الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع رهن المال الذي وجبت فيه الزكاة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 452 ] قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن باع بعد بدو الصلاح ففي البيع في قدر الفرض قولان : ( أحدهما ) : أنه باطل ; لأن في أحد القولين تجب الزكاة في العين ، وقدر الفرض للمساكين ، فلا يجوز بيعه بغير إذنهم ، وفي الآخر تجب في الذمة والعين مرهونة به ، وبيع المرهون لا يجوز من غير إذن المرتهن ، ( والثاني ) : أنه يصح ; لأنا إن قلنا : [ إن ] الزكاة تتعلق بالعين إلا أن أحكام الملك كلها ثابتة ، والبيع من أحكام الملك ، وإن قلنا : إنها تجب في الذمة والعين مرتهنة به إلا أنه رهن يثبت بغير اختياره ، فلم يمنع البيع كالجناية في رقبة العبد ، فإن قلنا : يصح في قدر الفرض ففيما سواه أولى ، ( وإن قلنا ) : لا يصح في قدر الفرض ففيما سواه قولان بناء على تفريق الصفقة ) .

التالي السابق


( الشرح ) : إذا باع مال الزكاة بعد وجوبها فيه ، سواء كان تمرا أو حبا أو ماشية أو نقدا أو غيره قبل إخراجها - فإن باع جميع المال - فهل يصح في قدر الزكاة ؟ يبنى على الخلاف السابق في باب زكاة المواشي أن الزكاة هل تتعلق بالعين ؟ أو بالذمة ؟ وقد سبق خلاف مختصره أربعة أقوال تتعلق بالعين تعلق الشركة ، ( والثاني ) : تتعلق بالعين تعلق أرش الجناية ، ( والثالث ) : تعلق المرهون ( والرابع ) : لا تتعلق بالعين بل بالذمة فقط ، وتكون العين خلوا من التعلق ، فإن قلنا : الزكاة تتعلق بالذمة وتكون العين خلوا منها صح البيع قطعا ، وإن قلنا تتعلق بها تعلق المرهون فقولان ، أشار المصنف إلى دليلها ( أصحهما ) : عند العراقيين وغيرهم الصحة أيضا ; لأن هذه العلاقة ثبتت بغير اختيار المالك وليست لمعين فسومح بها بما لا يسامح به في المرهون . وإن قلنا : تعلق الشركة فطريقان : ( أحدهما ) : القطع بالبطلان ; لأنه باع ما لا يملكه ، ( وأصحهما ) وأشهرهما ، وبه قطع أكثر العراقيين في صحته قولان ( أصحهما ) : باتفاق الأصحاب البطلان ، وبه قطع كثيرون ، ( والثاني ) : الصحة ; لأنه يجوز أن يدفع الزكاة من غيره ، وإن قلنا : تعلق الأرش ففي صحته خلاف مبني على صحة بيع الجاني ، فإن صححناه صح هذا وإلا فلا ، فإن صححنا صار بالبيع ملتزما الفداء ، فحصل من جملة هذه الاختلافات أن الأصح بطلان البيع في قدر الزكاة . قال أصحابنا : فحيث صححنا في قدر الزكاة ، ففي الباقي أولى ، وحيث أبطلنا فيه ففي الباقي قولا تفريق الصفقة ، هكذا أطلقه المصنف وسائر العراقيين ، وقال الخراسانيون : إذا قلنا بالبطلان في قدر الزكاة ، فهل [ ص: 453 ] يبطل في الباقي ؟ إن قلنا : تعلق الشركة فقولا تفريق الصفقة ، وإن قلنا : تعلق الرهن ، وقلنا : الاستيثاق في الجميع بطل في الجميع ، وإن قلنا بالاستيثاق في قدر الزكاة فقط ; ففي الزائد قولا تفريق الصفقة ، والأصح في تفريق الصفقة الصحة وحيث منعنا البيع ، وكان المال ثمرة ، فالمراد قبل الخرص ، وأما بعده فلا منع إن قلنا : الخرص تضمين وهو الأصح ، وإن قلنا : غيره فيه كلام يأتي قريبا في فصل الخرص إن شاء الله تعالى .

والحاصل من هذا الخلاف كله ثلاثة أقوال : ( أصحها ) : يبطل البيع في قدر الزكاة ويصح في الباقي ، ( والثاني ) : يبطل في الجميع ، ( والثالث ) : يصح في الجميع ، فإن صححنا في الجميع نظر إن أدى البائع الزكاة من موضع آخر فذاك ، وإلا فللساعي أن يأخذ من غير المال من يد المشتري قدر الزكاة على جميع الأقوال بلا خلاف . فإن أخذ انفسخ البيع في المأخوذ ، وهل ينفسخ في الباقي ؟ فيه الخلاف المشهور في انفساخ البيع بتفريق الصفقة في الدوام ، والمذهب لا ينفسخ ، فإن قلنا : ينفسخ استرد الثمن ، وإلا فله الخيار إن كان حالا ، فإن فسخ فذاك ، وإن أجاز في الباقي فهل يأخذ بقسطه من الثمن ؟ أم بالباقي ؟ فيه طريقان مشهوران في كتاب البيع ، ( المذهب ) أنه بقسطه . ولو لم يأخذ الساعي منه الواجب ، ولم يؤد البائع الزكاة من موضع آخر ، فهل للمشتري الخيار إذا علم ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) : له الخيار ( والثاني ) : لا ; لأنه في الحال مالك للجميع . وقد يؤدي البائع الزكاة من موضع آخر ; فإن قلنا بالأصح : إن له الخيار فأدى البائع الزكاة من موضع آخر فهل يسقط خياره ؟ فيه وجهان : ( الصحيح ) : يسقط لزوال العيب ، كما لو اشترى معيبا فزال عيبه قبل الرد فإنه يسقط ، ( والثاني ) : لا يسقط لاحتمال أن يخرج ما دفعه إلى الساعي مستحقا ، فيرجع الساعي إلى عين المال ، ويجري الوجهان فيما لو باع السيد العبد الجاني ، ثم فداه هل يبقى للمشتري خياره ؟ أما إذا أبطلنا البيع في قدر الزكاة وصححنا في الباقي ، فللمشتري الخيار في فسخ البيع في الباقي وإجازته ، ولا يسقط خياره بأداء البائع الزكاة من موضع آخر ; لأن الخيار هنا لتبعيض الصفقة ، وإذا أجاز فهل يجيز بقسطه أم بجميع الثمن ؟ فيه القولان السابقان . وقطع بعض الأصحاب بأنه يجيز بالجميع في المواشي ; والمذهب الأول والله تعالى أعلم . [ ص: 454 ] هذا كله في بيع جميع المال ; فإن باع بعضه نظر فإن لم يبق قدر الزكاة ، فهو كما لو باع الجميع ، وإن بقي قدر الزكاة بنية صرفه إلى الزكاة أو بغير نية فإن قلنا بالشركة ، ففي صحة البيع وجهان ، قال ابن الصباغ : ( أقيسهما ) البطلان ، وهما مبنيان على كيفية ثبوت الشركة ، وفيها وجهان ( أحدهما ) : أن الزكاة شائعة في الجميع متعلقة بكل واحد من الشياه وغيرها بالقسط .

( والثاني ) : أن محل الاستحقاق هو قدر الواجب فقط ، ويتعين بالإخراج ، وإن فرعنا على قول الزكاة فقط ، فعلى الأول لا يصح ، وعلى الثاني يصح ، وإن فرعنا على تعليق الأرش ، فإن صححنا بيع الجاني صح هذا وإلا ، فالتفريع كالتفريع على قول الرهن ، وجميع ما ذكرنا هو في بيع ما تجب الزكاة في عينه . فأما بيع مال التجارة بعد وجوب الزكاة فسيأتي بيانه في بابها إن شاء الله تعالى .



( فرع ) : لو رهن المال الذي وجبت فيه الزكاة ، فهو كبيعه فيعود فيه جميع ما سبق ، فإن صححنا في قدر الزكاة ، ففي الزائد أولى ، وإن أبطلنا في قدر الزكاة ، فالباقي يرتب على البيع ، فإن صححنا البيع فالرهن أولى ، وإلا فقولان كتفريق الصفقة في الرهن إذا صحب حلالا وحراما ، فإن صححنا الرهن في الجميع فلم يؤد الزكاة من موضع آخر فللساعي أخذها منه ، فإذا أخذ انفسخ الرهن فيها ، وفي الباقي الخلاف السابق في نظيره في البيع ، وإن أبطلنا في الجميع أو في قدر الزكاة فقط ، وكان الرهن مشروطا في بيع ، ففي فساد البيع قولان ، فإن لم يفسد فللمشتري الخيار ، ولا يسقط خياره بدفع الزكاة من موضع آخر ، ( وأما ) إذا رهن قبل تمام الحول فتم ، ففي وجوب الزكاة الخلاف السابق في باب زكاة المواشي ، والرهن لا يكون إلا بدين ، وفي كون الدين مانعا لوجوب الزكاة قولان سبقا هناك ، ( الأصح ) : الجديد : لا يمنع ، فإن قلنا : الرهن لا يمنع الزكاة وقلنا : الدين لا يمنعها أو يمنعها وكان له مال آخر يفي بالدين وجبت الزكاة وإلا فلا ، ثم إن لم يملك الراهن مالا آخر أخذت الزكاة من نفس المرهون على أصح الوجهين ; لأنها متعلقة بالعين . فأشبهت أرش الجناية .

( وعلى الثاني ) : لا يؤخذ منه ; لأن حق المرتهن سابق على وجوب الزكاة ، والزكاة حق لله تعالى مبنية على المسامحة بخلاف أرش الجناية ; ولأن أرش الجناية لو لم يأخذه [ ص: 455 ] يفوت لا إلى بدل بخلاف الزكاة فعلى الأصح لو كانت الزكاة من غير جنس المال كالشاة من الإبل يباع جزء من المال في الزكاة . وقيل : الخلاف فيما إذا كان الواجب من غير جنس المال ، فإن كان من جنسه أخذ من المرهون بلا خلاف ، ثم إذا أخذت الزكاة من نفس المرهون ، فأيسر الراهن بعد ذلك فهل يؤخذ منه قدر الزكاة ليكون رهنا عند المرتهن ؟ فيه طريقان إن علقناه بالذمة أخذ وإن علقناه بالعين لم يؤخذ على أصح الوجهين ، كما لو تلف بعض المرهون وقيل : يؤخذ كما لو أتلفه المالك ، فإن قلنا يؤخذ فإن كان النصاب مثليا أخذ المثل ، وإن كان متقوما أخذ القيمة على قاعدة الغرامات .

( أما ) إذا ملك مالا آخر ، فالمذهب والذي قطع به الجمهور أن الزكاة تؤخذ من باقي أمواله ولا تؤخذ من نفس المرهون سواء قلنا : تجب الزكاة في الذمة أو العين وقال جماعة : يأخذ من نفس المرهون إن قلنا تتعلق بالعين ، وهذا هو القياس كما لا يجب على السيد فداء المرهون إذا جنى والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث