الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في نذر النسك والصدقة والصلاة وغيرها

جزء التالي صفحة
السابق

( أو ) نذر ( هديا ) لنعم أو غيره مما يصح التصدق به [ ص: 93 ] حتى نحو دهن نجس وعينه في نذره أو بعده كذا وقع في شرح المنهج وفيه نظر ؛ لأن التعيين بعد النذر إنما يكون في المطلق وسيأتي أن المطلق ينصرف لما يجزي أضحية فلا يصح تعيين غيره وبما قررته في معنى هديا اندفع اعتراضه بأنه لو قال بدله : شيئا كان أولى ( لزمه حمله ) إن كان مما يحمل ولم يكن بمحله أزيد قيمة كما في الصورة الآتية ( إلى مكة ) أي حرمها إذ إطلاقها عليه سائغ أي : إلى ما عينه منه إن عين وإلا فإليه نفسه ؛ لأنه محل الهدي قال تعالى { هديا بالغ الكعبة } أو التصدق به ( على من ) هو مقيم أو مستوطن ( بها ) من الفقراء والمساكين السابقين في قسم الصدقات ويجب التعميم في المحصورين بأن سهل عدهم على الآحاد ويجوز في غيرهم الاقتصار على ثلاثة ويجب عند إطلاق الهدي كونه مجزيا في الأضحية ؛ لأن الأصح أن النذر يسلك به مسلك الواجب الشرعي غالبا وعليه إطعامه ومؤنة حمله إليها فإن لم يكن له مال بيع بعضه لذلك سواء أقال أهدي هذا أم جعلته هديا أم هديا للكعبة ثم إذا حصل الهدي في الحرم إن كان حيوانا يجزي أضحية وجب ذبحه وتفرقته عليهم ويتعين الحرم لذبحه أو لا يجزي أعطاه لهم حيا فإن ذبحه فرقه وغرم ما نقص بالذبح .

ولو نوى غير التصدق كالصرف لستر الكعبة أو طيبها [ ص: 94 ] تعين صرفه فيما نواه ، وأطلق شارح في الشمع أنه يشعل فيها ، وفي الزيت أنه يجعل في مصابيحها ويتعين حمله على ما لو أضاف النذر إليها واحتيج لذلك فيها وإلا بيع وصرف لمصالحها كما هو ظاهر ، ولو عسر التصدق بعينه كلؤلؤ باعه وفرق ثمنه عليهم ثم إن استوت قيمته ببلده والحرم تخير في بيعه فيما شاء منهما وإلا لزمه بيعه في الأزيد قيمة وإن كان بين بلده والحرم فيما يظهر ، أما ما لا يمكن حمله أو يعسر كعقار ورحى فيباع ويفرق عليهم ثمنه ، وتلف المعين في يده لا يضمنه أي : إلا إن قصر كما هو ظاهر وظاهر كلامهم أن المتولي لجميع ذلك هو الناذر وأنه ليس لقاضي مكة نزعه منه وهو ظاهر ويظهر ترجيح أنه ليس له إمساكه بقيمته ؛ لأنه متهم في محاباة نفسه ؛ ولاتحاد القابض والمقبض وأفتى بعضهم في إن قضى الله حاجتي فعلي للكعبة كذا بأن يتعين لمصالحها ولا يصرف لفقراء الحرم كما دل عليه كلام المهذب وصرح به جمع متأخرون وخبر مسلم { لولا قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله } المراد بسبيل الله فيه إنفاقه في مصالحها

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : كذا وقع في شرح المنهج وفيه نظر لأن التعيين إلخ ) ما المانع أن شرح المنهج أراد التعيين بالشخص كعينت هذه البدنة عن نذري والتعيين كذلك لا ينافي انصراف المطلق لما يجزي فليتأمل .

. ( قوله : وبما قررته في معنى هديا اندفع اعتراضه إلخ ) في اندفاعه بما ذكر نظر لا يخفى إذ التعميم أولى بلا شبهة . ( قوله : على من هو مقيم ) إن أراد الإقامة القاطعة للسفر لم يشمل من لم ينقطع سفره ( قوله : في المحصورين ) لو لم يمكن تعميمهم كدرهم وهم مائة فهل يجب دفعه إلى جملتهم - [ ص: 94 ] قوله : وإلا بيع ) دخل فيه ما إذا لم يضف إليها فانظر مع ذلك وصرفه إلخ ( قوله : ولو عسر التصدق بعينه كلؤلؤ إلخ ) عبارة شرح الروض ومثل حجر الرحى في بيعه ما لو كان لا يمكن تعميم بقع الحرم إذا فرقه على مساكينه كلؤلؤ قاله الماوردي ومراده حيث وجب التعميم . ا هـ . ( قوله : ويظهر ترجيح أنه ليس له إمساكه بقيمته إلخ ) لم يزد في شرح الروض على حكاية وجهين في الكفاية في ذلك . ( قوله : المراد بسبيل الله فيه إنفاقه في مصالحه ) هذا خلاف المتبادر جدا من سبيل الله وأيضا فقومها لا يكرهون إنفاق كنزها في مصالحها .



حاشية الشرواني

( قوله : أو غيره إلخ ) قضيته أنه لو نذر إهداء هذا الثوب مثلا يلزمه حمله إلى مكة وإن لم يذكرها في نذره وفي شرح الجلال وشرح المنهج ما يخالفه ا هـ رشيدي ويأتي عن المغني ما يوافقهما حيث حمل المتن على ما إذا ذكر في نذره مكة أو الحرم ويوافقهما أيضا قول فتح المعين ولو نذر إهداء منقول إلى مكة لزمه نقله إلخ لكن يوافق إطلاق الشارح والنهاية قول الشهاب عميرة على المحلي ما نصه قوله : إلى مكة قال الزركشي أو أطلق [ ص: 93 ] ا هـ ففي المسألة خلاف . ( قوله : حتى نحو دهن نجس إلخ ) خلافا للمغني عبارته وقوله : والتصدق به يقتضي الاكتفاء بكون ذلك الشيء مما يتصدق به وإن لم تصح هبته ولا هديته فيدخل فيه ما لو نذر إهداء دهن نجس وجلد الميتة قبل الدباغ لكن قال البلقيني الأرجح أنه يشترط فيه أن يكون مما يهدى لآدمي انتهى وهذا أظهر . ا هـ .

( قوله : وفيه نظر إلخ ) ما المانع أن شرح المنهج أراد التعيين بالشخص كعينت هذه البدنة عن نذري والتعيين كذلك لا ينافي انصراف المطلق لما يجزي فليتأمل . ا هـ . سم عبارة البجيرمي قوله : لأن التعيين بعد النذر إلخ . فيه نظر إذ الكلام هنا أي : في شرح المنهج في إهداء شيء مخصوص أي من حيث الجنس كأن نذر إهداء بعير أو شاة ولا شك أنه شامل لما لا يجزي أضحية وأما ما قاله أي : النهاية كالتحفة فهو فيما لو أطلق كما لو قال لله علي أن أهدي شيئا أي ولم يعين ما يهديه فيلزمه ما يجزي في الأضحية سلطان . ا هـ . أقول قضية هذا الجمع جواز تعين ما لا يجزي في الأضحية فيما إذا قال : لله علي أن أهدي شاة مثلا بتعين الجنس فقط ، وهو مع كونه خلاف ظاهر كلامهم يأتي عن المغني ما يفهم عدم جوازه .

( قوله : اندفع اعتراضه بأنه إلخ ) في اندفاعه بما ذكر نظر لا يخفى إذ التعميم أولى بلا شبهة . ا هـ . سم . ( قوله : بمحله ) أي النذر . ( قوله : الآتية ) أي آنفا في السوادة . ( قوله : إن عين ) أي في النذر . ( قوله : وإلا فإليه إلخ ) كذا في أصله رحمه الله تعالى ، والأقعد وإلا ، فلأي محل منه . ا هـ . سيد عمر . ( قوله : فإليه نفسه ) أي فالتعيين مفوض إلى رأيه . ( قوله : لأنه محل الهدي إلخ ) هذا ، والذي بعده مبنيان على ظاهر المتن بالنظر لما حله به . ا هـ . رشيدي . ( قوله : على من هو مقيم ) أي إقامة تقطع السفر ، وهي أربعة أيام صحاح كما يصرح به مقابلته بالمستوطن فمن نحر بمنى لا يجزي إعطاؤه للحجاج الذين لم يقيموا بمكة قبل عرفة أربعة أيام لما مر أنه لا ينقطع ترخصهم إلا بعد عودهم إلى مكة بنية الإقامة . ا هـ . ع ش ، وفي سم ما يشير إليه . ( قوله : في المحصورين ) ، ولو لم يمكن تعميمهم كدرهم وهم مائة فهل يجب دفعه إلى جملتهم . ا هـ . سم . ( قوله : ويجب عند إطلاق الهدي إلخ ) عبارة المغني أو نذر هديا أي : أن يهدي شيئا سماه من نعم أو غيرها كأن قال : لله علي أن أهدي شاة أو ثوبا إلى مكة أو الحرم لزمه حمله إلى مكة أو الحرم ، ولزمه التصدق به على من بها أما إذا قال : لله علي أن أهدي ، ولم يسم شيئا أو أن أضحي فإنه يلزمه ما يجزي في الأضحية حملا على معهود الشرع . ا هـ .

( قوله : غالبا ) ينبغي حذفه . ا هـ . رشيدي . ( قوله : وعليه إطعامه ) إلى قوله ، وظاهر كلامهم في المغني . ( قوله : لذلك ) أي لنقل الباقي . ا هـ . مغني . ( قوله : سواء أقال أهدي هذا إلخ ) عبارة المغني ، وفي الإبانة إن قال : أهدي هذا فالمؤنة عليه ، وإن قال : جعلته هديا فلا ويباع منه شيء لأجل مؤنة النقل ، ونسبه في البحر للقفال ، واستحسنه قال الرافعي لكن مقتضى جعله هديا أن يوصله كله إلى الحرم فليلتزم مؤنته كما لو قال : أهدي انتهى ، وهذا هو الظاهر . ا هـ . ( قوله : سواء أقال إلخ ) الظاهر أنه تعميم في المتن . ا هـ . رشيدي . ( قوله : وجب ذبحه ) أي في أيام النحر . ا هـ . مغني . ( قوله : أو لا يجزي ) كالظبا ، وشاة ذات عيب ، وسخلة مغني . ( قوله : ولو نوى إلخ ) ولو نذر أن يهدي شاة مثلا ، ونوى ذات عيب أو سخلة أجزأه هذا المنوي لأنه الملتزم ويؤخذ مما مر أنه يتصدق به حيا فإن أخرج بدله تاما فهو أفضل . ( تنبيه ) قد علم مما مر أنه يمتنع إهداء ما ذكر إلى أغنياء الحرم نعم لو نذر نحوه لهم خاصة ، واقترن به نوع من القربة كأن تتأسى به الأغنياء لزمه كما قاله في البحر . ا هـ . مغني وقوله : ونوى ذات عيب إلخ . مفهومه أنه يجب عند إطلاق هدي شاة مثلا كونها مجزية في الأضحية خلافا لما مر عن [ ص: 94 ] سم ، وسلطان . ( قوله : تعين صرفها فيما نواه ) ينبغي تقييده بما لا يحتاج إليه أخذا مما يأتي آنفا . ( قوله : إليها ) أي إلى الكعبة أي الإشعال ، والتسريج فيها ، وبه يندفع ما سيأتي من إشكال سم . ( قوله : وإلا ) أي : بأن انتفى الإضافة أو الاحتياج أي كما في زماننا فإن لها شمعا وزيتا مرتبين يجيئان من الإسلانبول .

( قوله : وإلا بيع ) دخل فيه ما إذا لم يضف إليها فانظر مع ذلك إلى قوله ، وصرف إلخ . ا هـ . سم ، ومر جوابه . ( قوله : ولو عسر التصدق بعينه إلخ ) أي : حيث وجب التعميم أسنى ، ومغني . ( قوله : كلؤلؤ ) وثوب واحد . ا هـ . مغني . ( قوله : ثم إن استوت قيمته إلخ ) ومن ذلك ما لو نذر إهداء بهيمة إلى الحرم فإن أمكن إهداؤها بنقلها إلى الحرم من غير مشقة في نقلها ، ولا نقص قيمة لها وجب ، وإلا باعها بمحلها ، ونقل قيمتها . ا هـ . ع ش ، وقضيته أن مجرد مشقة النقل بلا نقص قيمة في الحرم يجوز البيع بمحلها فليراجع . ( قوله : أي إلا إن قصر إلخ ) عبارة المغني ، وإن تعيب الهدي المنذور أو المعين عن نذره تحت السكين عند الذبح لم يجز كالأضحية ؛ لأنه من ضمانه ما لم يذبح ، وقيل يجزئ وجرى عليه ابن المقري ؛ لأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ، وبالوصول إليه حصل الإهداء . ا هـ .

( قوله : هو الناذر ) أي ، ولو غير عدل ؛ لأنه في يده ومضمون عليه فولايته له . ا هـ . ع ش . ( قوله : لمصالحها ) أي من بناء أو ترميم . ( قوله : ولا يصرف لفقراء الحرم إلخ ) أي : ما لم تجر به العادة أخذا مما مر عن ع ش على قول الشارح ، ويصرفه لمصالح الحجرة النبوية ، ومما ذكره الشارح في النذر لقبر الشيخ الفلاني . ( قوله : وخبر مسلم إلخ ) مبتدأ ، وقوله : المراد إلخ . خبره ، والجملة استئنافية بيانية . ( قوله : المراد بسبيل الله إنفاقه إلخ ) هذا خلاف المتبادر جدا من سبيل الله ، وأيضا فقومها لا يكرهون إنفاق كنزها في مصالحها ا هـ سم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث