الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان صفة المخرج في زكاة الماشية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 387 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( إذا كانت الماشية صحاحا لم يؤخذ في فرضها مريضة ، لقوله صلى الله عليه وسلم " { ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار } وروي { ولا ذات عيب } وإن كانت مراضا أخذت مريضة ولا يجب إخراج صحيحة ; لأن في ذلك إضرارا لرب المال ، وإن كان بعضها صحاحا وبعضها مراضا أخذ عنها صحيحة ببعض قيمة فرض صحيح وبعض قيمة فرض مريض ; لأنا لو أخذنا مريضة لتيممنا الخبيث وقد قال الله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } وإن كانت الماشية كبار الأسنان كالثنايا والبزل في الإبل لم يؤخذ غير الفرض المنصوص عليه ; لأنا لو أخذنا كبار الأسنان أخذنا عن خمس وعشرين جذعة ، ثم نأخذها في إحدى وستين فيؤدي إلى التسوية في القليل والكثير . وإن كانت الماشية صغارا نظرت فإن كانت من الغنم أخذ منها صغيرة ، لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه " ولو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه " ولأنا لو أوجبنا فيها كبيرة أضررنا برب المال . وإن كانت من الإبل والبقر ففيه وجهان : . قال أبو إسحاق : تؤخذ الفرائض المنصوص عليها بالقسط ، فيقوم النصاب من الكبار ، ثم يقوم فرضه ، ثم يقوم النصاب من الصغار ، ويؤخذ كبيرة بالقسط . ومن أصحابنا من قال : إن كان المال مما يتغير الفرض فيه بالسن لم يجز ; لأنه يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير ، وإن كان مما يتغير الفرض فيه بالعدد أخذ صغيرة لأنه لا يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير ، فأخذ الصغير من الصغار كالغنم ، والصحيح هو الأول ; لأن هذا يؤدي إلى أن يؤخذ من ست وسبعين فصيلان ، ومن إحدى وتسعين فصيلان وإن وإن كانت الماشية إناثا أو ذكورا وإناثا نظرت فإن كانت من الإبل والغنم لم يؤخذ في فرضها إلا الإناث ; لأن النص ورد فيها بالإناث على ما مضى ولأن في أخذ الذكر من الإناث تيمم الخبيث وقد قال الله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } وإن كانت من البقر نظرت فإن كانت في فرض الأربعين لم يجز إلا الإناث لما ذكرناه ، وإن كانت في فرض الثلاثين جاز فيه الذكر والأنثى لحديث معاذ " { في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة } وإن كانت كلها ذكورا نظرت فإن كانت من الغنم أخذ واحد منها ، وإن كانت من الإبل أو من الأربعين من البقر ففيه وجهان : . قال أبو إسحاق : لا يجوز إلا الأنثى ، فيقوم النصاب من الإناث ، والفرض الذي فيها ، ثم يقوم النصاب من الذكور ، ويؤخذ أنثى بالقسط حتى لا يؤدي إلى التسوية بين الذكور والإناث ، والدليل عليه أنه لا يؤخذ إلا الأنثى ; لأن الفرائض كلها إناث ، إلا في موضع الضرورة ولا ضرورة ههنا ، فوجبت الأنثى ، وقال أبو علي بن خيران : يجوز فيه الذكور وهو المنصوص في الأم ، والدليل عليه أن الزكاة وضعت على الرفق والمواساة ، فلو أوجبنا [ ص: 388 ] الإناث من الذكور أجحفنا برب المال . قال أبو إسحاق : إلا أنه يؤخذ من ست وثلاثين ابن لبون ، أكثر قيمة من ابن لبون ويؤخذ من خمس وعشرين حتى لا يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير في الفرض ، وإن كانت الماشية صنفا واحدا أخذ الفرض منه وإن كانت أنواعا كالضأن والماعز والجواميس والبقر والبخاتي والعرب ، ففيه قولان : : ( أحدهما ) : أنه يؤخذ الفرض من الغالب منهما ، وإن كانوا سواء أخذ الساعي أنفع النوعين للمساكين ، ; لأنا لو ألزمناه الفرض من كل نوع شق ، فاعتبر الغالب ( والقول الثاني ) : أنه يؤخذ من كل نوع بقسطه ; لأنها أنواع من جنس واحد ، فأخذ من كل نوع بقسطه كالثمار ، فعلى هذا إذا كان عشرون من الضأن وعشرون من المعز قوم النصاب من الضأن ، فيقال : قيمته مثلا مائة يقوم فرضه فيقال : قيمته عشرة ، ويقوم نصاب المعز ، فيقال : قيمته خمسون ، ثم يقوم فرضه ، فيقال : قيمته خمسة فيقال له : اشتر شاة من أي النوعين شئت بسبعة ونصف وأخرج ) .

التالي السابق


( الشرح ) : هذا الحديث صحيح رواه البخاري من رواية أنس ، وهو حديث طويل سبق بيانه في أول باب زكاة الإبل ، وسبق هناك أن العوار - بفتح العين وضمها - وهو العيب ، وهذا الفصل ومسائله ليس للغنم خاصة بل للماشية كلها ، وكان ينبغي للمصنف أن يفرده بباب ولا يدخله في باب زكاة الغنم ومع هذا فذكره هنا له وجه . وحاصل الفصل بيان صفة المخرج في زكاة الماشية . قال أصحابنا رحمهم الله تعالى : إن كانت الماشية كاملة أخرج الواجب منها وإن كانت ناقصة فأسباب النقص خمسة ( أحدها ) : المرض ، فإن كانت الماشية كلها مراضا أخذت منها مريضة متوسطة لئلا يتضرر المالك ولا المساكين ، وإن كان بعضها صحيحا وبعضها مراضا ، فإن كان الصحيح قدر الواجب فأكثر لم تجز المريضة وإن كان الواجب حيوانا واحدا وإن كان اثنين ، ونصف ماشيته صحاح ونصفها مراض كبنتي لبون في ست وسبعين وكشاتين في مائتين فطريقان ( أصحهما ) : وبه قطع العراقيون وجمهور الخراسانيين يجب صحيحتان بالقسط كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، لعموم قوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } .

( والطريق الثاني ) : حكاه صاحب التهذيب فيه وجهان : " أحدهما " هذا [ ص: 389 ] وأصحهما " عنده يجزئه صحيحة ومريضة ، والمذهب الأول فإن كان الصحيح من ماشيته دون قدر الواجب كشاتين في مائتين ليس فيها إلا صحيحة واحدة ، فطريقان " الصحيح " وبه قطع العراقيون والصيدلاني وجمهور الخراسانيين : يجزئه مريضة وصحيحة بالقسط ( والطريق الثاني ) : فيه وجهان : حكاهما جماعة من الخراسانيين " أصحهما " هذا ( والثاني ) : وبه قال أبو محمد الجويني : يجب صحيحتان بالقسط ، ولا تجزئه صحيحة ومريضة ; لأن المخرجتين يزكيان أنفسهما والمال ، فكل واحدة تزكي الأخرى فيلزم منه أن تزكي مريضة صحيحة . قال أصحابنا : وإذا انقسم المال إلى صحاح ومراض وأوجبنا صحيحة لم يكلف أن يخرجها من نفس ماله ولا يكلف صحيحة كاملة مساوية لصحيحة ماله في القيمة بل يجب صحيحة لا تعد لائقة بماله .

( مثاله ) : أربعون شاة نصفها صحاح ونصفها مراض قيمة كل صحيحة منها ديناران وقيمة كل مريضة دينار ، فعليه صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة ، وذلك دينار ونصف .

ولو كانت الصحاح في المثال المذكور ثلاثين ، فعليه صحيحة بثلاثة أرباع قيمة صحيحة ، وربع قيمة مريضة وهو دينار وربع عشر دينار والمجموع ربع عشر المال ، ومتى قوم جملة النصاب وكانت الصحيحة المخرجة ربع عشر قيمة الجملة كفاه ، فلو ملك مائة وإحدى وعشرين شاة فلتكن قيمة الشاتين المأخوذتين جزأين من مائة وإحدى وعشرين جزءا من قيمة الجملة . وإن ملك خمسا وعشرين من الإبل ، فلتكن قيمة بنت المخاض المأخوذة جزءا من خمسة وعشرين جزءا من قيمة الجملة ، وقس على هذا سائر النصب ، وواجباتها ، فلو ملك ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض ، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير وكل مريضة ديناران وجب صحيحة بنصف قيمة صحيحة ونصف قيمة مريضة وهو ثلاثة دنانير ذكره البغوي وغيره . قال الرافعي : ولك أن تقول : هلا كان مبنيا على أن الوقص يتعلق به الفرض أم لا ؟ وإن علقناه به ، فالحكم كما ذكروه ، وإلا فليسقط الواجب على الخمس والعشرين . [ ص: 390 ] قلت ) : وهذا الاعتراض ضعيف ; لأن الواجب بنت مخاض موزعة بالقيمة نصفين ، فلا اعتبار بالوقص ، ولو ملك مائتي بعير فيها أربع حقاق صحاح وباقيها مراض لزمه أربع حقاق صحاح قيمتهن خمس عشر قيمة الجميع ، وإن لم يكن فيها صحيح إلا ثلاث حقاق أو ثنتان أو واحدة أخذ صحيح بقدر الصحاح بالقسط ، وأخذ الباقي مراضا وفيه الوجه الضعيف السابق عن البغوي ، والوجه السابق عن أبي محمد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث