الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجوز إفراد الحج عن العمرة ، والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما ، لما روت عائشة قالت : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا ، من أهل بالحج : ومنا من أهل بالعمرة ، ومنا من أهل بالحج والعمرة } والإفراد والتمتع أفضل من القران ، وقال المزني القران أفضل ، والدليل على ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله ، والقارن يقتصر على عمل الحج وحده ، فكان الإفراد والتمتع أفضل ، وفي التمتع والإفراد قولان ( أحدهما ) أن التمتع أفضل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج } ( والثاني ) : أن الإفراد أفضل لما روى جابر قال : { أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ليس معه عمرة } ولأن التمتع يتعلق به [ ص: 142 ] وجوب دم ، فكان الإفراد أفضل منه كالقران ( وأما ) حديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنه يحتمل أنه أراد أمر بالتمتع كما روي أنه رجم ماعزا وأراد أنه أمر برجمه ، والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوي ، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم { أفرد بالحج } )

التالي السابق


( الشرح ) : حديث عائشة وحديث ابن عمر وحديث جابر رواها كلها البخاري ومسلم بلفظها ، إلا حديث جابر فلفظهما فيه : { أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج } ( وأما ) قوله ليس معه عمرة فليست في روايتهما ورواها البيهقي بإسناد ضعيف . أما الأحكام ، فقد أتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على جواز الإحرام على خمسة أنواع ، الإفراد ، والتمتع ، والقران ، والإطلاق ، وهو أن يحرم بنسك مطلقا ، ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو كليهما ، والتعليق وهو أن يحرم بإحرام كإحرام فهذه الأنواع الخمسة جائزة بلا خلاف ، وذكر المصنف هنا الثلاثة الأولى ( وأما ) النوعان الآخران : فذكرهما في باب الإحرام وسنوضحهما هناك إن شاء الله تعالى .

( وأما ) الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة الأولى ففيه طرق وأقوال منتشرة ( الصحيح ) منها الإفراد ، ثم التمتع ، ثم القران ، هذا هو المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في عامة كتبه ، والمشهور من مذهبه ( والقول الثاني ) أن أفضلها التمتع ، ثم الإفراد ، وهذا القول في الكتاب ، وهذا الثاني نصه في كتاب اختلاف الحديث ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب والأصحاب ( والثالث ) : أفضلها الإفراد ، ثم القران ، ثم التمتع ، حكاه صاحب الفروع ، والسرخسي وصاحب البيان ، وآخرون ، قالوا : نص عليه في أحكام القرآن ، وممن اختاره من أصحابنا المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي والقاضي حسين في تعليقه . قال أصحابنا : وشرط تقديم الإفراد أن يحج ، ثم يعتمر في سنة ، فإن أخر العمرة عن سنة فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه بلا خلاف ; لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه .

[ ص: 143 ] هكذا قاله جماهير الأصحاب ، ممن صرح به الماوردي والقاضي أبو الطيب في تعليقه . وصاحب الشامل والبيان والرافعي وآخرون ، وقال القاضي حسين والمتولي : الإفراد أفضل من التمتع والقران ، سواء اعتمر في سنته أم في سنة أخرى ، وهذا شاذ ضعيف ، والله أعلم .

( فرع ) : في مذاهب العلماء في الإفراد والتمتع والقران . قد ذكرنا أن مذهبنا جواز الثلاثة ، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع ، وقد ذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه وآخرون من أصحابنا ومن غيرهم من العلماء في نهي عمر وعثمان تأويلين : ( أحدهما ) : أنهما نهيا عنه تنزيها ، وحملا للناس على ما هو الأفضل عندهما وهو الإفراد ، لا أنهما يعتقدان بطلان التمتع هذا مع علمهما بقول الله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } ( والثاني ) : أنهما كانا ينهيان عن التمتع الذي فعلته الصحابة في حجة الوداع ، وهو فسخ الحج إلى العمرة ; لأن ذلك كان خاصا لهم كما سنذكره واضحا إن شاء الله تعالى ، وهذا التأويل ضعيف وإن كان مشهورا وسياق الأحاديث ، الصحيحة يقتضي خلافه . ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضي كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع وهو ضعيف ولا ينبغي أن يحمل كلامه عليه ، بل المختار في مذهبه ما قدمته والله أعلم .

( فرع ) : في مذاهبهم في الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة .

قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أن الإفراد أفضل ، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وجابر وعائشة ومالك والأوزاعي وأبو ثور وداود ، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والمزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي : القران أفضل . وقال أحمد : التمتع أفضل . وحكى أبو يوسف أن التمتع والقران أفضل من الإفراد . وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة لا أفضلية لبعضها على بعض ، ودليل الجميع يفهم مما ذكره المصنف ومما سأذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا ، والله أعلم . [ ص: 144 ] فرع ) قال المزني في المختصر : قال الشافعي في اختلاف الحديث : ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا ، وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح ; لأن الكتاب ، ثم السنة ، ثم ما لا علم فيه خلاف يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران واسع كله ، قال الشافعي : وثبت أنه صلى الله عليه وسلم { خرج ينتظر القضاء ، فنزل عليه القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهل بالحج - ولم يكن معه هدي - أن يجعلها عمرة وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة } .

قال الشافعي : ( فإن ) قال قائل : فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر يعني روايتهم للإفراد دون حديث من قال قرن ؟ ( قيل : ) لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره لرواية عائشة ، وفضل حفظها عنه ، وقرب ابن عمر منه ، هذا نصه في مختصر المزني قال الماوردي : يعني قول الشافعي ليس من الخلاف أيسر من هذا ; لأنه مباح ليس فيه تغيير حكم ; لأن الإفراد والتمتع كلها جائزة ، قال : وقول الشافعي وإن كان الغلط فيه قبيحا يحتمل أمرين : ( أحدهما ) : أنه أراد الإنكار على الرواة حيث لم يتفقوا على نقلها ، وهي حجة واحدة ( والثاني ) : أنه أراد الإنكار على من لا معرفة له بالأحاديث وترتيب مختلفها ، والجمع بينها ، وأنها غير متضادة ، بل يجمع بينها ، هذا كلام الماوردي . وقال القاضي حسين : وإنما استيسر الخلاف فيه ; لأن الأنواع الثلاثة منصوص عليها في القرآن ، وكلها منقولة عنه صلى الله عليه وسلم صحيحة عنه ، وكلها جائزة بالإجماع ( أما ) الإفراد فبين في قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ( وأما ) التمتع ففي قوله تعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } وأما القران ففي قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } هذا كلام القاضي حسين ، وفي الاستدلال بهذه الأخيرة للقران نظر ، وقد استدل بها أصحاب أبي حنيفة لمذهبهم في ترجيح القران ، وأنكر ذلك أصحابنا وقالوا : لا دلالة في الآية [ ص: 145 ] للقران ; لأنه ليس في الآية أكثر من جمع الحج والعمرة في الذكر ، ولا يلزم من ذلك جمعهما في الفعل ، نظيره قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه في شرح كلام الشافعي هذا وقوله وإن كان الغلط فيه قبيحا يعني اختلافهم فيها قبيح ، قال : ثم عذرهم في ذلك فإنه قد كان ثبت عندهم أن الإفراد والتمتع والقران كلها جائزة لم يهتموا بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يعلمونه علما قطعيا ، ويتفقون عليه ، بل اقتصر كل واحد على ما غلب على ظنه كما رواه وسمعه منه ، مع أمور فوق ظنه في روايته ، والله أعلم .

( فرع ) أذكر فيه إن شاء الله - تعالى - جملة من الأحاديث الصحيحة في الإفراد والتمتع والقران ، ( فأما ) جوازها كلها ففيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : { منا من أهل بالحج مفردا ، ومنا من قرن ، ومنا من تمتع } ، ( وأما ) ترجيح الإفراد فثبت في الصحيح من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة .

( فأما ) حديث عائشة فقد سبق الآن في قولها : " وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج " رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج } وفي رواية له أيضا عنها : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا } وفي رواية البخاري ومسلم قالت : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر لنا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت - وذكرت تمام الحديث إلى قولها - ثم رجعوا مهلين بالحج - يعني إلى منى - } .

( وأما ) حديث ابن عمر فعن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { يلبي بالحج والعمرة جميعا ، قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا [ ص: 146 ] فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا } رواه البخاري ومسلم وعن زيد بن أسلم { أن رجلا أتى ابن عمر فقال : بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بالحج ، ثم أتاه من العام المقبل فسأله فقال : ألم تأتني عام أول ؟ قال : بلى ، ولكن أنسا يزعم أنه قرن ، قال ابن عمر : إن أنسا كان يدخل على النساء وهن منكشفات الرءوس ، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يلبي بالحج } رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عمر قال : { أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج منفردا } .

( وأما ) حديث جابر فعن عطاء عن جابر بن عبد الله قال : { أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا عن جابر قال : { أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده ، فقدمنا صبح رابعة من ذي الحجة فأمرنا أن نحل } وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر في حديث طويل قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمناسك الحج } - وذكر الحديث إلى أن قال : حتى { إذا كان آخر طواف على المروة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليتحلل وليجعلها عمرة } ( قوله ) : آخر طواف على المروة ، يعني : السعي .

( وأما ) حديث ابن عباس ففيه قال { : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فقدم لأربع مضين من ذي الحجة وصلى الصبح وقال لما صلى الصبح : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة } رواه مسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها نعلين ، ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج } وروى البيهقي بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه : [ ص: 147 ] يا بني أفرد الحج فإنه أفضل " وبإسناده عن ابن مسعود أنه أمر بإفراد الحج .

( وأما ) ترجيح التمتع فعن ابن عمر قال : { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى ، فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى ، فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل ، ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ، ومشى أربعة أطواف ، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر ، وأفاض فطاف بالبيت ، ثم حل من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس } رواه البخاري ومسلم .

وعن الزهري عن عروة عن عائشة قالت { : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، وتمتع الناس معه } ، قال الزهري : مثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري ومسلم ، قال البيهقي : قد روينا عن ابن عمر وعائشة فيما سبق في إفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف هذا ، قال : وكونه قال في هذه الرواية : لم يتحلل من إحرامه حتى فرغ من حجه دليل ظاهر على أنه لم يكن متمتعا . وعن غنيم بن قيس - بضم الغين المعجمة - قال : " سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال : فعلناها ، وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعني : بيوت مكة - " رواه مسلم ( وقوله ) العرش هو - بضم العين [ ص: 148 ] والراء - وهي بيوت مكة ( وقوله ) وهذا كافر يعني : معاوية ، وفي رواية غير مسلم : " فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعني معاوية - " وعن محمد بن عبد الله بن الحارث أنه { سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان ، وهما يذكران التمتع والعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع مثل هذا إلا من جهل أمر الله - تعالى - ، فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ، قال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه } رواه الترمذي وقال : حديث صحيح ، وفي بعض النسخ حسن صحيح ورواه النسائي وآخرون أيضا ، وعن أبي موسى الأشعري قال { بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي باليمن فجئت وهو منيخ بالبطحاء فقال : بم أهللت ؟ فقلت : أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال : هل معك من هدي ؟ قلت : لا ، فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة ، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني - أو غسلت رأسي - } رواه البخاري ومسلم .

وعن سالم بن عبد الله " أنه سمع { رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال ابن عمر : هي حلال ، قال الشامي : إن أباك قد نهى عنها ، قال ابن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم } " رواه الترمذي بإسناد صحيح ، وقال : حديث حسن ، وهو من رواية ليث بن أبي سليم وهو ضعيف ، ولهذا لم يقع في بعض نسخ الترمذي قوله : حديث حسن . وعن عمران بن الحصين قال : { تمتع النبي صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه } رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه البخاري بمعناه قال : { متعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن ، قال رجل برأيه ما شاء } وعن أبي جمرة - بالجيم - قال { تمتعت فنهاني ناس عن ذلك ، فسألت ابن عباس فأمرني بها . فرأيت في المنام كأن رجلا [ ص: 149 ] يقول لي : حج مبرور وعمرة متقبلة ، فأخبرت ابن عباس فقال : سنة النبي صلى الله عليه وسلم } رواه البخاري ومسلم .

( وأما ) القران فجاءت فيه أحاديث ( منها ) حديث سعيد بن المسيب قال : { اختلف علي وعثمان وهما بعسفان فكان عثمان نهى عن المتعة أو العمرة ، فقال علي : ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عثمان : دعنا منك ، فقال : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا } رواه البخاري ومسلم ( ومنها ) حديث أنس فعن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا . قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثه بقول ابن عمر ، فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا } وروى البيهقي بإسناده عن سليمان بن الحارث وهو شيخ البخاري قال : " سمع هذه الرواية أبو قلابة من أنس وأبو قلابة فقيه " قال : وقد روى حميد ويحيى بن أبي إسحاق عن أنس قال : { سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بعمرة وحج } قال سليمان : ولم يحفظا ، إنما الصحيح ما قال أبو قلابة { أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ، وقد جمع بعض أصحابه بين الحج والعمرة } فأما سمع أنس فعن أولئك الذين جمعوا بين الحج والعمرة ، قال البيهقي : فالاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه قال : ويحتمل أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وسلم يعلم رجلا كيف صورة القران ، لا أنه قرن عن نفسه وعن أنس قال : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما لبيك عمرة وحجا } رواه مسلم ، وعن عمران بن الحصين قال : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ، ثم لم ينه حتى مات ، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه } رواه مسلم . وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق { أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقال : عمرة في حجة } رواه البخاري هكذا في بعض الروايات ، وقال عمرة في حجة ، وفي بعضها وقل : عمرة في حجة ، قال [ ص: 150 ] البيهقي : ويكون ذلك إذنا في إدخال العمرة على الحج ; لأنه أمره في نفسه وعن الصبي بن معبد قال : { كنت رجلا نصرانيا ، فأسلمت فأهللت بالحج والعمرة ، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان ، وأنا أهل بهما جميعا فقال أحدهما للآخر : ما هذا بأفقه من بعيره قال : فكأنما ألقى علي جبل حتى أتيت عمر بن الخطاب فقلت له : يا أمير المؤمنين إني كنت رجلا أعرابيا نصرانيا ، وإني أسلمت وأنا حريص على الجهاد ، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي ، فأتيت رجلا من قومي ، فقال لي : اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي ، وإني أهللت بهما جميعا ، فقال عمر : هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم } ، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ، قال الدارقطني في كتاب العلل : هو حديث صحيح . قال البيهقي : ومقتضى هذا جواز القران لا تفضيله وقد أمر عمر بالإفراد .

( قلت ) : وهذا أود ما قلته منه في تأويل نهي عمر رضي الله تعالى عنه عن التمتع ، وأنه إنما نهى عنه لتفضيله أمر الإفراد لا لبطلان التمتع ، وعن أبي قتادة قال : " { إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة ; لأنه علم أنه ليس بجامع بعدها } رواه الدارقطني وعن حفصة قالت : { قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك ؟ قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أحل من الحج } رواه البخاري قال البيهقي : قال الشافعي : قولها من عمرتك أي من إحرامك ، قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أنحر ، أي حتى يحل الحاج ; لأن القضاء نزل عليه أنه من كان معه هدي جعل إحرامه حجا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث