الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

، وأما حكم المسألة الثانية في كلام المصنف ، وهو بيان ميقات الإحرام للعمرة لمن حج فظاهر ما ذكره المصنف فيها مخالف لنصوص المذهب منها نص المدونة المتقدم حيث قال : وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا الحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي إلى آخر كلامه قال ابن فرحون في مناسكه : وهذه الكراهة للحاج على المنع ، وقال ابن رشد في رسم حلف ابن الحاجب قال ابن القاسم في كتاب الحج إثر كلامه المتقدم ، أما من حج فلا يجوز له أن يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق ، فإن أهل بعمرة في آخر أيام التشريق قبل أن تغيب الشمس بعد أن رمى وأفاض وأحل من إحرامه الأول لزمه الإحرام قاله في كتاب الحج الأول من المدونة قال في كتاب ابن المواز : ولا يعمل من أعمال العمرة شيئا حتى تغيب الشمس ، فإن عمل فعمله باطل ، وهو على إحرامه ، والأصل في [ ص: 24 ] ذلك حديث عائشة رضي الله عنها حين أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء عمرتها بعد قضاء حجها انتهى .

ويعني بقضاء عمرتها أن صورتها صورة القضاء لا أنها قضاء حقيقة ; إذ لا يلزمها ذلك ، والله أعلم .

، وظاهر كلام ابن رشد وابن فرحون أن المنع شامل لما قبل غروب الرابع ، ولو رمى له ، وهو أيضا ظاهر ما نقله المصنف في التوضيح عن ابن هارون نعم في كلام صاحب الطراز أن المنع بعد رمي الرابع على الكراهة أن كل حجة بتحليلة ، وسواء في ذلك من تعجل ، ومن لم يتعجل ، وذلك : أنه قال في شرح قوله في المدونة : إن من أحرم بعمرة في أيام التشريق لا يلزمه إلا أن يكون أحرم في آخر أيام التشريق بعد ما رمى الجمار ، وحل من إفاضته ، فإن ذلك يلزمه ما نصه ، وجملة ذلك : أن أفعال الحج تنافي العمرة ، ووقت الفعل ملحق بالفعل ، فإذا سقط الفعل وبقي الوقت ، فإن كان وقتا لما يكون من فعل الحج فما بعد امتنع معه فعل العمرة وإحرام العمرة ; لأن صورة الفعل تركت تخفيفا وبقي حكمه فما عدا الرخصة في ذلك قائما ، وذلك كمن تعجل في يومين ، ولو أن المتعجل أحرم بعمرة بعد أن حل وخرج وتم عمله لم يلزمه الإحرام أحرم ليلا أو نهارا ، ولا قضاء عليه أما إذا سقط الفعل بتوقيته ، وبقي الوقت المتسع له فهاهنا لا يمتنع عنده انعقاد الإحرام بالعمرة ، وإن كره له ابتداء إلا أنه يمتنع من فعلها حتى يخرج وقت الحج قال محمد : فإن جهل فأحرم في آخر أيام الرمي قبل غروب الشمس ، وقد كان تعجل في يومين أو لم يتعجل ، وقد رمى في يوميه ، فإن إحرامه يلزمه ، ولكن لا يحل حتى تغيب الشمس ، وإحلاله قبل ذلك باطل يريد أنه لا يطوف حتى تغرب الشمس انتهى .

وقوله : ووقت الفعل ملحق بالفعل على ما بينا يشير به إلى ما قاله في تعليل كون المتعجل لا يحرم بالعمرة إلا بعد غروب الرابع عند مالك خلافا لغيره ، ونصه : راعى مالك وقت الرمي ووقته إلى آخر أيام التشريق ; لأنه لا دم على من أخر رمي الثالث إلى قبل الغروب ، وللوقت تأثير في المنع ; لأن من اعتمر قبل الزوال في أيام الرمي لا تشغله عمرته عن فعل الرمي في وقته إذ وقته قبل الزوال ، فلو كان المنع لمجرد فعل الرمي لاختص بوقت فعله ولما منع من العمرة في غير وقت الرمي كان للزمان تأثير في المنع في حق الحاج انتهى .

فعلم من كلامه أن المنع منها بعد رمي الرابع إنما هو على الكراهة وعلم مما نقله في الطراز عن الموازية أن المتعجل أيضا يمنع من الإحرام بالعمرة ، ولا ينعقد إحرامه بها إلا بعد دخول وقت رمي الرابع ، وفي شرح الجلاب للتلمساني ما يدل على ذلك ونحوه للشبيبي في شرح الرسالة في آخر كتاب الحج ونص كلام الشبيبي وجميع السنة لها وقت إلا أيام منى لمن حج ، فإذا غربت الشمس من آخر أيام التشريق جاز الإحرام بها ، فإن أحرم قبل الزوال من آخر أيام التشريق لم ينعقد إحرامه ، ولا قضاء عليه ، وإن أحرم بعد الزوال وقبل الغروب انعقد إحرامه وأخر السعي والطواف إلى الغروب ، فإن فعلها أو شيئا منها قبل الغروب لزمه إعادته بعد الغروب انتهى .

وقال المصنف في مناسكه : وأما الزماني ففي جميع أيام السنة ، وفي يوم النحر وأيام التشريق إلا أن يحرم بالحج فيمتنع عليه الإحرام بها من حين إحرامه إلى آخر أيام التشريق ، ولا يعتمر حتى يفرغ من حجه ، ولو نفر في اليوم الأول لم ينعقد إحرامه بها ، وكذلك لا ينعقد إذا أحرم بها قبل رميه لليوم الثالث ، ولا يلزمه أداؤها ، ولا قضاؤها فيكره له أن يحرم بعد رميه وقبل غروب الشمس من آخر أيام التشريق ، وإن أحرم حينئذ لزمه الإحرام بها ومضى فيها حتى يتمها بشرط أن يكون طاف للإفاضة ، وعلى هذا فلا تنعقد إلا بشرطين أن يرمي لليوم الثالث وأن يطوف للإفاضة ، وإذا أحرم بها حينئذ فلا يفعل منها فعلا إلا بعد الغروب ، ولو طاف وسعى فهما كالعدم انتهى .

ونحوه في التوضيح إذا علم ذلك [ ص: 25 ] فنرجع إلى كلام المصنف في مختصره فنقول : ظاهره بل صريحه أن من أحرم بالحج يمتنع منه الإحرام بالعمرة ، ولا ينعقد إلى أن يتحلل من الحج بتحلليه الأصغر والأكبر ، وهما رمي جمرة العقبة ، وطواف الإفاضة ، والسعي بعده إن كان لم يقدم السعي ، ثم بعدهما يكره له الإحرام بها وينعقد ، وهو ، وإن كان لم يذكر الانعقاد وعدمه في كلامه إلا أنه معناه ، وبه فسره شارحاه وشمل ذلك ما لو وقع منه التحللان في يوم النحر أو بعده ، وهو مخالف لما تقدم من نصوص المذهب في الوجهين كما قد علمت ، وكلامه في توضيحه ومناسكه في غاية الحسن ، والله أعلم .

( تنبيهات الأول : ) قال في النكت : قال بعض شيوخنا من أهل بلدنا : ويكون خارج الحرم حتى تغيب الشمس ، ولا يدخل الحرم ; لأن دخوله الحرم لسبب العمرة عمل لها ، وهو ممنوع من أن يعمل لها عملا حتى تغيب الشمس انتهى .

ونقله المصنف في توضيحه ومناسكه وصاحب الطراز وغيرهم وقبلوه ، وهو ظاهر وانظر لو دخل من الحل قبل الغروب ، ولم يعمل عملا إلا بعد الغروب والظاهر على بحثه أن دخوله لغو ويؤمر بالعود إلى الحل ليدخل منه بعد الغروب ، ولم أقف فيه على نص ، والله أعلم .

( الثاني : ) شمل قوله : إلا لمحرم بحج من كان محرما بقران ، والحكم في ذلك سواء بل لو أحرم بعمرة لم ينعقد إحرامه بعمرة أخرى حتى تكمل الأولى ، وقد صرح بذلك المصنف وسند في باب من أفسد حجه وغيرهما ، فلو قال المصنف : إلا لمحرم فلفراغه منه ودخول وقت رمي الرابع إن كان بحج ، وكره بعدهما وقبل غروب الرابع لوافق النقول وشمل جميع ما ذكرناه أو لو ترك ذكر ذلك هنا ، وقال إثر قوله : فيما يأتي وألغى عمرة عليه إلى فراغه منه ورمى الرابع وكره بعدهما وقبل غروب الرابع لكان صحيحا أيضا ، والله أعلم .

( الثالث : ) يستثنى منه قولهم : لا يصح الإحرام بالعمرة إلا بعد تمام أفعال الحج الحلاق ، فإنه لو بقي عليه الحلاق وأحرم بعمرة انعقد إحرامه ذكره عبد الحق ، ونقله عنه سند وسيأتي عند قول المصنف : وصح بعد سعي وحرم الحلق ، وكذلك لو أحرم بعمرة وأكملها ، ولم يبق منها إلا الحلاق ثم أحرم بأخرى انعقد إحرامه الثاني : كما سيأتي ، والله أعلم .

( الرابع : ) تقدم في كلام سند وغيره أن إحلاله قبل الغروب لا يفيد قال سند إثر كلامه المتقدم : قال محمد : فإن وطئ بعد ذلك الإحلال أفسد عمرته وليقضها بعد تمامها ويهد وخرج الباجي الكلام في ذلك على نزول المحصب هل هو من عمل الحج قال : فمن جعله من عمل الحج قال : يلزمه ألا يحرم بها قبل إتمامه انتهى .

ونقل كلام ابن المواز اللخمي وغيره ، وكلام الباجي - والله أعلم - راجع إلى أول الكلام في انعقاد الإحرام بعد رمي الرابع وقبل غروب الشمس منه ، وذلك : أنه وقع في كلام صاحب الإكمال ما نصه : وقت العمرة لغير الحاج السنة كلها ، وللحاج بعد أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق ونحوه للشافعي قال مالك وسواء تعجل أم لا ، فإن أحرم قبل ذلك بالعمرة ، وقد بقي عليه شيء من الرمي لم ينعقد إحرامه ، وإن لم يبق انعقد ، وظاهر المدونة : أنه لا ينعقد واختلف فيه قول مالك انتهى .

ونقله عنه ابن عرفة بعد ذكره كلام المدونة ، ونقله أيضا التادلي ، وذكره بعد كلام المدونة ، وفي ذكرهما كلام المدونة مع ما قال : إنه ظاهرها رد عليه ، والله أعلم .

( الخامس : ) لما ذكر ابن رشد كلام ابن المواز في وطئه بعد إحلاله قبل غروب الرابع ، قال : القياس إذا كان قد حل من إحرام الحج وانعقد إحرام العمرة أن يصح عملها انتهى .

من الرسم المتقدم ونحوه ما تقدم عن اللخمي ، والله أعلم .

( السادس : ) قال في النوادر ، ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج ، وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج انتهى .

، ونقله المصنف في مناسكه ويعني بذلك أن من قدم في أشهر الحج ، وهو صرورة فلا يتعين عليه أن يحرم بالحج بل يجوز له أن يعتمر ، أما [ ص: 26 ] إذا قدم قبل أشهر الحج فالمطلوب منه حينئذ الإحرام بالعمرة من غير خلاف ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث