الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تزاحم المأمومين عن السجود في الجمعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( وإن زوحم المأموم عن السجود في الجمعة نظرت فإن قدر أن يسجد على ظهر إنسان لزمه أن يسجد ; لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : { إذا اشتد الزحام فليسجد ، أحدكم على ظهر أخيه } وقال بعض أصحابنا : فيه قول آخر قاله في القديم : أنه بالخيار ، إن شاء سجد على ظهر إنسان وإن شاء ترك حتى يزول الزحام ; لأنه إذا سجد حصلت له فضيلة المتابعة ، وإذا انتظر زوال الزحمة حصلت له فضيلة السجود على الأرض فخير بين الفضيلتين ، والأول أصح ; لأن ذلك يبطل بالمريض إذا عجز عن السجود على الأرض فإنه يسجد على حسب حاله ولا يؤخر ، وإن كان في التأخير فضيلة السجود على [ ص: 434 ] الأرض ، وإن لم يقدر على السجود بحال انتظر حتى يزول الزحام ، فإن زال الزحام - لم يخل إما أن يدرك الإمام قائما أو راكعا أو رافعا من الركوع أو ساجدا - فإن أدركه قائما سجد ، ثم تبعه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك بعسفان للعذر ، والعذر هنا موجود ، فوجب أن يجوز فإن فرغ من السجود فأدرك الإمام راكعا في الثانية ففيه وجهان ( أحدهما ) : يتبعه في الركوع ولا يقرأ ، كمن حضر ، والإمام راكع ( والثاني ) : أنه يشتغل بما عليه من القراءة ; لأنه أدرك مع الإمام محل القراءة بخلاف من حضر والإمام راكع .

( فصل ) فإن زال الزحام فأدرك الإمام رافعا من الركوع أو ساجدا سجد معه ; لأن هذا موضع سجوده وحصلت له ركعة ملفقة ، وهل يدرك بها الجمعة ؟ فيه وجهان ، قال أبو إسحاق : يدرك لقوله صلى الله عليه وسلم { من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى } وقال أبو علي بن أبي هريرة : لا يدرك ; لأن الجمعة صلاة كاملة ، فلا تدرك إلا بركعة كاملة وهذه ركعة ملفقة .

( فصل ) إن زال الزحام وأدرك الإمام راكعا ففيه قولان ( أحدهما ) : يشتغل بقضاء ما فاته ثم يركع ; لأنه شارك الإمام في جزء من الركوع ، فوجب أن يسجد كما لو زالت الزحمة فأدركه قائما ( والثاني ) : يتبع الإمام في الركوع ; لأنه أدرك الإمام راكعا ، فلزمه متابعته كمن دخل في صلاة ، والإمام فيها راكع فإن قلنا : إنه يركع معه - نظرت - فإن فعل ما قلناه وركع حصل له ركوعان ، وبأيهما يحتسب ؟ فيه قولان ( أحدهما ) : يحتسب بالثاني كالمسبوق إذا أدرك الإمام راكعا فركع معه ( والثاني ) : يحتسب بالأول ; لأنه قد صح الأول ، فلم يبطل بترك ما بعده كما لو ركع ونسي السجود فقام أو ركع ثم سجد ، فإن قلنا : إنه يحتسب بالثاني حصل له مع الإمام ركعة فإذا سلم أضاف [ إليها ] أخرى وسلم وإذا قلنا : يحتسب بالأول حصل له ركعة ملفقة ; لأن القيام والقراءة والركوع حصل له من الركعة الأولى وحصل له السجود من الثانية ، وهل يصير مدركا للجمعة ؟ فيه وجهان قال أبو إسحاق : يكون مدركا ، وقال ابن أبي هريرة : لا يكون مدركا فإذا قلنا بقول أبي إسحاق أضاف إليها أخرى وسلم ، وإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة قام وصلى ثلاث ركعات وجعلها ظهرا .

ومن أصحابنا من قال : يجب أن يكون فيه وجهان بناء على القولين فيمن صلى الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة ، وهذا قد صلى ركعة من الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة فلزمه أن يستأنف الظهر بعد فراغه وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري : الصحيح هو الأول والبناء على القولين لا يصح ; لأن القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة من غير عذر ، والمزحوم معذور فلم تجب عليه إعادة الركعة التي صلاها قبل فراغ الإمام ، ولأن القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفردا ; وهذا قد دخل مع الإمام في الجمعة فلم تجب [ ص: 435 ] عليه إعادة ما فعل ; كما لو أدرك الإمام ساجدا في الركعة الأخيرة فإنه يتابعه ثم يبنى الظهر على ذلك الإحرام ولا يلزمه الاستئناف .

وإن خالف ما قلناه واشتغل بقضاء ما فاته فإن اعتقد أن السجود فرضه لم يعد سجوده ; لأنه سجد في موضع الركوع ولا تبطل صلاته ; لأنه زاد فيها زيادة من جنسها جاهلا فهو كمن زاد في صلاته من جنسها ساهيا ، وإن اعتقد أن فرضه المتابعة فإن لم ينو مفارقته بطلت صلاته ; لأنه سجد في موضع الركوع عامدا ، وإن نوى مفارقة الإمام ففيه قولان .

( أحدهما ) : تبطل صلاته .

( والثاني ) : لا تبطل ويكون فرضه الظهر .

وهل يبني أو يستأنف الإحرام بعد فراغ الإمام ؟ على القولين في غير المعذور إذا صلى الظهر قبل صلاة الإمام .

وأما إذا قلنا : إن فرضه الاشتغال بما فاته نظرت فإن فعل ما قلناه وأدرك الإمام راكعا تبعه فيه ويكون مدركا للركعتين ، وإن أدركه ساجدا فهل يشتغل بقضاء ما فاته ؟ أو يتبعه في السجود ؟ فيه وجهان .

( أحدهما ) : يشتغل بقضاء ما فاته ; لأن على هذا القول الاشتغال بالقضاء أولى من المتابعة ، ومنهم من قال : يتبعه في السجود ، وهو الأصح ; لأن هذه الركعة لم يدرك منها شيئا يحتسب له به فهو كالمسبوق إذا أدرك الإمام ساجدا ، بخلاف الركعة الأولى ، فإن هناك أدرك الركوع وما قبله ، فلزمه أن يفعل ما بعده من السجود .

فإذا قلنا : يسجد كان مدركا للركعة الأولى إلا أن بعضها أدركه فعلا ، وبعضها أدركه حكما ; لأنه تابعه إلى السجود ، ثم انفرد بفعل السجدتين ، وهل يدرك بهذه الركعة الجمعة ؟ على وجهين ; لأنه إدراك ناقص فهو كالتلفيق في الركعة ، وإن سلم الإمام قبل أن يسجد المأموم السجدتين لم يكن مدركا للجمعة - قولا واحدا - وهل يستأنف الإحرام ؟ أو يبني على ما ذكرناه من الطريقين ؟ فإن خالف ما قلناه وتبعه في الركوع - فإن كان معتقدا أن فرضه الاشتغال بالسجود - بطلت صلاته ; لأنه ركع في موضع السجود عامدا ، وإن اعتقد أن فرضه المتابعة لم تبطل صلاته ; لأنه زاد في الصلاة من جنسها جاهلا ، ويحتسب بهذا السجود ويحصل له ركعة ملفقة .

وهل يصير مدركا للجمعة ؟ على الوجهين ; وإن زوحم عن السجود وزالت الزحمة والإمام قائم في الثانية ، وقضى ما عليه وأدركه قائما أو راكعا فتابعه فلما سجد في الثانية زحم عن السجود فزال الزحام ، وسجد ورفع رأسه وأدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الركعتين ، بعضهما فعلا وبعضهما حكما ، وهل يكون مدركا للجمعة ؟ على الوجهين ، وإن ركع مع الإمام الركعة الأولى ثم سها حتى صلى الإمام هذه الركعة وحصل في الركوع في الثانية قال القاضي أبو حامد : يجب أن يكون على قولين كالزحام ، ومن أصحابنا من قال : يتبعه - قولا واحدا - ; لأنه مفرط في السهو ، فلم يعذر في الانفراد عن الإمام وفي الزحام غير مفرط ، فعذر في الانفراد عن الإمام ) .

[ ص: 436 ]

التالي السابق


[ ص: 436 ] الشرح ) هذه المسألة موصوفة عند الأصحاب بالإعضال لكثرة فروعها وتشعيبها واستمدادها من أصول ، فاختصار الأحكام ملخصة فيها مع الإشارة إلى أطراف خفي الأدلة أقرب إلى ضبطها ، والاحتواء عليها ، فلهذا أسلك هذا الطريق فيها إن شاء الله - تعالى - وهذا الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه رواه البيهقي بإسناد صحيح .

قال أصحابنا : إذا منعته الزحمة من السجود على الأرض في الركعة الأولى من الجمعة مع الإمام - فإن أمكنه أن يسجد على ظهر إنسان أو رجله أو غير ذلك من أعضائه - قال الشيخ نصر المقدسي وغيره : أو ظهر بهيمة لزمه ذلك على الصحيح الذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي ، ومن أصحابنا من قال : فيه قولان : ( أحدهما ) : هذا ( والثاني ) : قاله في القديم : يتخير إن شاء سجد على الظهر وإن شاء صبر ليسجد على الأرض ، وهذا الطريق حكاه المصنف وآخرون ، واتفقوا على أن المذهب وجوب السجود على الظهر ونحوه للحديث الصحيح { وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } ولأثر عمر ولأنه متمكن منه .

ثم قال الجمهور : إنما يسجد على الظهر ونحوه إذا أمكنه رعاية هيئة السجود بأن يكون على موضع مرتفع ، فإن لم يكن فالمأتي به ليس بسجود فلا يجوز فعله وفيه وجه ضعيف أنه لا يضر هنا ارتفاع رأسه وخروجه عن هيئة الساجد للعذر حكاه الرافعي وغيره ، والمذهب الأول ; فإذا أمكنه السجود على ظهر ونحوه فلم يسجد فهو متخلف بلا عذر ، هذا هو الصحيح وبه قطع المتولي والبغوي .

وفيه وجه أنه متخلف بعذر ، حكاه الرافعي ، وإن لم يتمكن من السجود على الأرض ولا على ظهر ولا غيره فأراد الخروج من متابعة الإمام لهذا العذر ويتمها ظهرا ففي صحتها القولان فيمن صلى الظهر قبل فوات الجمعة .

قال إمام الحرمين : ويظهر منعه من الانفراد ; لأن الجمعة واجبة فالخروج منها مع توقع إدراكها لا وجه له ، أما إذا عجز عن السجود على الأرض والظهر ودام على المتابعة فماذا يصنع ؟ فيه ثلاثة أوجه : ( الصحيح ) : أنه ينتظر التمكن ، وبهذا قطع المصنف والأكثرون .

وقال القاضي أبو الطيب والأصحاب يستحب للإمام أن يطول القراءة ليلحقه منتظر السجود ( والثاني ) : يومئ بالسجود [ ص: 437 ] أكثر ما يمكنه كالمريض ( والثالث ) : يتخير بينهما فإذا قلنا بالصحيح فله حالان ( إحداهما ) : أن يتمكن من السجود قبل ركوع الإمام في الثانية فيسجد عند تمكنه ، فإذا فرغ من سجوده فللإمام أربعة أحوال : ( أحدها ) : أن يكون بعد في القيام فيفتتح المزحوم القراءة ، فإن أتمها قبل ركوع الإمام ركع معه وجرى على متابعته وحصلت له الجمعة فيسلم معه ، ولا يضره هذا التخلف ; لأنه معذور ، وإن ركع الإمام قبل إتمامها فهل له حكم المسبوق ؟ فيه وجهان ، وقد بينا حكم المسبوق في باب صلاة الجماعة ( أصحهما ) عند الجمهور : له حكمه ، فيقطع القراءة ويركع مع الإمام ; لأنه معذور في التخلف فأشبه المسبوق ، وممن صحح هذا الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وابن الصباغ والشاشي وآخرون ( والثاني ) : يلزمه أن يتم الفاتحة ; لأنه عذر نادر بخلاف المسبوق ، وصححه البغوي وصاحب العدة .

وقال إمام الحرمين والبغوي وغيرهما : فإذا قلنا : يقرأ لم يقطع القدوة ، بل يقرأ ويتبع الإمام جهده فيركع ويجري على ترتيب صلاة نفسه قاصدا لحوق الإمام ويكون مدركا للركعتين على حكم الجماعة ، ولا يضره التخلف بأركان ، ويكون حكم القدوة جاريا عليه ، فيلحقه سهو الإمام ويحمل الإمام سهوه .

وقال صاحب الشامل : إذا قلنا : يقرأ فإنما يلزمه أن يقرأ إذا لم يخف فوت الركوع ; فإن خاف فوته قبل فراغ الفاتحة فهو على القولين فيمن أدركه راكعا وهذا الذي قاله صاحب الشامل ضعيف ، وخلاف قول الجمهور .

( الحال الثاني ) : للإمام أن يكون راكعا فوجهان : ( أصحهما ) عند الجمهور يترك القراءة ويركع معه ; لأنه لم يدرك محل القراءة فسقطت عنه كالمسبوق ( والثاني ) : يلزمه قراءة الفاتحة ويسعى وراء الإمام ، وهو متخلف بعذر ( الحال الثالث ) : أن يكون رافعا من الركوع ولم يسلم بعد ، فإن قلنا في الحال الثاني هو كالمسبوق تابع الإمام فيما هو فيه ولا يحسب له ، بل يلزمه بعد سلام الإمام ركعة ثانية ، وإن قلنا : ليس كالمسبوق اشتغل بترتيب صلاة نفسه ، وقيل : يتعين متابعة الإمام وجها واحدا لكثرة ما فاته .

( الحال الرابع ) : للإمام أن يكون متحللا من صلاته فلا يكون مدركا [ ص: 438 ] للجمعة ; لأنه لم تتم له ركعة قبل سلام الإمام ، ولو رفع رأسه من السجود ثم سلم الإمام عقبه كان مدركا للجمعة فيأتي بركعة أخرى .

قال إمام الحرمين : وإذا جوزنا له التخلف وأمرناه بالجريان على ترتيب نفسه فالوجه أن يقتصر على الفرائض فعساه يدرك ، ويحتمل أن يجوز له فعل السنن مقتصرا على الوسط منها ( الحال الثاني ) : للمأموم ألا يتمكن من السجود حتى يركع الإمام في الثانية وفيه قولان مشهوران ( أصحهما ) ، وهو نصه في الأم والمختصر ، وأحد قوليه في الإملاء : يلزمه متابعة الإمام فيركع معه ، صححه البغوي والرافعي وآخرون ، وهو اختيار القفال .

قال البغوي : هو القول الجديد ودليله أن متابعة الإمام آكد ، ولهذا يتابعه المسبوق إذا أدركه راكعا ويترك القراءة والقيام ( والثاني ) : لا يجوز متابعته في الركوع بل يلزمه أن يسجد ويجري على ترتيب نفسه ، وهو أحد قوليه في الإملاء وصححه البندنيجي ; فإن قلنا : يتابعه فقد يمتثل ذلك وقد يخالفه ، فإن امتثل وركع معه فهل يحسب له الركوع الأول أم الثاني ؟ فيه خلاف حكاه المصنف وكثيرون ، قولين .

وحكاه الشيخ أبو حامد وجماعة من الخراسانيين وغيرهم وجهين : ( أصحهما ) : عند الأصحاب بالركوع الأول ، صححه المحاملي وصاحب العدة والشاشي وآخرون ونقل الرافعي تصحيحه عن الأصحاب ; لأنه ركوع صح فلا يبطل بركوع آخر كما لو ركع ونسي السجود وقرأ في الركعة الثانية وركع ثم سجد فإن المحسوب له الركوع الأول بلا خلاف كما ذكره المصنف ( والثاني ) : يحسب له الركوع الثاني ; لأنه المحسوب للإمام ، فإن قلنا : المحسوب الثاني حصلت له الركعة الثانية بكمالها ، وإذا سلم الإمام ضم إليها ركعة أخرى وتمت جمعته بلا خلاف ، وإن قلنا المحسوب الأول حصلت ركعة ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث