الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من ترك الواجب أو فعل المحرم جهلا وإعراضا عن طلب العلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وقد اختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرا : هل تجزئه في الباطن ؟ على وجهين ، مع أنها لا تستعاد منه .

أحدهما : لا تجزيه لعدم النية مع القدرة عليها .

والثاني : أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع ; لأن الإمام نائب المسلمين في أداء الحقوق الواجبة عليهم . والأول أصح ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذها منهم بإعطائهم إياها ، وقد صرح القرآن بنفي قبولها ; لأنهم ينفقون وهم كارهون . فعلم أنه إن أنفق مع كراهة الإنفاق لم تقبل منه ، كمن صلى رياء .

لكن لو تاب المنافق والمرائي : فهل تجب عليه في الباطن الإعادة ؟ أو تنعطف توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه ، أو لا يعيد ولا يثاب .

أما الإعادة فلا تجب على المنافق قطعا ; لأنه قد تاب من المنافقين جماعة عن النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر أحدا منهم بالإعادة . وقد قال تعالى : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة } .

وأيضا : فالمنافق كافر في الباطن ، فإذا آمن فقد غفر له ما قد سلف ، فلا يجب عليه القضاء ، كما لا يجب على الكافر المعلن إذا أسلم .

وأما ثوابه على ما تقدم مع التوبة : فيشبه الكافر إذا عمل صالحا في كفره ، ثم أسلم هل يثاب عليه ؟ ففي الصحيحين . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لحكيم بن حزام : { أسلمت على ما سلف لك من خير } .

وأما المرائي إذا تاب من الرياء مع كونه كان يعتقد الوجوب ، فهو شبيه بالمسألة التي نتكلم فيها ، وهي مسألة من لم يلتزم أداء الواجب ، وإن لم يكن كافرا في الباطن ، ففي إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة .

فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة يصلي ولا يزكي ، وقد لا يصوم أيضا ، ولا يبالي من أين كسب المال : أمن حلال ؟ أم من حرام ؟ ولا يضبط حدود النكاح والطلاق ، وغير ذلك ، فهو في جاهلية ، إلا أنه منتسب إلى الإسلام ، فإذا هداه الله وتاب عليه . فإن أوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات ، وأمر برد جميع ما [ ص: 22 ] اكتسبه من الأموال ، والخروج عما يحبه من الإبضاع إلى غير ذلك صارت التوبة في حقه عذابا ، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام ، الذي كان عليه ; فإن توبته من الكفر رحمة ، وتوبته وهو مسلم عذاب .

وأعرف طائفة من الصالحين من يتمنى أن يكون كافرا ليسلم فيغفر له ما قد سلف ; لأن التوبة عنده متعذرة عليه ، أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة ، ثم هذا منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة ، وهو شبيه بالمؤيس للناس من رحمة الله .

ووضع الآصار ثقيلة ، والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله ، فإن الله يحب التوابين ، ويحب المتطهرين . والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله الذي به قوامه ، بعد اليأس منه .

فينبغي لهذا المقام أن يحرر ، فإن كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من الواجبات ، وما فعله من المحرمات ، لكون الكافر كان معذورا ، بمنزلة المجتهد فإنه لا يعذر بلا خلاف ، وإنما غفر له لأن الإسلام توبة ، والتوبة تجب ما قبلها ، والتوبة توبة من ترك تصديق وإقرار ، وترك عمل وفعل فيشبه - والله أعلم - أن يجعل حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث