الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع شرب مسكرا حتى غاب عقله اختيارا وفاته الوقوف بعرفة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وصلى ، ولو فات )

ش : يعني أن من جاء إلى عرفة فذكر صلاة منسية إن اشتغل بها فاته الوقوف بعرفة ، وإن ذهب للوقوف لم يمكنه فعل الصلاة فقال المصنف في التوضيح : المشهور من المذهب تقديم الصلاة لعظم أمرها في الشرع واستحقاقها للوقت بالذكر ، وقال محمد : إن كان قريبا من عرفة مضى إليها ووقف ، وإن كان بعيدا فيصلي ، وإن فاته الحج لحصول الشك في إدراك عرفة ، وقال ابن عبد الحكم : إن كان من أهل مكة ، وما حولها فيصلي ، وإن كان آفاقيا فيمضي لعرفة ، وقال اللخمي تقدم عرفة مطلقا لما في فوات الحج من المشاق ، وقال عبد الحميد : يصلي إيماء كالمسايف انتهى .

مختصرا ( تنبيهات الأول : ) لم أر من شهر القول بتقديم الصلاة مع فرض المسألة في منسية فاتته بل ، ولا من ذكره ، وإنما ذكره من فرض المسألة في الحاضرة ، كما سيأتي في التنبيه الثاني إلا ما يأتي في كلام بعض المتأخرين الذين جمعوا بين نقل المتقدمين ، ولم يذكر صاحب الطراز وابن يونس إلا قول ابن المواز وابن عبد الحكم مع أن عبارتهما محتملة لفرض المسألة في المنسية والحاضرة ولكن ظاهر عبارتهما أنها منسية ، ولفظهما سواء ونصه قال ابن المواز : من أتى قرب الفجر ، وقد نسي صلاة ، فلو صلاها لطلع الفجر وفاته الحج ، فإن كان قريبا من جبال عرفة وقف وصلى ، وإن كان بعيدا بدأ بالصلاة ، وإن فاته الحج ، وقال ابن عبد الحكم : إن كان من أهل مكة ، وما حولها بدأ بالصلاة ، وإن كان من أهل الآفاق مشى إلى عرفات فوقف وصلى انتهى .

، وذكر اللخمي هذين القولين واختار تقديم الوقوف مطلقا ، وكذلك صاحب الطراز وسيأتي لفظهما انتهى .

( فإن قلت : ) قد نقل القرافي في الذخيرة تقديم الصلاة مع أنه لم يصرح بفرض المسألة في الصلاة الحاضرة ( قلت : ) إذا تأملت كلامه في الذخيرة لم تجد فيه تعريضا للقول بتقديم الصلاة ، فإنه قال : ومن أتى قبل الفجر ، وعليه صلاة إن اشتغل بها طلع الفجر ثم ذكر قول ابن المواز وابن عبد الحكم واختيار اللخمي ثم قال : قاعدة المضيق في الشرع مقدم على ما وسع في تأخيره ، وما وسع فيه في زمان محصور كالصلاة مقدم على ما غياه بالعمر كالكفارات ، وما رتب على تاركه القتل على ما ليس كذلك فتقدم الصلاة على الحج إجماعا غير أن فضل الصلاة قد عرض هاهنا بالدخول في الحج ، وما في فواته من المشاق فأمكن أن يلاحظ ذلك انتهى .

( قلت : ) فليس في كلامه تعرض للقول بتقديم الصلاة ، وإنما ذكر أن الصلاة من حيث هي مقدمة على الحج إجماعا للأمور التي ذكرها فتأمله نعم ذكر في قواعده القول بتقديم الصلاة لكنه فرض المسألة في الصلاة الحاضرة ، كما سيأتي لفظه ، ولم يذكر ابن الحاجب إلا قولي ابن المواز وابن عبد الحكم ، وقول الشيخ عبد الحميد إنه يصلي إيماء كالمسايف ، وظاهر كلامه أنه فرض المسألة في الفائتة ، كما قال ابن عبد السلام والمصنف وغيرهما ، فإنه قال : فذكر صلاة ، وذكر ابن عرفة قولي ابن المواز وابن عبد الحكم والشيخ عبد الحميد واختيار اللخمي وفرض المسألة في المنسية ، ولم يذكر القول بتقديم الصلاة مع أنه قال في آخر كلامه : وفرضها ابن بشير في ذاكر العشاء ( الثاني : ) قال ابن عبد السلام : ظاهر كلام ابن الحاجب وغير واحد أنها صلاة منسية خرج وقتها الاختياري والضروري وفرض ابن بشير المسألة فيمن ذكر صلاة العشاء من تلك الليلة ثم قال : وحكى ابن بشير قولا آخر لم يسم قائله على عادته فيما يحكيه من الأقوال ، وهو تقديم الصلاة لعظم قدرها في الشرع ولاستحقاقها الوقت يعني أن الصلاة والحج ، وإن كان كل واحد منهما من أركان الإسلام إلا أن تقديم الصلاة على الحج معلوم قطعا ، فإذا رجح الجنس على الجنس وجب مثله في الشخص على الشخص ، أما قوله : ولاستحقاقها الوقت فهو جيد لكن على فرضه المسألة فيمن [ ص: 99 ] ذكر صلاة العشاء من تلك الليلة ، وأما على ما قلنا : إنه ظاهر كلام المؤلف وغيره أنها مفروضة في حق من تذكر فائتة قد خرج وقتها ففي استحقاقها هذا الوقت نظر ، وهو محل النزاع وبالجملة أن هذا القول وقول الشيخ عبد الحميد إنما يظهران على طريق ابن بشير في فرض المسألة ; إذ يبعد في حق المسايف المتذكر في تلك الحال منسية أن يصليها على حاله ، وإن كان الأمر بها على الفور ، وقد اختلف الناس في الوقتية في تلك الحال بما هو مذكور في غير هذا الموضع انتهى .

( قلت : ) ظاهر كلامه : أنه لم يقف على القول بتقديم الصلاة مع فرض المسألة في الصلاة الحاضرة إلا في كلام ابن بشير ، وقد ذكره ابن رشد والقرافي والشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل ، وقال : إنه المشهور قال ابن رشد في شرح المسألة السادسة من سماع موسى بن معاوية من كتاب الصلاة لما ذكر مسألة من انفلتت دابته ، وهو في الصلاة ، وكان في ضيق من الوقت قال : فإنه يتمادى في صلاته قال : وإن ذهبت دابته ما لم يكن في مفازة ، ويخاف على نفسه إن ترك دابته حتى يصلي على ما قالوا في الحاج يصل إلى عرفة قرب الفجر ، ولم يصل المغرب والعشاء ، وهو إن مضى إلى عرفات وترك الصلاة أدرك الوقوف ، وإن صلى فاته الوقوف والحج في ذلك العام وإنه يبدأ بالصلاة ، وإن فاته ; لأنه قد يلزمه من النفقة والمؤنة في الحج عاما قابلا أكثر من قيمة الدابة أضعافا ، وهذا على القول بأن الحج على التراخي ، أما على القول بأنه على الفور فهما فرضان ، وقد تزاحما في وقت واحد فالبداءة بالوقوف أولى ; لأن تأخير الصلاة التي يقضيها بالقرب أولى من تأخير الحج الذي لا يقضيه إلا إلى عام آخر ، ولعل المنية تخترمه دون ذلك انتهى .

كلام ابن رشد ، وقال القرافي في الفرق التاسع بعد المائة في بيان الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج ما نصه : وكذلك يقدم ركعة من العشاء على الحج إذا لم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء أو الوقوف قال أصحابنا يفوت الحج ويصلي وللشافعية أقوال : يقدم الحج لعظم المشقة ، وقيل : يصلي ، وهو يمشي كصلاة المسايفة ، والحق هو مذهب مالك - رحمه الله - أن الصلاة أفضل ، وهي فورية إجماعا انتهى .

وقبله ابن الشاط ، وقال الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل ، وقد اختلف علماؤنا في الحاج يأتي مراهقا ليلة النحر يريد أن يدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر ثم يذكر أنه لم يصل صلاة العشاء ، فإن اشتغل بالصلاة فات الوقوف ، وإن وقف خرج وقت العشاء على أربعة أقوال : قول يصلي ويفوت الحج والثاني : عكسه والثالث : يفرق بين أن يكون حجازيا فيقدم الصلاة أو آفاقيا فيقدم الوقوف والرابع : يصلي كصلاة المسايف والمشهور : الأول انتهى .

وحكى ابن بشير ثلاثة أقوال : القول بتقديم الصلاة ، وقول ابن عبد الحكم ، وقول الشيخ عبد الحميد واعترض عليه بما سيأتي ذكره إن شاء الله قريبا ، ولم يشهر شيئا منها إلا أنه قدم القول بتقديم الصلاة وفرض ابن معلى المسألة فيمن نسي صلاة ، وذكر قول ابن المواز وابن عبد الحكم وعبد الحميد ثم ذكر كلام القرافي في قواعده ، وفي هذا تخليط ; لأن القرافي إنما قاله في الصلاة الحاضرة ، وكذلك التادلي ذكر كلام الذخيرة أولا ثم ذكر كلام ابن بشير والتحرير ما ذكرناه فتأمله ( الثالث : ) إذا علمت ذلك فلا ينبغي أن يحمل قول المصنف : وصلى ، ولو فات على ظاهره ، وأنه يقدم الصلاة على الحج مطلقا ، ولو كانت منسية خرج وقتها على الحج ، كما قد يتبادر من كلام الشارح ; لأن هذا القول لم نقف عليه بل الكلام في تقديم الصلاة إذا كانت حاضرة فقد اختار اللخمي تقديم الوقوف مطلقا ، وقال صاحب الطراز : الوجه عندي : أن يشتغل بالحج ; لأنه قد تعين بالإحرام ، وهو يفوت فعله ، والصلاة وقت قضائها متسع ، ولو كانت صلاة تلك الليلة لم يبعد أن يقول : الحج المتعين أولى به ، ألا ترى أنه يؤخر [ ص: 100 ] المغرب ويعجل العصر مع الإمكان إظهارا لمزيته وتنبيها على رتبته دون رتبة الصلاة ولما في قضائه من كبير المضرة حتى راعى ذلك جمهور العلماء إذا غم الهلال فوقف الناس يوم النحر وقالوا يجزيهم ، وإن لم يكن يوم عرفة انتهى .

وتقدم في كلام ابن رشد أنه إنما تقدم الصلاة على القول بالتراخي ، وأما على القول بالفور فهما فرضان تزاحما في وقت واحد إلى آخر كلامه ( قلت : ) وقوله : إنهما فرضان تزاحما ظاهر وقوله : إن ذلك إنما يأتي على القول بالفور غير ظاهر ; لأن الفور والتراخي إنما ينظر فيه قبل الدخول في الإحرام أما بعد الدخول في الإحرام فقد صار إتمامه فرضا على الفور إجماعا بل لو كان تطوعا وجب عليه إتمامه على الفور ، ولو أفسده وجب قضاؤه على الفور فالوقت مستحق للحج ، والصلاة معا ، وقول ابن بشير في توجيه تقديم الصلاة ولاستحقاقها الوقت ، وقول ابن عبد السلام إنه جيد على فرض المسألة في الحاضرة غير مسلم أيضا لما ذكرنا .

وقول القرافي المضيق في الشرع مقدم على ما وسع فيه ، والموسع فيه في زمان محصور كالصلاة مقدم على ما غياه بالعمر كالكفارات ، وما رتب على تاركه القتل مقدم على ما ليس كذلك ليس في الصلاة في الصورة المفروضة ما يقتضي تقديمها على الحج إلا كونها ترتب على تاركها القتل ، وأما ما قبل ذلك ، فإن الحج يشاركها فيه ; لأنه قد استحق ذلك الوقت وصار مضيقا بحيث لا يجوز فيه الاشتغال بغيره ، والصلاة الحاضرة تشاركه في ذلك لكن يترجح تقديم الحج بأن الشرع يراعي ارتكاب أخف الضررين ، وبأن ما يترتب في الذمة ، ولا يمكن الخلاص منه إلا بعذر من بعيد ينبغي أن يقدم على ما يمكن قضاؤه بسرعة ، كما قاله ابن رشد ويرجح أيضا تقديم الحج أن القرافي قرر في الفرق المذكور أن صون الأموال يقدم على العبادات فيقدم صون المال في شراء الماء للوضوء والغسل إذا رفع في ثمنه على العادة على فعلهما ، ويقدم إسقاط وجوب الحج إذا خيف على النفس أو المال على إيجاب فعله ، ولا شك أن في تفويته إتلافا للمال المصروف في القضاء ، وفي الخوف على النفس ، كما سيأتي في كلام ابن عبد السلام في التنبيه الذي بعد هذا .

وهو الذي يؤخذ من كلام المتقدمين ، فإن كلام ابن المواز وابن عبد الحكم الذي نقله صاحب النوادر وابن يونس شامل للفائتة والحاضرة ، وكل واحد منهما قدم الحج عند تحقق المزاحمة ووجود الضرورة أعني المشقة المترتبة على القضاء ، ورأى ابن المواز أن مع البعد لا تتحقق المزاحمة لحصول الشك في الإدراك ، ورأى ابن عبد الحكم أن المرجح إنما هي الضرورة ، وهي إنما تحقق في الآفاقي ، وغيره يرجح التقديم بغيرها مما تقدم ذكره من براءة الذمة وبوجود مطلق الضرورة فتأمله ، والله أعلم .

( الرابع : ) اعترض ابن بشير على الشيخ عبد الحميد في قوله : تصلي كصلاة المسايف بأنه قياس مع عدم تحقق وجود الجامع ; لأن المشقة في الأصل خوف إتلاف النفس ، وفي الفرع خوف إتلاف المال وبأنه قياس على الرخص ، وأجاب ابن عبد السلام عن الأول بأن الأسفار الشاقة مع بعد المسافة يخشى معها على النفس مع ضميمة إتلاف المال ففي الفرع ما في الأصل وزيادة فيعود إلى قياس الأحرى ، وعن الثاني : بأن القياس على الرخص المختلف في قبوله إنما هو إذا كان الأصل المقيس عليه منصوصا عليه في الشريعة أما إذا كان اجتهاديا فلا نسلم انتهى .

( قلت : ) .

وذكر ابن عرفة اعتراض ابن بشير ، ولم يرده ، ولا ذكر أنها تصلى عند الخوف على المال ، ولا ذكر كلام ابن عبد السلام ، وهذا تسليم منهم أن صلاة المسايفة إنما تصلى عند الخوف على النفس ، والذي يفهم من كلامهم في كتاب الصلاة أنها تصلى عند الخوف على المال ; لأنهم قالوا : إنها تصلى عند الخوف من اللصوص ، واللص إنما يطلب [ ص: 101 ] المال غالبا ، والله أعلم .

( الخامس : ) تقدم أن اللخمي قال : يقدم الحج ، ولا بأس بذكر كلامه ، كما تقدم الوعد به للتنبيه على ما فيه قال بعد أن ذكر قولي ابن المواز وابن عبد الحكم : وأرى إن ذكر ، وقد دخل أوائل عرفة بدأ بالصلاة وأجزأه عن الوقوف على القول بإجزاء المرور ، وعلى مقابله يختلف بأي ذلك يبدأ .

وأرى أن يبدأ بالوقوف ; لأنه قد تزاحم الفرضان فيبدأ بما يدركه بتأخيره ضرر ، وهو الحج ولأنه قادر على أن يأتي بها بفور الوقوف فكان ذلك أولى من تأخيره قربة لا يقدر على أن يوفي بها إلا لعام ، ومثله لو ذكر الصلاة قبل أن يبلغ ، وكان متى اشتغل بها فاته الوقوف ، فإنه يتمادى ، ويقف ثم يقضي الصلاة ، وعلى القول الآخر يعني القول بإجزاء المرور يتمادى ، فإذا دخل أول عرفة صلى وأجزأه عن الوقوف انتهى .

أكثره باللفظ ( قلت : ) وكلامه يقتضي أنه لا يحصل الوقوف بمكثه بعرفة في الصلاة إلا على القول بإجزاء المرور ، وليس ذلك بظاهر لما تقدم في كلام صاحب الطراز وابن فرحون وغيرهما أن المراد بالوقوف السكون بعرفة والاستقرار على أي حالة ما عدا المرور ، فإنه هو المختلف فيه ، وقال ابن عبد السلام بعد أن ذكر كلام اللخمي : وعندي أنه لا يبعد في حق هذا أن يصلي وينوي مع الصلاة هناك الوقوف ، فيسقط الفرضان معا بفعل الصلاة المستلزم للوقوف بعرفة انتهى .

( قلت : ) وهذا ظاهر لا ينبغي أن يشك فيه أعني كون الوقوف يحصل بمكثه في الصلاة ; إذ لا يشترط في الوقوف عدم تحريك الأعضاء ، وإنما يشترط الاستقرار في محل واحد ، وعدم المشي عند من يقول بعدم إجزاء المرور ، وهو خلاف ما رجحه المصنف

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث