الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الخروج من منى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( قال ) وإذا [ ص: 60 ] وقف الحاج بعرفة ثم أهل وهو واقف بحجة أخرى فإنه يرفضها ، وعليه دم لرفضها ، وحجة وعمرة مكانها ، ويمضي في التي هو فيها ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى فأما عند محمد فإحرامه باطل بمنزلة اختلافهم فيمن أحرم بحجتين على ما نبينه ، وإنما يرفضها ; لأنه لو لم يرفضها ، ووقف لها لبقاء وقت الوقوف يصير مؤديا حجتين في سنة واحدة ، ولا يجوز أن يؤدي في سنة أكثر من حجة واحدة ، وإذا رفضها فعليه الدم لرفضها ; لأنه خرج من الإحرام بعد صحة الشروع قبل أداء الأفعال فلزمه الدم كالمحصر ، وعليه قضاء حجة وعمرة مكانها بمنزلة المحصر بالحج إذا تحلل ، وهذا ; لأنه في معنى فائت الحج ، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة ، وهذا لم يأت بأعمال العمرة فكان عليه قضاؤها مع قضاء الحج .

( قال ) وكذلك إن أهل بعمرة أيضا يرفضها ; لأن وقوفه لو طرأ على عمرة صحيحة أوجب رفضها على ما بينا في القارن إذا وقف قبل أن يطوف لعمرته فكذلك إذا اقترن بوقوفه إحرام العمرة ، وهذا ; لأنه لو لم يرفضها أدى أفعالها فيكون بانيا أعمال العمرة على أعمال الحج فلهذا يرفضها ، وعليه دم ، وقضاؤها لخروجه منها بعد صحة الشروع .

( قال ) وكذلك لو كان أهل بالحج ليلة المزدلفة بالمزدلفة فهو رافض ساعة أهل ; لأنه لو لم يرفضها عاد إلى عرفات فوقف فيصير مؤديا حجتين في سنة واحدة ، وهذا بخلاف ما إذا أهل بحجتين فإن هناك إذا عجل في عمل أحدهما لا يصير رافضا للآخر ، وهنا هو مشغول بعمل أحدهما بل هو مؤد له فلهذا يرتفض الآخر في الحال فكذلك إن أهل بعمرة ليلة المزدلفة فهو رافض لها .

وفي الكتاب أضاف هذا القول إلى أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وأبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يخالفهما في هذا لما قلنا أنه لو لم يصر رافضا كان بانيا أعمال العمرة على أعمال الحج فأما إذا أهل بحجة أخرى بعد طلوع الفجر من يوم النحر لم يرفضها ; لأن وقت الوقوف قد فات فلو بقي إحرامه هذا لا يكون مؤديا حجتين في سنة واحدة ، ولكنه يتم أعمال الحجة الأولى ، ويمكث حراما إلى أن يحج في السنة الثانية إلا أنه إن حلق للحجة الأولى يلزمه دم لجنايته على الإحرام الثاني بذلك الحلق ، وإن لم يحلق فعليه الدم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أيضا لتأخير الحلق في الحجة الأولى عن وقته وعندهما بهذا التأخير لا يلزمه دم ، وأصل المسألة أن من أحرم بالحج قبل أشهر الحج يكون محرما بالحج عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يكون محرما بالعمرة ، وهكذا روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى .

وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة عندنا ، وقال [ ص: 61 ] مالك رحمه الله تعالى جميع ذي الحجة استدلالا بقوله تعالى { الحج أشهر معلومات } ، وأقل الجمع المتفق عليه ثلاثة ، ولكنا نستدل بقول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم عنهم أن أشهر الحج شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة فأقاموا أكثر الثلاثة مقام الكمال في معنى الآية لمعنى هو أن بالاتفاق يفوت الحج بطلوع الفجر من يوم النحر ، وفوات العبادة يكون بمضي وقتها فأما مع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات ، ولهذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى إن من ذي الحجة عشر ليال ، وتسعة أيام فأما اليوم العاشر ليس بوقت الحج ; لأن الفوات يتحقق بطلوع الفجر من اليوم العاشر ، وهو يوم النحر ، وفي ظاهر المذهب اليوم العاشر من وقت الحج ; لأن الصحابة رضي الله عنهم قالوا وعشر من ذي الحجة ، وذكر أحد العددين من الأيام ، والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول ما بإزائه من العدد الآخر ، ولأن الله تعالى سمى هذا اليوم يوم الحج الأكبر قال الله تعالى { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } ، والمراد يوم النحر لا وقت الحج لأداء الطواف فيه دون الوقوف فلهذا يتحقق الفوات بطلوع الفجر منه لفوات ركن الوقوف .

( فأما ) الشافعي رحمه الله تعالى احتج بقوله صلى الله عليه وسلم { المهل بالحج في غير أشهر الحج مهل بالعمرة } ، ولأن الإحرام بالحج كالتكبير للصلاة فكما لا يجوز الشروع في الفريضة قبل دخول وقت الصلاة في الصلاة فكذلك في الحج ، والإحرام أحد أركان الحج فلا يتأدى في غير وقت الحج كسائر الأركان ، وإذا لم يصح إحرامه بالحج كان محرما بالعمرة ; لأن الوقت وقت العمرة ألا ترى أنه لو فات حجه بمضي الوقت يبقى إحرامه للعمرة فكذلك إذا حصل ابتداء إحرامه في غير أشهر الحج .

( ولنا ) أن الإحرام للحج بمنزلة الطهارة للصلاة فإنه من الشرائط لا من الأركان حتى يكون مستداما إلى الفراغ منه ، وهذا حد شرط العبادة لا حد ركن العبادة ، ولأنه لا يتصل به أداء الأفعال فالإحرام يكون عند الميقات ، وأداء الأفعال بمكة ، ولو أحرم في أول يوم من أشهر الحج يصح ، وأداء الأفعال بعد ذلك بزمان فعرفنا أنه بمنزلة الشرط فلا يستدعي صحة الوقت بخلاف الصلاة فإن أداء الأركان هناك يتصل بالتكبير فإذا حصل قبل دخول الوقت لا يتصل أداء الأركان به ، والحديث في الباب شاذ جدا فلا يعتمد على مثله ، ولكن يكره له أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج ; من أصحابنا رحمهم الله تعالى من يقول الكراهة لمعنى أن الإحرام من وجه بمنزلة الأركان ، ولهذا لو حصل [ ص: 62 ] قبل العتق لا يتأدى به فرض الحج بعد العتق ، وما تردد بين أصلين يوفر حظه عليهما فلشبهه بالشرائط يجوز قبل الوقت ، ولشبهه بالأركان يكون مكروها ، وقيل بل الكراهة ; لأنه لا يأمن من مواقعة المحظور إذا طال مكثه في الإحرام

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث