الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وهذه حال ما اجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جميع الأمور لكن التحقيق أن الفعل المعين كالصلاة في الدار المعينة لا يؤمر بعينها وينهى عن عينها ; لأنه تكليف ما لا يطاق فإنه تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه وإنما يؤمر بها من حيث هي مطلقة وينهى عن الكون في البقعة فيكون مورد الأمر غير مورد النهي ولكن تلازما في المعين والعبد هو الذي جمع بين المأمور به والمنهي عنه لا أن الشارع أمره بالجمع بينهما فأمره بصلاة مطلقة ونهاه عن كون مطلق . وأما المعين فالشارع لا يأمر به ولا ينهى عنه كما في سائر المعينات وهذا أصل مطرد في جميع ما أمر الله به من المطلقات بل في كل أمر ; فإنه إذا أمر بعتق رقبة مطلقة كقوله : { فتحرير رقبة } أو بإطعام ستين مسكينا ; أو صيام شهرين متتابعين أو بصلاة في مكان أو غير ذلك فإن العبد لا يمكنه الامتثال إلا بإعتاق رقبة معينة وإطعام طعام معين لمساكين معينين وصيام أيام معينة وصلاة [ ص: 300 ] معينة في مكان معين فالمعين في جميع المأمورات المطلقة ليس مأمورا بعينه وإنما المأمور به مطلق والمطلق يحصل بالمعين .

فالمعين فيه شيئان : خصوص عينه والحقيقة المطلقة فالحقيقة المطلقة هي الواجبة وأما خصوص العين فليس واجبا ولا مأمورا به وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق ; بمنزلة الطريق إلى مكة ولا قصد للآمر في خصوص التعيين .

وهذا الكلام مذكور في مسألة الواجب على التخيير والواجب المطلق والواجب المعين . والفرق بينها : أن الواجب المخير قد أمر فيه بأحد أشياء محصورة والمطلق لم يؤمر فيه بأحد أشياء محصورة ; وإنما أمر بالمطلق . ولهذا اختلف في الواجب المخير فيه : هل الواجب هو القدر المشترك كالواجب المطلق ؟ أو الواجب هو المشترك والمميز أيضا على التخيير ؟ فيه وجهان والمشترك هو كونه أحدها فعلى هذا ما تميز به أحدها عن الآخر لا يثاب عليه ثواب الواجب بخلاف ما إذا قيل المتميز واجب أيضا على البدل وأما المطلق فلم يتعرض فيه للأعيان المتميزة بقصد لكنه من ضرورة الواقع فهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به وهو وإن قيل : هو واجب فهو واجب في الفعل وهو مخير فيه فاختياره لإحدى العينين لا يجعله واجبا عينا فتبين بذلك أن تعيين عين الفعل وعين المكان ليس مأمورا به فإذا نهي [ ص: 301 ] عن الكون فيه لم يكن هذا المنهي عنه قد أمر به ; إذ المأمور به مطلق وهذا المعين ليس من لوازم المأمور به وإنما يحصل به الامتثال كما يحصل بغيره .

فإن قيل : إن لم يكن مأمورا به فلا بد أن يباح الامتثال به والجمع بين النهي والإباحة جمع بين النقيضين قيل : ولا يجب أن يباح الامتثال به بل يكفي أن لا ينهى عن الامتثال به فما به يؤدي الواجب لا يفتقر إلى إيجاب ولا إلى إباحة بل يكفي أن لا يكون منهيا عن الامتثال به فإذا نهاه عن الامتثال به امتنع أن يكون المأمور به داخلا فيه من غير معصية . فهنا أربعة أقسام : أن يكون ما به يمتثل واجبا كإيجاب صيام شهر رمضان بالإمساك فيه عن الواجب .

وأن يكون مباحا كخصال الكفارة ; فإنه قد أبيح له نوع كل منها وكما لو قال : أطعم زيدا أو عمرا .

وأن لا يكون منهيا عنه كالصيام المطلق والعتق المطلق فالمعين ليس منهيا عنه ولا مباحا بخطاب بعينه إذ لا يحتاج إلى ذلك .

والرابع أن يكون منهيا عنه كالنهي عن الأضاحي المعيبة وإعتاق [ ص: 302 ] الكافر ; فإذا صلى في مكان مباح كان ممتثلا لإتيانه بالواجب بمعين ليس منهيا عنه وإذا صلى في المغصوب فقد يقال : إنما نهي عن جنس الكون فيه لا عن خصوص الصلاة فيه فقد أدى الواجب بما لم ينه عن الامتثال به لكن نهي عن جنس فعله فبه اجتمع في الفعل المعين ما أمر به من الصلاة المطلقة وما نهي عنه من الكون المطلق فهو مطيع عاص . ولا نقول : إن الفعل المعين مأمور به منهي عنه لكن اجتمع فيه المأمور به والمنهي عنه كما لو صلى ملابسا لمعصية من حمل مغصوب .

وقد يقال : بل هو منهي عن الامتثال به كما هو منهي عن الامتثال بالصلاة في المكان النجس والثوب النجس ; لأن المكان شرط في الصلاة والنهي عن الجنس نهي عن أنواعه فيكون منهيا عن بعض هذه الصلاة بخلاف المنهي عنه إذا كان منفصلا عن أبعاضها كالثوب المحمول فالحمل ليس من الصلاة . فهذا محل نظر الفقهاء وهو محل للاجتهاد . لا أن عين هذه الأكوان هي مأمور بها ومنهي عنها فإن هذا باطل قطعا بل عينها وإن كانت منهيا عنها فهي مشتملة على المأمور به وليس ما اشتمل على المأمور به المطلق يكون مأمورا به .

ثم يقال : ولو نهي عن الامتثال على وجه معين مثل أن يقال : [ ص: 303 ] صل ولا تصل في هذه البقعة وخط هذا الثوب ولا تخطه في هذا البيت فإذا صلى فيه وخاط فيه فلا ريب أنه لم يأت بالمأمور به كما أمر لكن هل يقال : أتى ببعض المأمور به أو بأصله دون وصفه ؟ وهو مطلق الصلاة والخياطة دون وصفه أو مع منهي عنه بحيث يثاب على ذلك الفعل وإن لم يسقط الواجب أو عوقب على المعصية ؟ قد تقدم القول في ذلك وبينت أن الأمر كذلك وهي تشبه مسألة صوم يوم العيد ونحوه مما يقول أبو حنيفة فيه بعدم الفساد .

وأن الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان فالإجزاء براءة الذمة من عهدة الأمر وهو السلامة من ذم الرب أو عقابه . والثواب الجزاء على الطاعة . وليس الثواب من مقتضيات مجرد الامتثال بخلاف الإجزاء ; فإن الأمر يقتضي إجزاء المأمور به لكن هما مجتمعان في الشرع ; إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب والعاصي معاقب . وقد يفترقان فيكون الفعل مجزئا لا ثواب فيه إذا قارنه من المعصية ما يقابل الثواب كما قيل : { رب صائم حظه من صيامه العطش ورب قائم حظه من قيامه السهر } فإن قول الزور والعمل به في الصيام أوجب إثما يقابل ثواب الصوم وقد اشتمل الصوم على الامتثال المأمور به والعمل المنهي عنه فبرئت الذمة للامتثال ووقع الحرمان للمعصية . وقد يكون مثابا عليه غير مجزئ إذا فعله ناقصا عن الشرائط والأركان فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملا .

[ ص: 304 ] وهذا تحرير جيد أن فعل المأمور به يوجب البراءة فإن قارنه معصية بقدره تخل بالمقصود قابل الثواب وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة فإما أن يعاد ; وإما أن يجبر ; وإما أن يأثم .

فتدبر هذا الأصل فإن المأمور به مثل المحبوب المطلوب إذا لم يحصل تاما لم يكن المأمور بريئا من العهدة فنقصه إما أن يجبر بجنسه أو ببدل أو بإعادة الفعل كاملا إذا كان مرتبطا وإما أن يبقى في العهدة كركوب المنهي عنه .

فالأول : مثل من أخرج الزكاة ناقصا ; فإنه يخرج التمام .

والثاني : مثل من ترك واجبات الحج ; فإنه يجبر بالدم ; ومن ترك واجبات الصلاة المجبورة بالسجود .

والثالث : مثل من ضحى بمعيبة أو أعتق معيبا أو صلى بلا طهارة .

والرابع : مثل من فوت الجمعة والجهاد المتعين .

وإذا حصل مقارنا لمحظور يضاد بعض أجزائه لم يكن قد حصل كالوطء في الإحرام فإنه يفسده وإن لم يضاد بعض الأجزاء يكون [ ص: 305 ] قد اجتمع المأمور والمحظور كفعل محظورات الإحرام فيه أو فعل قول الزور والعمل به في الصيام فهذه ثلاثة أقسام في المحظور كالمأمور ; إذ المأمور به إذا تركه يستدرك تارة بالجبران والتكميل ; وتارة بالإعادة ; وتارة لا يستدرك بحال .

والمحظور كالمأمور إما أن يوجب فساده فيكون فيه الإعادة ; أو لا يستدرك . وإما أن يوجب نقصه مع الإجزاء فيجبر أو لا يجبر وإما أن يوجب إثما فيه يقابل ثوابه . فالأول كإفساد الحج والثاني كإفساد الجمعة والثالث كالحج مع محظوراته والرابع كالصلاة مع مرور المصلي أمامه والخامس كالصوم مع قول الزور والعمل به .

فهذه المسائل مسألة الفعل الواحد والفاعل الواحد والعين الواحدة هل يجتمع فيه أن يكون محمودا مذموما ; مرضيا مسخوطا ; محبوبا مبغضا ; مثابا معاقبا ; متلذذا متألما ; يشبه بعضها بعضا ؟ والاجتماع ممكن من وجهين لكن من وجه واحد متعذر وقد قال تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث