الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الصلاة على النبي في التشهد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 318 ] مسألة : قال : ( ويتشهد بالتشهد الأول ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ) وجملته أنه إذا جلس في آخر صلاته فإنه يتشهد بالتشهد الذي ذكرناه ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الخرقي ، وهي واجبة في صحيح المذهب ، وهو قول الشافعي وإسحاق . وعن أحمد أنها غير واجبة . قال المروذي : قيل لأبي عبد الله . إن ابن راهويه يقول : لو أن رجلا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ، بطلت صلاته . قال : ما أجترئ أن أقول هذا . وقال في موضع : هذا شذوذ . وهذا يدل على أنه لم يوجبها .

وهذا قول مالك ، والثوري ، وأصحاب الرأي ، وأكثر أهل العلم . قال ابن المنذر : هو قول جل أهل العلم إلا الشافعي . وكان إسحاق يقول : لا يجزئه إذا ترك ذلك عامدا . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ; لأنني لا أجد الدلالة موجودة في إيجاب الإعادة عليه . واحتجوا بحديث ابن مسعود { : أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد ، ثم قال : إذا قلت هذا - أو قضيت هذا - فقد تمت صلاتك } . وفي لفظ : " وقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد " رواه أبو داود .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم { : إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع } . رواه مسلم . أمرنا بالاستعاذة عقيب التشهد من غير فصل . ولأن الصحابة كانوا يقولون في التشهد قولا ، فنقلهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التشهد وحده ، فدل على أنه لا يجب غيره ، ولأن الوجوب من الشرع ، ولم يرد بإيجابه .

وظاهر مذهب أحمد رحمه الله وجوبه ; فإن أبا زرعة الدمشقي نقل عن أحمد ، أنه قال : كنت أتهيب ذلك ، ثم تبينت ، فإذا الصلاة واجبة . فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا ; لما روى كعب بن عجرة ، قال : { إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا : يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وآل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد } . متفق عليه .

وروى الأثرم عن فضالة بن عبيد { سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجد ربه ، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عجل هذا . ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بعد بما شاء } . ولأن الصلاة عبادة شرط فيها ذكر الله تعالى بالشهادة ، فشرط ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كالأذان . فأما حديث ابن مسعود ، فقال الدارقطني : الزيادة فيه من كلام ابن مسعود .

( 756 ) فصل : وصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الخرقي ، لما روينا من حديث كعب بن عجرة ، وقد رواه النسائي كذلك ، إلا أنه قال : " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " ، و " كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " وفي رواية : " كما صليت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد " و " كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد " قال الترمذي : وهو حديث حسن صحيح . وفي رواية ابن مسعود : { كما صليت على إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ; في العالمين ، إنك حميد مجيد } . رواه مسلم .

وعن أبي حميد { ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ; وبارك على محمد وعلى [ ص: 319 ] أزواجه وذريته ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد } . رواه البخاري . والأولى أن يأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الصفة التي ذكر الخرقي . لأن ذلك في حديث كعب بن عجرة ، وهو أصح حديث روي فيها . وعلى أي صفة أتى بالصلاة عليه مما ورد في الأخبار ، جاز ، كقولنا في التشهد ، وظاهره أنه إذا أخل بلفظ ساقط في بعض الأخبار ، جاز ، لأنه لو كان واجبا لما أغفله النبي صلى الله عليه وسلم . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر كلام أحمد أن الصلاة واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حسب ; لقوله في خبر أبي زرعة : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمر ، من تركها أعاد الصلاة ، ولم يذكر الصلاة على آله .

وهذا مذهب الشافعي . ولهم في وجوب الصلاة على آله وجهان . وقال بعض أصحابنا : تجب الصلاة على الوجه الذي في خبر كعب ; لأنه أمر به ، والأمر يقتضي الوجوب . والأول أولى ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بهذا حين سألوه تعليمهم ، ولم يبتدئهم به .

( 757 ) فصل : آل النبي صلى الله عليه وسلم : أتباعه على دينه ، كما قال الله تعالى { أدخلوا آل فرعون } . يعني أتباعه من أهل دينه .

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم { ، أنه سئل : من آل محمد ؟ فقال : كل تقي } . أخرجه تمام في " فوائده " . وقيل آله : أهله ، الهاء منقلبة عن الهمزة ، كما يقال : أرقت الماء وهرقته . فلو قال : وعلى أهل محمد ، مكان آل محمد ، أجزأه عند القاضي ، وقال : معناهما واحد ، ولذلك لو صغر ، قيل : أهيل : قال . ومعناهما جميعا أهل دينه .

وقال ابن حامد وأبو حفص : لا يجزئ ; لما فيه من مخالفة لفظ الأثر ، وتغيير المعنى ، فإن الأهل إنما يعبر به عن القرابة ، والآل يعبر به عن الأتباع في الدين .

( 758 ) فصل : وأما تفسير التحيات ، فروي عن ابن عباس ، قال : التحية العظمة ، والصلوات الصلوات الخمس ، والطيبات الأعمال الصالحة . وقال أبو عمرو : التحيات الملك . وأنشد :

ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية

وقال بعض أهل اللغة : التحية البقاء . واستشهد بهذا البيت .

وقال ابن الأنباري : التحيات السلام ، والصلوات الرحمة ، والطيبات من الكلام .

( 759 ) فصل : والسنة إخفاء التشهد ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر به ، إذ لو جهر به لنقل كما نقلت القراءة . وقال عبد الله بن مسعود : من السنة إخفاء التشهد . رواه أبو داود . ولأنه ذكر غير القراءة لا ينتقل به من ركن إلى ركن ، فاستحب إخفاؤه ، كالتسبيح ، ولا نعلم في هذا خلافا .

[ ص: 320 ] فصل ( 760 ) : ولا يجوز لمن قدر على العربية التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها ; لما ذكرنا في التكبير . فإن عجز عن العربية تشهد بلسانه ، كقولنا في التكبير ، ويجيء على قول القاضي أن لا يتشهد ، وحكمه حكم الأخرس . ومن قدر على تعلم التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لزمه ذلك ; لأنه من فروض الأعيان ، فلزمه كالقراءة .

فإن صلى قبل تعلمه مع إمكانه ، لم تصح صلاته . وإن خاف فوات الوقت ، أو عجز عن تعلمه ، أتى بما يمكنه منه ، وأجزأه ; للضرورة . وإن لم يحسن شيئا بالكلية ، سقط كله .

( 761 ) فصل : والسنة ترتيب التشهد ، وتقديمه على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يفعل ، وأتى به منكسا من غير تغيير شيء من معانيه ، ولا إخلال بشيء من الواجب فيه ، ففيه وجهان : أحدهما يجزئه . ذكره القاضي . وهو مذهب الشافعي ; لأن المقصود المعنى ، وقد حصل ، فصح كما لو رتبه . والثاني لا يصح ; لأنه أخل بالترتيب في ذكر ورد الشرع به مرتبا ، فلم يصح كالأذان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث