الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 528 ] باب الإحرام قال ابن فارس : هو نية الدخول في التحريم ، كأنه يحرم على نفسه الطيب والنكاح وأشياء من اللباس كما يقال : أشتى إذا دخل في الشتاء ، وأربع إذا دخل في الربيع وشرعا ( نية النسك ) أي الدخول فيه ، لا نيته ليحج " أو " يعتمر ( وسن لمريده ) أي الإحرام ( غسل ) ولو نفساء أو حائضا لأنه صلى الله عليه وسلم { أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل } رواه مسلم .

{ وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج ، وهي حائض } متفق عليه وإن رجتا الطهر قبل فوات الميقات أخرتاه حتى تطهر ( أو تيمم لعدم ماء ) أو عجز عن استعماله لنحو مرض لعموم { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ( ولا يضر حدثه بين غسل وإحرام ) كغسل الجمعة

( و ) سن له ( تنظف ) بأخذ شعره وظفره ، وقطع رائحة كريهة كالجمعة ولأن الإحرام يمنع أخذ الشعور والأظفار فاستحب فعله قبله لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه فيه .

( و ) سن له ( تطيب في بدنه ) بما تبقى عينه ، كمسك ، أو أثره كماء ورد ويجوز لقول عائشة { كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت وقالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم } متفق عليه .

قال ابن عبد البر : لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين والجعرانة ، سنة ثمان وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر أي فهو ناسخ

( وكره ) لمريد الإحرام تطيب ( في ثوبه ) وله استدامة لبسه في إحرامه ، ما لم ينزعه ، فإن نزعه لم يلبسه حتى يغسل طيبه لزوما لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيب ، دون الاستدامة ومتى تعمد محرم مس طيب على بدنه ، أو نحاه عن موضعه ثم رده إليه ، أو نقله إلى موضع آخر فدى لا إن سال بعرق أو شمس .

( و ) سن لمريده ( لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين ) جديدين أو خلقين ( ونعلين ) لحديث { وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين } رواه أحمد وقال ابن المنذر : ثبت ذلك والنعلان التسومة ولا يجوز له لبس سرموذة ونحوها إن وجد النعلين ويكون لبسه ذلك ( بعد تجرد ذكر عن مخيط ) كقميص وسراويل وخف لأنه صلى الله عليه وسلم { تجرد لإهلال } رواه الترمذي

( و ) سن [ ص: 529 ] ( إحرامه عقب صلاة فرض أو ركعتين نفلا ) نصا لأنه صلى الله عليه وسلم { أهل في دبر صلاة } رواه النسائي ( ولا يركعهما ) أي ركعتي النفل ( وقت نهي ) لتحريم النفل إذن ( ولا ) يركعهما ( من عدم الماء والتراب ) لحديث { لا يقبل الله صلاة بغير طهور }

قال في الفروع : ويتوجه أنه يستحب أن يستقبل القبلة عند إحرامه صح عن ابن عمر .

( و ) سن له ( أن يعين نسكا ) في ابتداء إحرامه من عمرة أو حج أو قران ( ويلفظ به ) أي بما عينه للأخبار ( وأن يشترط ) لحديث ضباعة بنت الزبير حين قالت له { إني أريد الحج وأجدني وجعة فقال : حجي واشترطي وقولي : اللهم محلي حيث حبستني } متفق عليه زاد النسائي في رواية إسنادها جيد { فإن لك على ربك ما استثنيت } ( فيقول : اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني ) ولم يذكر مثله في الصلاة لقصر مدتها وتيسرها عادة ( وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) فيستفيد : أنه متى حبس بمرض أو عدو ونحوه حل ولا شيء عليه نصا قال في المستوعب وغيره : إلا أن يكون معه هدي فيلزمه نحوه ولو قال : فلي أن أحل ، خير

( ولو شرط أن يحل متى شاء ، أو إن أفسده لم يقضه لم يصح ) شرطه لأنه لا عذر له فيه وعلم مما سبق : أنه لا يكفيه اشتراطه بقلبه ( وينعقد إحرام حال جماع ) لأنه لا يبطله ولا يخرج منه به إن وقع في أثنائه وإنما يفسده ويلزم المضي في فاسده ( ويبطل ) إحرام بردة ( ويخرج ) محرم ( منه بردة ) فيه لعموم قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } و ( لا ) يبطل ولا يخرج منه ( بجنون وإغماء وسكر كموت ) ويأتي حكم مجنون ومغمى عليه في الإحصار وتقدم حكم ميت ( ولا ينعقد إحرام مع وجود أحدها ) أي الجنون والإغماء والسكر لعدم صحة القصد إذن ( ويخير مريد ) إحرام ( بين ) ثلاثة أشياء ( تمتع وهو أفضلها ) نصا قال : لأنه آخر ما أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين { أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديا وثبت على إحرامه لسوقه الهدي وتأسف بقوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولا حللت معكم } ولا ينقل أصحابه إلا إلى الأفضل ولا يتأسف إلا عليه

وما أجيب به عنه من أنه لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج مردود بأنهم لم يعتقدوه ثم لو كان كذلك لم يخص به من لم يسق الهدي لأنهم سواء في الاعتقاد ، ثم لو كان كذلك لم يتأسف هو لأنه [ ص: 530 ] يعتقد جواز العمرة في أشهر الحج وجعل العلة فيه سوق الهدي ولما في التمتع من اليسر والسهولة مع كمال أفعال النسكين ( فإفراد ) لأن فيه كمال أفعال النسكين ( فقران ) واختلف في حجته صلى الله عليه وسلم لكن قال أحمد : لا أشك أنه كان قارنا والمتعة أحب إلي .

( و ) صفة ( التمتع : أن يحرم بعمرة في أشهر الحج ) نصا قال الأصحاب : ويفرغ منها .

وفي المستوعب : ويتحلل ( و ) يحرم ( به ) أي الحج ( في عامه مطلقا ) أي من مكة أو قربها أو بعيد منها ( بعد فراغه منها ) أي العمرة فلو كان أحرم بها قبل أشهر الحج لم يكن متمتعا ولو أتم أفعالها في أشهره وإن أدخل الحج على العمرة صار قارنا

( و ) صفة ( الإفراد : أن يحرم ابتداء بحج ثم يحرم بعمرة بعد فراغه منه ) أي الحج مطلقا ( و ) صفة ( القران : أن يحرم بهما أي الحج والعمرة معا أو يحرم بها ) أي العمرة ( ثم يدخله ) أي الحج ( عليها ) أي العمرة ويصح لما في الصحيحين أن ابن عمر فعله وقال { هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم } ويكون إدخال الحج عليها ( قبل شروعه في طوافها ) أي العمرة فلا يصح بعد الشروع فيه لمن لا هدي معه ، كما لو أدخله عليها بعد سعيها وسواء كان في أشهر الحج أو لا ( ويصح ) إدخال حج على عمرة ( ممن معه هدي ولو بعد سعيها ) بل يلزمه كما يأتي لأنه مضطر إليه لقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } قال في شرحه هنا : ويصير قارنا على المذهب ورده في أثناء الفصل بعد

( ومن أحرم به ) أي الحج ( ثم أدخلها ) أي العمرة ( عليه لم يصح إحرامه بها ) أي العمرة ، لأنه لم يرد به أثر ، ولا يستفاد به فائدة بخلاف ما سبق فلا يصير قارنا ، وعمل قارن كمفرد نصا ويسقط ترتيبها ويصير الترتيب للحج فيتأخر حلاق إلى يوم النحر فوطؤه قبل طوافه بعد التحلل الأول لا يفسد عمرته

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث