الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها

لعلي أعمل صالحا فيما تركت أي في الإيمان الذي تركته، ولعل للترجي وهو إما راجع للعمل والإيمان لعلمه بعدم الرجوع أو للعمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع فهو كما في قولك: لعلي أربح في هذا المال أو كقولك: ( لعلي ) أبني على أس أي أأسس ثم أبني، وقيل: فيما تركت من المال أو من الدنيا جعل مفارقة ذلك تركا له، ويجوز أن تكون لعل للتعليل.

[ ص: 64 ] وفي البرهان حكى البغوي عن الواقدي أن جميع ما في القرآن من لعل فإنها للتعليل إلا قوله تعالى: لعلكم تخلدون فإنها للتشبيه.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك نحوه، ثم إن طلب الرجعة ليس من خواص الكفار. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مانع الزكاة وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت

وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت »

وهذا الخبر يؤيد أن المراد مما تركت المال ونحوه كلا ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها إنها أي قوله: رب ارجعون إلخ كلمة هو قائلها لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة وتسلط الندم عليه فتقديم المسند إليه للتقوى أو هو قائلها وحده فالتقديم للاختصاص، ومعنى ذلك أنه لا يجاب إليها ولا تسمع منه بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلة قولها حتى كأن المعتد بها شريك لقائلها، ومثل هذا متداول فيقول من كلمه صاحبه بما لا جدوى تحته: اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع يعني أنها مما لا تسمع منك ولا تستحق الجواب، والكلمة هنا بمعنى الكلام كما في قولهم: كلمة الشهادة وهي في هذا المعنى مجاز عند النحاة، وأما عند اللغويين فقيل حقيقة، وقيل مجاز مشهور.

والظاهر أن كلا وما بعدها من كلامه تعالى، وأبعد جدا من زعم أن كلا من قول من عاين الموت وأنه يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم ومن ورائهم أي أمامهم وقد مر تحقيقه، والضمير لأحدهم والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ برزخ حاجز بينهم وبين الرجعة إلى يوم يبعثون من قبورهم وهو يوم القيامة، وهذا تعليق لرجعتهم إلى الدنيا بالمحال كتعليق دخولهم الجنة بقوله سبحانه: حتى يلج الجمل في سم الخياط [الأعراف: 40] وعن ابن زيد أن المراد من ورائهم حاجز بين الموت والبعث في القيامة من القبور باق إلى يوم يبعثون، وقيل: حاجز بينهم وبين الجزاء التام باق إلى يوم القيامة فإذا جاء ذلك اليوم جوزوا على أتم وجه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث