الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسح بعض الأعضاء بما تبقى من ماء في اللحية أو غيرها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( ونية رفع الحدث عند وجهه أو الفرض أو استباحة ممنوع )

ش : هذه هي الفريضة السابعة وكان حقها التقديم كما فعل ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما وإنما أخرها المصنف لطول الكلام عليها والمذهب أنها فرض في الوضوء ، قال ابن رشد في المقدمات وابن حارث : اتفاقا ، وقال المازري : على الأشهر ، وقال ابن الحاجب : على الأصح ، قال في التوضيح لقوله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } وقوله عليه الصلاة والسلام { إنما الأعمال بالنيات } خرجه البخاري ومسلم انتهى . قال الشيخ تقي الدين : وآخر الحديث أيضا نص في وجوبها من أوله وهو قوله : { فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه } واستدل أيضا بقوله تعالى { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } لأنه وجه الاستدلال وأن الله تعالى أمر بالوضوء لأجل الصلاة ، ولا معنى للنية إلا فعل أمر لأجل فعل أمر آخر ، وبقوله صلى الله عليه وسلم { الطهور شطر الإيمان } والشطر هنا النصف ، ولا خلاف في وجوبها في الإيمان ، وإذا وجبت في الكل وجبت في الشطر ومقابل الأشهر ، والأصح رواية الوليد بن مسلم عن مالك بعدم الوجوب حكاها ابن المنذر والمازري نصا في الوضوء قال المازري وابن بشير : ويتخرج في الغسل ، قال في التوضيح : وفي التخريج نظر ; لأن التعبد في الغسل أقوى انتهى . ومنشأ الخلاف أن في الطهارة شائبتين فمن حيث إن المطلوب منها النظافة تشبه ما صورته كافية في تحصيل المقصود منه كأداء الديون فلا يفتقر إلى نية ، ومن حيث ما شرط فيها من التحديد في الغسلات والمغسول والماء أشبهت التعبد فافتقرت إلى النية وقال ابن فرحون : واعترض على ابن الحاجب في قوله على الأصح ; لأنه يقتضي أن مقابله صحيح وهذا القول شاذ في غاية الضعف فكان ينبغي أن يقول على المشهور ، وأجيب بأنه قد يطلق الأصح على المشهور .

( تنبيه ) الكلام على النية طويل متشعب وقد صنف القرافي رحمه الله كتابا يتعلق بها سماه الأمنية في إدراك النية وهو كتاب حسن مشتمل على فوائد وقد أشبع الكلام عليها في الذخيرة أيضا في باب الوضوء وجعل كتابه المذكور مشتملا على عشرة أبواب : الأول : في حقيقة النية ، الثاني : في محلها من المكلف ، الثالث : في دليل وجوبها ، الرابع : في حكمة إيجابها ، الخامس : فيما يفتقر إلى النية ، السادس : في شروطها ، السابع : في أقسام النية ، الثامن : في أقسام المنوي ، التاسع : في معنى قول الفقهاء المتطهر ينوي رفع الحدث ، العاشر : في معنى قولهم النية تقبل الرفض . وقال في الذخيرة يتعلق بها تسعة أبحاث فذكر التسعة المذكورة وتكلم على العاشر أعني الرفض في السابع أعني بيان أقسامها ، وقال ابن راشد في شرح ابن الحاجب : النظر في النية في عشرة أبحاث فذكر من العشرة التي ذكرها القرافي ثمانية وترك الثامن والتاسع وجعل بدلهما بيان محلها من الفعل وبيان كيفية تعلقها ، وزاد في العاشر بيان عزوبها أيضا ، فأما بيان محلها من الفعل فذكره القرافي في شروط النية ، وأما كيفية تعلقها فأشار إليه في بيان حكم مشروعيتها ، وأما عزوبها فذكره في أقسامها ، فتكون الأبحاث المتعلقة بالنية عشرة كما قال القرافي ونحن نتكلم عليها على سبيل الاختصار .

( الأول ) في حقيقتها قال النووي : هي القصد إلى الشيء والعزيمة على فعله ومنه قول الجاهلية نواك الله بحفظه أي قصدك وقال القرافي في الذخيرة : هي قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله فهي من باب العزم والإرادات لا من باب العلوم والاعتقادات ، والفرق بينها وبين الإرادة المطلقة أن الإرادة قد تتعلق بفعل الغير بخلافها كما يريد معرفة الله جل جلاله وتسمى شهوة ولا [ ص: 231 ] تسمى نية ، والفرق بينها وبين العزم أن العزم تصميم على إيقاع الفعل والنية تمييز له فهي أخفض منه رتبة وسابقة عليه ، وقال في كتاب الأمنية : هي إرادة تتعلق بإمالة الفعل إلى بعض ما يقبله لا بنفس الفعل من حيث هو فعل . ففرق بين قصدنا لفعل الصلاة وبين قصدنا لكون ذلك قربة أو فرضا أو أداء فالصفة المتعلقة بالإيجاب والكسب تسمي إرادة ، والصفة المتعلقة بإمالة ذلك الفعل إلى بعض ما يقبله تسمى نية ، وتفارق النية الإرادة من وجه آخر وهو أن النية لا تتعلق إلا بفعل الناوي ، والإرادة تتعلق بفعل الغير كما نريد مغفرة الله تعالى وإحسانه وليست فعلنا انتهى . مختصرا وعرفها ابن رشد بأنها صفة تتعلق بإمالة فعل الإنسان نفسه إلى بعض ما يقبله .

( الثاني ) في بيان محلها من المكلف قال في التوضيح : ومحل النية القلب ، قال المازري : أكثر المتشرعين وأقل الفلاسفة على أن النية في القلب ، وأقل المتشرعين وأكثر الفلاسفة على أنها في الدماغ . وروي عن عبد الملك في كتاب الجنايات أن العقل في الدماغ وقال في الذخيرة : محلها القلب ; لأنه محل العقل والعلم والإرادة والميل والنفرة والاعتقاد ، وعن عبد الملك أن العقل في الدماغ فيلزم عليه أن النية في الدماغ ; لأن هذه الأعراض كلها أعراض النفس والعقل فحيث وجدت النفس وجد الجميع قائما بها ، فالعقل سجينها والعلوم والإرادات صفاتها ويدل على قول مالك رحمه الله تعالى قوله تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } { ما كذب الفؤاد ما رأى } { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } { ختم الله على قلوبهم } ولم يضف شيئا من هذه إلى الدماغ ، وكذلك قول المازري أكثر المتشرعين إلى آخر ما نقله عنه عياض وفهم من كلام القرافي أن القول الأول قول مالك وقال في كتاب الأمنية : قال المازري في شرح التلقين : أكثر الفقهاء وأقل الفلاسفة على أن العقل في القلب ، وأكثر الفلاسفة وأقل الفقهاء على أنه في الدماغ محتجين بأنه إذا أصيب الدماغ فسد العقل وبطلت العلوم والفكر وأحوال النفس .

وأجيب بأن استقامة الدماغ لعلها شرط والشيء يفسد لفساد شرطه ومع الاحتمال فلا جزم بل النصوص واردة بأن ذلك في القلب وذكر الآيات ثم قال : وإذا تقرر أن العقل في القلب لزم على أصولنا أن النفس في القلب ; لأن جميع ما ينسب للعقل من الفكر والعلوم صفات للنفس فتكون النفس في القلب عملا بظاهر النصوص ، وقد قال بعض العلماء : إن النفس هي الروح وهي العقل تسمى نفسا باعتبار ميلها إلى الملاذ والشهوات وروحا باعتبار تعلقها بالجسد تعلق التدبير بإذن الله تعالى وعقلا باعتبار كونها محصلة للعلوم فصار لها ثلاثة أسماء باعتبار ثلاثة أحوال والموصوف واحد ، وإذا كانت النفس في القلب كانت النية وأنواع العلوم وجميع أحوال النفس في القلب ، والعبارة التي ذكرها في كتاب الأمنية عن المازري لم أرها في شرح التلقين في الكلام على النية وإنما رأيت العبارة التي ذكرها المصنف في التوضيح ونقلها في الذخيرة ولعل العبارة الأخرى ذكرها المازري في غير هذا الموضع وزاد المازري بعد ذكره القولين : وهذا أمر لا مدخل للعقل فيه وإنما طريقه السمع وظواهر السمع تدل على صحة القول الأول . وذكر ابن رشد نحو ما تقدم ثم قال : والتحقيق أن الجسم قالب للنفس هي فيه كالسيف في الغمد وكالسلطان الجالس بقبته ، والقلب سرير والدماغ كرسيه ، وجعل الله تعالى في الرأس عشر حواس : خمسا ظاهرة : العين والأذن والشم والذوق واللمس ويشاركه في هذا سائر البدن ، وخمسا باطنة : هي الحس المشترك ومركزه مقدم الدماغ ، والقوة المصورة وهي أعلى منه ، والقوة الخيالية وهي في وسط الدماغ ، والقوة الحافظة في مؤخر الدماغ ، والقوة الوهمية أعلى منها . [ ص: 232 ] والحواس الظاهرة توصل للباطنة وهي توصل للنفس والمحرك للحواس هو القلب اللحماني والنفس والروح بمعنى .

( تنبيه ) ينبني على هذا الخلاف مسألة من الجراح وهي من شج في رأسه مأمومة أو موضحة خطأ فذهب عقله قال في المقدمات : فله على مذهب مالك دية العقل ودية المأمومة أو الموضحة لا يدخل بعض ذلك في بعض إذ ليس الرأس عنده محل العقل وإنما محله في مذهب مالك القلب وهو قول أكثر أهل الشرع ، فهو كمن فقأ عين رجل وأذهب سمعه في ضربة وعلى مذهب ابن الماجشون إنما له دية العقل ; لأن محله عنده وعند أبي حنيفة الرأس وهو مذهب أكثر الفلاسفة وهو كمن أذهب بصر رجل وفقأ عينه في ضربة ، وهذا في الخطأ ، وأما في العمد فيقتص منه من الموضحة ، فإن ذهب عقل المقتص منه فواضح وإن لم يذهب فدية ذلك في مال الجاني وفي المأمومة له ديتها ودية العقل .

( الثالث ) في دليل وجوبها وقد تقدم في أول الكلام لما ذكرنا حكمها وبه عبر ابن راشد فقال : الثاني في بيان حكمها وذكر ما تقدم .

( الرابع ) في حكمة مشروعيتها ، وحكمة ذلك والله تعالى أعلم تمييز العبادات عن العادات ليتميز ما هو لله تعالى عما ليس له أو تتميز مراتب العبادات في أنفسها لتمييز مكافأة العبد على فعله ويظهر قدر تعظيمه لربه ، فمثال الأولى الغسل يكون عبادة وتبردا وحضور المساجد يكون للصلاة وفرجة والسجود لله أو للصنم ، ومثال الثاني الصلاة لانقسامها إلى فرض ونفل ، والفرض إلى فرض على الأعيان وفرض على الكفاية وفرض منذور وفرض غير منذور ، ومن هنا يظهر كيفية تعلقها بالفعل فإنها للتمييز ، وتمييز الشيء قد يكون بإضافته إلى سببه كصلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين وقد يكون بوقته كصلاة الظهر أو بحكمه الخاص به كالفريضة أو بوجود سببه كرفع الحدث فإن الوضوء سبب في رفع الحدث ، فإذا نوى رفع الحدث ارتفع وصح الوضوء ، ولما كانت حكمة مشروعيتها ما ذكر كانت القرب التي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية كالإيمان بالله وتعظيمه وجلاله والخوف من عذابه والرجاء لثوابه والتوكل عليه والمحبة لجماله وكالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن وسائر الأذكار فإنها متميزة لجنابه سبحانه وتعالى ، وكذلك النية منصرفة إلى الله سبحانه وتعالى بصورتها فلا جرم ، ولم تفتقر النية إلى نية أخرى ولا حاجة للتعليل بأنها لو افتقرت إلى نية أخرى لزم التسلسل ، وكذلك يثاب الإنسان على نية مفردة ولا يثاب على الفعل مفردا لانصرافها بصورتها لله تعالى ، والفعل متردد بين ما هو لله تعالى وما هو لغيره ، وأما كون الإنسان يثاب على نيته حسنة واحدة وعلى فعله عشر حسنات إذا نوى فلأن الأفعال هي المقاصد والنيات وسائل والوسائل أنقص رتبة من المقاصد ، وعلم من الحكمة المذكورة أن الألفاظ إذا كانت نصوصا في شيء لا يحتاج إلى نية وكذلك الأعيان المستأجرة إذا كانت المنافع المقصودة فيها متعينة لم تحتج إلى تعيين كمن استأجر قميصا أو عمامة أو خباء أو نحو ذلك ، وكذلك النقود إذا كان بعضها غالبا لم يحتج إلى تعيينه في العقد وكذلك الحقوق إذا تعينت لربها كالدين الوديعة ونحوها . ولملاحظة هذه الحكمة اختلف العلماء في النية في صوم رمضان وفي الوضوء ونحوهما فمن رأى أنهما متعينان لله تعالى بصورتهما قال : لا حاجة إلى النية فيهما ، ومن رأى أن الإمساك في رمضان قد يكون لعدم الغذاء ونحوه وقلما يكون لله تعالى وأن الوضوء قد يكون لرفع الحدث أو للتجديد أو للتبرد أوجب النية .

( الخامس ) فيما يفتقر إلى النية الشريعة كلها إما مطلوب أو مباح ، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه ، والمطلوب نواه وأوامر ، فالنواهي يخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم يشعر بها فضلا عن القصد إليها ، فزيد المجهول حرم الله علينا دمه وماله وعرضه وقد خرجنا عن العهدة وإن لم نشعر به ، [ ص: 233 ] نعم إن شعرنا بالمحرم ونوينا تركه لله تعالى حصل لنا مع الخروج من العهدة الثواب فالنية شرط في الثواب لا في الخروج عن العهدة ، والأوامر منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون والودائع ونفقات الزوجات والأقارب فإن المقصود من هذه الأمور انتفاع أربابها ، وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل فيخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم ينوها ، ومنها ما لا يكون صورة فعله كافية في تحصيل المقصود منه كالصلوات والطهارات والصيام والنسك فإن المقصود منها تعظيم الله تعالى والخضوع له وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله وهذا القسم هو الذي أمر الشرع فيه بالنيات .

( السادس ) في شروطها وهي ثلاثة : الأول : أن يتعلق بمكتسب للناوي فإنها مخصصة وتحصيل غير المفعول للمخصص محال ، وكذلك امتنع نية الإنسان لفعل غيره ، ويشكل على هذا الشرط نية الإمام فإن صلاته حال الإمامة مساوية لصلاته حال الانفراد والإمامة أمر نسبي والنسب عدمية والعدم لا تتعلق به قدرة العبد فهذه النية لا بد لها من مكتسب ، وأجاب بعض العلماء بأن النية تتعلق بمكتسب ولا مكتسب استقلالا أو تبعا لمكتسب كالوجوب في صلاة الفرض والندب في صلاة الضحى ، وليس الوجوب والندب بمكتسب للعبد فإن الأحكام الشرعية صفة لله تعالى قديمة فحسن القصد إليها تبعا لقصد المكتسب فكذلك الإمامة وإن لم تكن فعلا زائدا على الصلاة إلا أنها متعلقة بمكتسب وهو الصلاة فأمكن القصد إليها تبعا .

( الشرط الثاني ) أن يكون المنوي معلوم الوجوب أو مظنون الوجوب فإن المشكوك تكون النية فيه مترددة فلا تنعقد فلذلك لا تصح طهارة الكافر قبل اعتقاده الإسلام ; لأنهما عنده غير معلومين ولا مظنونين ويتعلق بهذا الشرط فروع يأتي ذكرها .

( الشرط الثالث ) أن تكون النية مقارنة للمنوي ; لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها مترددا بين القربة وغيرها ، وآخر الصلاة مبني على أولها فإذا كان أولها مترددا كان آخرها كذلك ، واستثني من ذلك الصوم للمشقة فجوزوا عدم مقارنة النية لأول المنوي لإتيان أول الصوم حالة النوم غالبا ، والزكاة في الوكالة على إخراجها وسيأتي الكلام على هذا الشرط أيضا .

( السابع ) في أقسامها النية حقيقة واحدة لكنها تنقسم بحسب ما يعرض لها إلى قسمين : فعلية موجودة وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية ، ثم إذا ذهل عنها فهي نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها وكذلك الإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية ، ثم إذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن اتصف بها حتى لو مات الإنسان مغمورا بالمرض لحكم له صاحب الشرع بالإسلام المتقدم بل بالولاية أو الصديقية وجميع المعارف ، وعكسه يحكم له بالكفر ثم يكون يوم القيامة كذلك ، ومنه قوله تعالى { إنه من يأت ربه مجرما } مع أنه يوم القيامة لا يكون أحد مجرما ولا كافرا وسيأتي الكلام على هذا أيضا عند الكلام على عزوبها .

( الثامن ) في أقسام المنوي وأحواله المنوي من العبادات ضربان أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة ، والثاني مقصود لغيره وهو قسمان أحدهما مع كونه مقصودا لغيره فهو أيضا مقصود لنفسه كالوضوء فإنه نظافة مشتملة على المصلحة وهو مطلوب للصلاة مكمل لحسن هيئاتها ، والثاني مقصود لغيره فقط كالتيمم ويدل على ذلك أن الشرع أمر بتجديد الوضوء دون التيمم ، والمقصود إنما هو تمييز المقصود لنفسه ; لأنه المهم فلا جرم إذا نوى التيمم دون استباحة الصلاة فقولان للعلماء بالنية : أحدهما أنه لا يجزئه ; لأنه نوى ما ليس بمقصود في نفسه والثاني : يجزئه لكونه عبادة ، والذي هو مقصود لنفسه أو لغيره يتخير المكلف بين قصده له لكونه [ ص: 234 ] مقصودا في نفسه وبين قصده للمقصود منه دونه ، فالأول كقصده الوضوء والثاني كقصده استباحة الصلاة فإن نوى الصلاة أو شيئا لا يقدم عليه إلا بارتفاع الحدث الذي هو الاستباحة صح لاستلزام هذه الأمور رفع الحدث ، ويتعلق بهذا فروع يأتي ذكرها .

( التاسع ) في معنى قول الفقهاء المتطهر ينوي رفع الحدث وقد تقدم الكلام على هذا عند قول المصنف يرفع الحدث .

( العاشر ) في معنى قول الفقهاء النية تقبل الرفض وفي معنى عزوبها وسيأتي عند قول المصنف وعزوبها بعده ورفضها مغتفر والله تعالى أعلم .

فهذا ما يتعلق بالكلام على الأبحاث المتعلقة بالنية مختصرا من كلام القرافي في الذخيرة وكتاب الأمنية ومما نقله صاحب الجمع عن ابن راشد ومن التوضيح ، ولنرجع إلى حل كلام المصنف . فقوله : ونية رفع الحدث عند وجهه أو الفرض أو استباحة ممنوع يشير به إلى أن كيفية النية ثلاثة أوجه ; لأن النية كما تقدم هي القصد إلى الشيء والعزم عليه قاله المازري وغيره ، فالنية في الوضوء هي القصد إليه بتخصيصه ببعض أحكامه كرفع الحدث ، أي الوصف القائم بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية أو المنع المترتب على ذلك الوصف إذ هما متلازمان كما تقدم عند قوله يرفع الحدث ، وهذا هو الفرق بين التيمم والوضوء فإن في الوضوء ينوي المنع من الصلاة مطلقا فرضها ونفلها ، ورفع المنع من غيرها من طواف ومس مصحف .

وأما في التيمم فلا تصح الصلاة حتى ينوي استباحة الصلاة المعينة انظر ابن عرفة وانظر كلام التوضيح في شرح قول ابن الحاجب : ولو نوى ما يستحب له الوضوء . وقوله : أو الفرض أي امتثال أمر الله تعالى بأداء ما افترض عليه أو استباحة ما كان الحدث مانعا منه سواء نوى استباحة جميعه أو استباحة شيء واحد فإنه يستبيح الجميع على المشهور كما سيأتي . قال ابن بشير : والمطلوب من النية في الطهارة أن ينوي أحد ثلاثة أشياء : إما رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو امتثال الأمر ، وهذه متى حضر ذكر جميعها فلا يمكن أن يقصد ذكر أحدها دون الآخر بل هي متلازمة .

وإن خطر بباله بعضها أجزأ عن جميعها ولو خطر بباله جميعها وقصد بطهارته بعضها ناويا عدم حصول الآخر فالطهارة باطلة ; لأن النية غير حاصلة ، ومثاله أن يقول : أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة ، أو أستبيح الصلاة ولا رفع الحدث ، أو أمتثل أمر الله تعالى في الإيجاب ولا أستبيح الصلاة ولا أرفع الحدث ، فهذا أتى بنية متضادة شرعا فتتنافى النية وتكون كالعدم انتهى . وقال في الجواهر : وكيفيتها أن ينوي رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو ما لا يستباح إلا بطهارة وأداء فرض الوضوء انتهى . ويفهم من كلام ابن بشير أنه لو نوى فرض الوضوء أو الوضوء الذي أمر الله به لصح وضوءه .

( تنبيه ) قال العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني في قول المصنف أو الفرض : هذه النية إذا صاحبت وقت الفرض فلا إشكال وإن تقدمته ففي صحتها نظر ; لأنه لم يجب ( فإن قلت ) قد رخصوا في الوضوء قبل الوقت .

( قلت ) أما نية رفع الحدث أو استباحة ما لا يستباح إلا به فظاهر ، وأما نية الفرض فمشكل ; لأنه إذا نوى فرضية وضوئه ذلك فكذب ; لأن وقته لم يحضر ، وإن نوى فرض الوضوء من حيث الجملة لم يصح ; لأن النية إنما شرعت لتمييز المنوي ، وإن نوى فرض ما يأتي لم يصح الجزم به ; لأنه لا يدري هل يصل إليه أو لا ؟ وإن نوى إن بقيت لم يصح أيضا للتردد في النية كمغتسل قال : إن كنت جنبا فهذا له انتهى .

( قلت ) قد تقدم في مقدمة هذا الكتاب عن القرافي أن الفرض له معنيان أحدهما ما يأثم بتركه والثاني ما يتوقف عليه الشيء وإن لم يأثم بتركه ، كقولنا : الوضوء للنافلة واجب ، وهو أعم من الأول ، والفرض المنوي هنا بالمعنى الثاني أي ما يتوقف عليه الإتيان بالأشياء التي منع منها الحدث فهو [ ص: 235 ] راجع إلى معنى استباحة ما يمنع منه الحدث وإلى رفع الحدث ولهذا قال ابن بشير بعد : إن الأوجه الثلاثة متلازمة متى ذكر جميعها لا يمكن أن يقصد ذكر أحدها دون الآخر كما تقدم فتأمله والله تعالى أعلم . وانظر كلام ابن أبي شريف الشافعي في شرح الإرشاد وهذا إذا كان وقت الصلاة لم يدخل أو كانت العبادة التي يتوضأ لها غير فرض وأما إذا توضأ للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها أعطى نية الفرض بالمعنيين جميعا والله تعالى أعلم .

( تنبيه ) قال القرافي في الفرق السادس والعشرين : فتاوى العلماء متظافرة على أن الطهارة وستر العورة والاستقبال من واجبات الصلاة ، وأجمعوا على أن من توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته إجماعا والله تعالى أعلم . وقوله : أو استباحة ممنوع قال التلمساني في شرح الجلاب : قال القاضي عبد الوهاب : وحكم الغسل حكم الوضوء فمن نوى بغسله قراءة القرآن ظاهرا أجزأه ذلك من جنابته ; لأنه لا يجوز أن يفعل إلا بعد ارتفاع حدث الجنابة ولا أحفظ فيها نصا ويجوز أن يقال لا يجزئه ; لأنه نوى ما ليس الغسل من شرط صحته واستباحته ، والأول أولى ، وأما لو نوى قراءة القرآن في المصحف لأجزأه ; لأن النية هنا تتضمن رفع الحدث . انتهى . وهذا يؤخذ من قول المؤلف في الغسل : واجبه نية وموالاة كالوضوء والله تعالى أعلم . وقوله : عند وجهه يعني أن وقت النية عند أول الفرائض وهو غسل الوجه وهذا هو المشهور ، وقيل : عند غسل اليدين . قال المصنف في التوضيح : وجمع بعضهم بين القولين فقال : يبدأ بالنية أول الفعل ويستصحبها إلى أول المفروض انتهى . وهكذا قال البرزلي في مسائل الطهارة ، ونصه : والذي عليه العمل والفتيا وعليه المتأخرون ينويها أوله ويستصحبها ذكرا إلى غسل الوجه جمعا بين القولين انتهى . قال المصنف في التوضيح : والظاهر هو القول الثاني ; لأنا إذا قلنا : إنما ينوي عند غسل الوجه ، يلزم منه أن يعرى غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق عن نية فإن قالوا ينوي له نية مفردة فيلزم منه أن يكون للوضوء نيتان ولا قائل بذلك وقاله ابن راشد .

( قلت ) يلزم على المشهور أن يقولوا أنه يحتاج إلى نيتين قطعا وقول المصنف لا قائل بذلك يجاب عنه بأن نصوصهم كالصريحة في ذلك ; لأنهم قالوا : ينوي رفع الحدث عن وجهه ، وقالوا : يغسل يديه أولا بنية كما سيذكره المصنف وقال ابن ناجي في شرح الرسالة : المضمضة غسل باطن الفم بنية انتهى . ولا شك أن الاستنشاق مثل المضمضة فهذا صريح في أن المتوضئ ينوي بغسل يديه والمضمضة والاستنشاق والاستنثار أنها سنن للوضوء ، ولو فعل ذلك من غير نية لم تحصل السنة ، ثم ينوي عند وجهه رفع الحدث فتأمله والله تعالى أعلم .

ص ( وإن مع تبرد )

ش : يعنى أن النية المذكورة إذا صحبها قصد التبرد فإنها صحيحة ولا يضرها ما صحبها وبذلك صدر في الذخيرة ناقلا له عن المازري وهو مفهوم قوله في المدونة : ومن توضأ لحر يجده لا ينوي به غيره لم تجزه لصلاة فريضة ولا نافلة ولا مس مصحف انتهى . قال سند ولا لنحوه وظاهر هذا الكلام أنه لو نوى مع التبرد الصلاة لأجزأه وهو قول الشافعي ; لأن غسل الأعضاء يتضمن ذلك بوجوده فإذا نواه لم يكن ذلك مضادا للوضوء ولا مؤثرا في التطهير من الحدث ; لأنه قد وجد نية رفع الحدث فوجب أن يعمل في الغسل من الحدث انتهى . وقال في الذخيرة : قال المازري : لو نوى رفع الحدث والتبرد أجزأه ; لأن ما نواه حاصل وإن لم ينوه فلا تضاد ، وقيل : لا يجزئه ; لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله تعالى فقط وها هنا الباعث الأمران انتهى . وكان الجاري على قاعدة المصنف أن يأتي بلو فإن الخلاف في ذلك في المذهب .

( قلت ) ومسألة البرد قد استوفيت الكلام فيها في شرح [ ص: 236 ] مناسك المصنف والله تعالى أعلم .

ص ( أو أخرج بعض المستباح )

ش : مثال ذلك أن ينوي أن يصلي به الظهر ولا يصلي به العصر أو ينوي أن يمس به المصحف دون الصلاة هكذا قال ابن عبد السلام والمصنف وغيرهما ، وفهم منه أنه لو نوى استنابة شيء مخصوص ولم يخرج غيره أنه يجزئه من باب أولى ، لكن الأقوال الثلاثة جارية في السورتين فقيل : يستبيح الجميع ، وقيل : لا يستبيح شيئا ، وقيل : يستبيح ما نواه . أما الصورة الأولى فذكر ابن الحاجب وغيره الخلاف فيها ، وأما الثانية فحكى المصنف وغيره عن ابن زرقون أنه حكى الأقوال الثلاثة فيها ، وحكى ابن عرفة عن الباجي أنه يستبيح ما نواه اتفاقا ، وفي غيره ثلاثة أقوال المشهور يستبيحه ، وقيل : لا ، وقيل : يستحب ، والله تعالى أعلم .

( تنبيه ) فإن قيل : فما الفرق بين هذه المسألة والمسألة الآتية أعني إذا أخرج بعض الأحداث والمسألة السابقة إذا أخرج أحد الثلاثة أعني رفع الحدث والفرض واستباحة ممنوع حيث قلتم بالإجزاء في هذه المسألة دون الأخريين ؟

( فالجواب ) ما قاله ابن عبد السلام إن إخراج بعض المستباح راجع إلى متعلق النية ، وإخراج أحد الثلاثة راجع إلى نفس النية فالتناقض الأول خارج عن الماهية ، والثاني راجع إلى الماهية وفيه نظر انتهى .

( قلت ) وكذا إخراج بعض الأحداث راجع إلى الماهية فتأمله والله تعالى أعلم .

ص ( أو نسي حدثا لا أخرجه )

ش : يعني أنه إذا أحدث أحداثا فنوى حدثا منها ناسيا غيره أجزأه لتساويهما في الحكم فإن نوى حدثا وأخرج غيره كما لو بال وتغوط ونوى رفع أحدهما دون الآخر فإن النية تفسد بذلك للتناقض .

( فرع ) فإن نوى حدثا ولم ينو الآخر وهو ذاكر له ولم يخرجه فيتعارض فيه مفهوما كلام المصنف فمفهوم قوله نسي حدثا أنه لو كان ذاكرا له لم يجزه ، ومفهوم قوله أخرجه أنه لو لم يخرجه أجزأه والثاني أظهر قال ابن عبد السلام : ولو كان ذاكرا لغيره ولم يخرجه فظاهر النصوص الإجزاء وسواء ذكر الحدث الأول أم لا والخلاف خارج المذهب كثير وفرق بعض المخالفين بين أن ينوي الحدث الأول فيجزئه وبين أن ينوي غيره فلا يجزئه إذ المؤثر في وجوب الطهارة إنما هو الأول وهو متجه انتهى . ونقله في التوضيح وقبله .

( فرع ) قال ابن عبد السلام : فلو نوى حدثا غير الذي صدر منه غلطا فنص بعض المخالفين على الإجزاء وهو أيضا صحيح على المذهب ونقله في التوضيح وقبله .

( قلت ) ومفهوم قوله غلطا أنه لو نوى حدثا غير الذي صدر منه عمدا أنه لا يجزئه وهو ظاهر ; لأنه متلاعب وصرح بذلك الشافعية والله تعالى أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث