الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 251 ] قال أبو محمد - رضي الله عنه : نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق نا ابن الأعرابي نا أبو داود نا القعنبي نا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن سعد - هو ابن سعيد - عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { كسر عظم الميت ككسره حيا } .

قال أبو محمد رحمه الله : هذا لا يسند إلا من طريق سعد بن سعيد الأنصاري أخي يحيى بن سعيد - وهم ثلاثة إخوة : يحيى بن سعيد إمام ثقة ، وعبد ربه بن سعيد لا بأس به وليس بالهنالك في الإمامة ، وسعد بن سعيد وهو ضعيف جدا لا يحتج به - لا خلاف في ذلك ، فبطل أن يتعلق بهذا الحديث ، ولو صح لقلنا به في كسر العظم خاصة ، ولما كان لقول من قال : إن هذا في الحرمة معنى ; لأنه كان يكون دعوى بلا دليل ، وتخصيصا بلا برهان .

قال أبو محمد رحمه الله : فمن جرح ميتا ، أو كسر عظمه ، أو أحرقه ، فلا شيء عليه في ذلك - أما القتل فلا شك فيه ; لأنه ليس قاتلا - وأما الجرح والكسر ، فلو وجد فيه خلاف لوجب القصاص ; لأنه عدوان - وإن صح الإجماع في أن لا قود في ذلك وجب الوقوف عند الإجماع ، وإلا فقد قال تعالى { والجروح قصاص } وهذا جرح وجارح .

وقال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، وقال تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ، وهذا الفعل بالميت سيئة واعتداء ، فالقصاص واجب في ذلك إلا أن يمنع منه إجماع .

فإن قيل : إن الله تعالى قال { والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له } وقال تعالى { وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله } فدل هذا على أن ذلك كله للحي ؟ [ ص: 252 ] قلنا ، وبالله تعالى التوفيق : هذا لا حجة لكم فيه لوجهين : أحدهما - : أن الأمر بالقصاص والاعتداء عموم ، ثم قد يخص بالعفو والصدقة بعض المعتدى عليهم دون بعض .

والوجه الثاني - أنه تعالى لم يمنع بقوله تعالى الصادق { فمن تصدق به فهو كفارة له } ولا بقوله الصادق { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } من أن يكون القصاص واجبا لمن لا عفو له ولا صدقة ، كالمجنون والصبي ، فيكون الميت داخلا في هذا العموم .

ووجه ثالث - وهو : أن الله تعالى قال { فمن عفا وأصلح } وقال تعالى { فمن تصدق به } ولم يقل تعالى فإن تصدق المجروح وحده ، ولا قال فمن عفا من الذين العفو إليهم خاصة ، ولكن أجمل - عز وجل - الأمر ، فجائز عفو المجني عليه وصدقته إذا كان ممن له عفو وصدقة ، وجائز عفو الولي إذا بطل أن يكون للمجني عليه عفو ويئس من ذلك ؟ وأكثر الحاضرين من خصومنا يرون القطع على من سرق من ميت كفنه - وبه نأخذ ، وعلى من قذف ميتا .

ومن الناس من يرى الحد على من زنى بميتة ، فإن من فرق بين ما رأوه من ذلك وبين القود له من الجرح والكسر - وليس هذا قياسا ; لأنه ليس بعض ذلك أصلا لبعض ، بل كله باب واحد ، من عمل عملا جاء النص بإيجاب حكم على عامل ذلك العمل ، فواجب إنفاذ ذلك الحكم على من عمل ذلك العمل ؟ .

قال أبو محمد رحمه الله : وهذا قول يؤيده النظر ، ويشهد له القرآن والسنن بالصحة ، وما نعلم هاهنا قولا لأحد من الصحابة - رضي الله عنهم - يمنع منه ، فكيف أن يصح الإجماع من جميعهم على المنع منه ؟ هذا أمر لا سبيل إلى وجوده أبدا ، ولو كان حقا لوجد بلا شك ، ولما اختفى ، فالواجب المصير إلى ما أوجبه القرآن والسنة - وإن لم يعلم قائل بذلك - إذا لم يصح إجماع متيقن بتخصيص النص ، أو بنسخه - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث