والسجود ، ولا في الإحرام ، ولا وضع الجبهة على الأرض بلا خلاف ، بخلاف المتنفل في السفر ، والفرق شدة الحاجة والضرورة هنا ، ولا يجوز الصياح ، ولا غيره من الكلام بلا خلاف ، فإن صاح فبان معه حرفان بطلت صلاته بلا خلاف ; لأنه ليس محتاجا إليه بخلاف المشي وغيره ، ولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف ; لأنها لا تضر في غير الخوف ففيه أولى ، وأما الأفعال الكثيرة فإن لم تتعلق بالقتال بطلت الصلاة بلا خلاف وإن تعلقت به كالطعنات والضربات المتوالية فإن لم يحتج إليها أبطلت بلا خلاف أيضا ; لأنها عبث وإن احتاج إليها ففيه ثلاثة أوجه : أصحها عند الأكثرين : لا يبطل وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق والقفال ، وممن صححه صاحب الشامل والمستظهري والرافعي وغيرهم قياسا على المشي ، ولأن مدار القتال على الضرب ، ولا يحصل المقصود غالبا بضربة وضربتين ، ولا يمكن التفريق بين الضربات .

( والوجه الثاني ) : يبطل ورجحه المصنف والبندنيجي وكثيرون من العراقيين وحكاه المصنف والبندنيجي عن النص ، وحكاه غيره عن ظاهر النص وادعى المحتجون له أن الحاجة إلى تتابع الضربات نادر فلم تسقط الإعادة كصلاة من لم يجد ماء ، ولا ترابا وهذا استدلال ضعيف أو باطل فإنه إنكار للحس والمشاهدة .

( والثالث ) : تبطل إن كرر في شخص ، ولا تبطل إن كرر في أشخاص ، حكاه الخراسانيون وبعضهم عبر عن الأوجه بأقوال ، وممن سماها أقوالا الغزالي ، في البسيط والمشهور أنها أوجه ، ومن قال بالوجه الأول الصحيح تأول نص الشافعي في المختصر وغيره على من تابع الضربات من غير عذر

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث