الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وسئل رحمه الله عن الغيبة هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه ؟ وما حكم ذلك ؟ أفتونا بجواب بسيط ; ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويستمد كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم .

التالي السابق


وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع .

منها المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه . إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه كما { قالت هند : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي . فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } كما قال { صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } وقال وكيع : عرضه شكايته وعقوبته حبسه وقال تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } وقد روي : أنها نزلت في رجل نزل بقوم فلم يقروه . فإذا كان هذا فيمن ظلم بترك قراه الذي تنازع الناس في وجوبه وإن كان الصحيح أنه واجب فكيف بمن ظلم بمنع حقه الذي اتفق المسلمون على استحقاقه إياه أو يذكر ظالمه على وجه القصاص من غير عدوان ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير ; وترك ذلك أفضل .

ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم [ كما ] في الحديث الصحيح عن { فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي صلى الله عليه وسلم من تنكح ؟ وقالت : إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال : أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء } وروي : { لا يضع عصاه عن عاتقه } فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب . وكان هذا نصحا لها - وإن تضمن ذكر عيب الخاطب .

وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصي إليه ومن يستشهده ; بل ومن يتحاكم إليه . وأمثال ذلك ; وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين : من الأمراء والحكام والشهود والعمال : أهل الديوان وغيرهم ؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 231 ] { الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم } .

وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى : أمر فلانا وفلانا فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة - وهم أفضل الأمة - أمرا جعله مانعا له من تعيينه .

وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة : مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد : سألت مالكا والثوري والليث بن سعد - أظنه - والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ ؟ فقالوا : بين أمره . وقال بعضهم لأحمد بن حنبل : أنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا . فقال : إذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم .

ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة ; فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل : الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال : إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل . فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس [ ص: 232 ] الجهاد في سبيل الله ; إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب ; فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ; وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } وذلك أن الله يقول في كتابه : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } فأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنه أنزل الحديد كما ذكره . فقوام الدين بالكتاب الهادي والسيف الناصر { وكفى بربك هاديا ونصيرا } .

والكتاب هو الأصل ; ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ; ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث