الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل يكره فيها أي : الصلاة ( التفات ) لحديث عائشة قالت : { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد } رواه البخاري ( بلا [ ص: 207 ] حاجة كخوف ونحوه ) كمرض لحديث سهل بن الحنظلية قال : { ثوب بالصلاة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب } رواه أبو داود قال : " وكان أرسل فارسا إلى الشعب يحرس " وكذا قال ابن عباس { : كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت يمينا وشمالا ، ولا يلوي عنقه } رواه النسائي . فإن كان بوجهه فقط . أو به صدره لم تبطل ( وإن استدار بجلسته ، أو استدبرها لا في الكعبة ) أي : القبلة مصل ( أو في شدة خوف ، أو تغير اجتهاده ) حيث كان فرضه الاجتهاد ( بطلت ) صلاته ، لتركه الاستقبال ، وأما في الصور المستثناة فلا ; لأنه في الكعبة إذا استدبر منها شيئا كان مستقبلا ما قابله ، وفي شدة الخوف يسقط الاستقبال . وفي صورة الاجتهاد صارت قبلته التي تغير إليها اجتهاده .

ولذا وجه في الإنصاف : عدم استثنائها ; لأنه إنما استدار إلى قبلته ( و ) يكره في صلاة ( رفع بصره ) إلى السماء ، لحديث أنس مرفوعا { ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال : لينتهن عن ذلك ، أو لتخطفن أبصارهم } رواه البخاري .

و ( لا ) يكره رفع بصره ( حال التجشي ) في الصلاة جماعة ، فيرفع وجهه ، لئلا يؤذي من حوله بالرائحة .

( و ) يكره في صلاة ( تغميضه ) نص عليه واحتج بأنه فعل اليهود ، ومظنة النوم ، ونقل : أبو داود إن نظر امرأته عريانة غمض ومن باب أولى : إذا رأى من يحرم نظره إليه ( و ) يكره أيضا فيها ( حمل مشغل عنها ) ، لأنه يذهب الخشوع .

( و ) يكره فيها ( افتراش ذراعيه ساجدا ) لحديث جابر مرفوعا { إذا سجد أحدكم فليعتدل ، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب } رواه الترمذي .

وقال : حسن صحيح ( و ) يكره ( إقعاؤه ) في جلوسه ( بأن يفترش قدميه ويجلس على عقبيه ) كذا فسره به أحمد . قال أبو عبيد : هو قول أهل الحديث ، واقتصر عليه في الفروع والمغني والمقنع والإقناع وغيرها ( ، أو ) أن يجلس ( بينهما ) أي : بين عقبيه على أليتيه ( ناصبا قدميه ) وقال أبو عبيد : وأما الإقعاء عند العرب : فهو جلوس الرجل على أليتيه ، ناصبا فخذيه ، مثل إقعاء الكلب ،

قال في شرحه : وكل من الجلستين مكروه ، لما روى الحارث الأعور عن علي . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقع بين السجدتين } وعن أنس مرفوعا { إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب } رواهما ابن ماجه .

( و ) يكره فيها [ ص: 208 ] ( عبث ) لأنه صلى الله عليه وسلم { رأى رجلا يعبث في الصلاة فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه } ( و ) يكره فيها ( تخصر ) أي : وضع يده على خاصرته . لحديث أبي هريرة يرفعه { نهى أن يصلي الرجل متخصرا } متفق عليه .

( و ) يكره فيها ( تمط ) لأنه يخرجه عن هيئة الخشوع ( و ) يكره فيها ( فتح فمه ووضعه فيه شيئا ) لأنه يذهب الخشوع ، ويمنع كمال الحروف .

و ( لا ) يكره وضعه شيئا ( في يده ) نصا ولا في كمه .

( و ) يكره فيها ( استقبال صورة ) منصوبة ، نص عليه لما فيه من التشبه بعبادة الأوثان والأصنام . وظاهره ولو صغيرة ، لا تبدو لناظر إليها ، وأنه لا يكره إلى غير منصوبة ، ولا سجوده على صورة ، ولا صورة خلفه في البيت ، ولا فوق رأسه في سقف ، ولا عن أحد جانبيه ، ذكره في الفروع .

( و ) يكره فيها استقبال ( وجه آدمي ) نصا .

وإلى امرأة تصلي بين يديه ، لا حيوان غير آدمي ، لأنه صلى الله عليه وسلم { كان يعرض راحلته ويصلي إليها } .

( و ) يكره أيضا استقبال ( ما يليه ) لحديث عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما انصرف قال : اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ، وأتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي } متفق عليه والخميصة : كساء مربع ،

والأنبجانية : كساء غليظ ( و ) يكره فيها استقبال ( نار مطلقا ) أي : سواء كانت نار حطب ، أو سراج ، أو في قناديل ، أو شمعة . نصا ، لأنه تشبه بالمجوس .

( و ) يكره فيها استقبال ( متحدث ) { لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى النائم والمتحدث } رواه أبو داود ولأنه يشغله عن حضور قلبه فيها .

( و ) يكره فيها استقبال ( نائم ) للخبر .

( و ) يكره فيها استقبال ( كافر ) لأنه نجس .

( و ) يكره أيضا ( تعليق شيء في قبلته ) لا وضعه بالأرض . قال أحمد : كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف ، وتكره أيضا الكتابة في قبلته ، وأن يصلي وبين يديه نجاسة ، أو باب مفتوح .

قال في المبدع : ( و ) يكره أيضا لمصل ( حمل ثوب ، أو فص ونحوه فيه صورة ) وتقدم : يكره صليب في ثوب ونحوه ( و ) يكره أيضا ( مس الحصا وتقليبه ) لحديث أبي ذر مرفوعا { إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصا فإن الرحمة تواجهه } رواه أبو داود ( وتسوية التراب بلا عذر ) لأنه من العبث ، فإن كان لحاجة لم يكره .

( و ) يكره أيضا ( تروح بمروحة ونحوها بلا حاجة ) [ ص: 209 ] إليه لأنه من العبث .

( و ) يكره أيضا ( فرقعة أصابعه وتشبيكها ) لقول علي مرفوعا { : لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة } رواه ابن ماجه ،

وعن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم { رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة ، ففرج النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه } رواه الترمذي وابن ماجه . وقال ابن عمر - في الذي يصلي وهو مشبك " تلك صلاة المغضوب عليهم " رواه ابن ماجه .

( و ) يكره له أيضا ( مس لحيته ) لأنه من العبث ( و ) يكره له أيضا ( عقص شعره وكف ثوبه ) وتشمير كمه ، ولو لعمل قبل الصلاة . لحديث { ولا أكف ثوبا ولا شعرا . }

و " رأى ابن عباس عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام ، فجعل يحله ، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس ، فقال : مالك ولرأسي ؟ قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول { : إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف } ونهى أحمد رجلا كان إذا سجد جمع ثوبه بيده اليسرى .

ونقل ابن القاسم : يكره له أن يشمر ثيابه ، لقوله : : " ترب ترب " .

( و ) يكره له أيضا ( أن يخص جبهته بما يسجد عليه ) لأنه من شعار الرافضة ( و ) يكره له فيها ( مسح أثر سجوده ) .

وفي المغني : إكثاره منه ، ولو بعد التشهد .

( و ) يكره له ( تكرار الفاتحة ) لأنه لم ينقل ، وخروجا من خلاف من أبطلها به ، لأنها ركن والفرق بين الركن القولي والفعلي : أن تكرار القولي لا يخل بهيئة الصلاة .

( و ) يكره ( استناده ) إلى نحو جدار ; لأنه يزيل مشقة القيام ( بلا حاجة ) إليه ; لأنه صلى الله عليه وسلم { لما أسن وأخذه اللحم اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه } رواه أبو داود ( فإن سقط ) مستند ( لو أزيل ) ما استند إليه ( لم تصح ) صلاته ; لأنه غير قائم .

( و ) يكره ( ابتداؤها ) أي : الصلاة ( فيما ) أي : حال ( يمنع كمالها كحر ) مفرط ( وبرد وجوع ) مفرط ( وعطش مفرط ) لأنه يقلقه ويشغله عن حضور قلبه فيها ( أو ) أن يبتدئها ( حاقنا ) بالنون ، أي : محتبس بول ( ، أو حاقبا ) بالباء الموحدة ، أي : محتبس غائط ( أو ) يبتدئها ( مع ريح محتبسة ) ونحوه مما يزعجه ، كتعب شديد ( أو ) يبتدئها ( تائقا ) أي : مشتاقا ( لطعام ونحوه ) كجماع وشراب ، لحديث عائشة مرفوعا { لا صلاة بحضرة طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان } رواه مسلم .

وظاهره : ولو خاف فوت الجماعة . لما في البخاري " كان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة ، فلا يأتيها حتى يفرغ ، وأنه ليسمع [ ص: 210 ] قراءة الإمام " ( ما لم يضق الوقت ) عن المكتوبة ، أي : عن فعل جميعها فيه ( فتجب ) المكتوبة ( ويحرم اشتغاله بغيرها ) إذن ، لتعين الوقت لها ، ويكره نفخه فيها ، واعتماده على يديه في جلوسه بلا حاجة ، وصلاته مكتوفا ( وسن ) لمصل ( تفرقته ) بين قدميه ( ومراوحته بين قدميه ) بأن يقر على أحدهما مرة ، ثم على الأخرى أخرى ، إذا طال قيامه .

قال الأثرم : رأيت أبا عبد الله يفرج بين قدميه ورأيته يراوح بينهما ، وروى الأثرم بإسناده عن أبي عبيدة : أن عبد الله رأى رجلا يصلي صافا بين قدميه فقال : لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل " ورواه النسائي وفيه ،

قال : " أخطأ السنة ، لو راوح بينهما كان أعجب إلي " ( وتكره كثرته ) أي : كثرة أن يراوح بين قدميه ; لأنه يشبه تمايل اليهود . وروى البخاري بإسناده مرفوعا { إذا قام أحدكم في صلاته فليسكن أطرافه ، ولا يمل ميل اليهود } ( و ) يكره أيضا ( حمده ) أي : المصلي ( إذا عطس ، أو ) إذا ( وجد ما يسره

و ) يكره أيضا ( استرجاعه ) أي : قوله : إنا لله وإنا إليه راجعون ( إذا وجد ما يغمه ) وكذا قول : بسم الله إذا لسع ، أو سبحان الله ، إذا رأى ما يعجبه ونحوه ، خروجا من خلاف من أبطل الصلاة به . وكذا لو خاطب بشيء من القرآن ، كقوله لمن دق عليه { : ادخلوها بسلام آمنين } ولمن اسمه يحيى { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } ومن أتى بصلاة على وجه مكروه استحب له إعادتها في الوقت ، على وجه غير مكروه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث