الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وقد وصف الله (تعالى) المخبتين الذين بشرهم - سبحانه وتعالى - بقوله: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون خلال أربع؛ هي جماع خصال المؤمن الذي هذبت نفسه؛ وتجمل بالصبر؛ وأقام الصلاة؛ وأنفق مما رزقه الله (تعالى)؛ الخلة الأولى: إذا ذكر الله وجلت قلوبهم "الوجل ": الخوف والخشية من الله؛ لا لأنهم كثيرو الذنوب؛ إنما هو لاستصغار حسناتهم؛ واستكثار سيئاتهم وتصورها؛ فهم من الله (تعالى) القوي القهار في وجل؛ ومن خاف الله حذر مخالفته؛ وحاول طاعته؛ وسعى في مرضاته؛ والوجل صفة أهل الإيمان؛ كما قال (تعالى): إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ؛ وقال (تعالى): الله نـزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ؛ هذه حال الذين يعرفون الله ويتقونه حق تقاته.

الخلة الثانية فيها: الصبر; ولذا قال (تعالى): والصابرين على ما أصابهم والصبر ضبط النفس؛ وسيطرة العقل؛ فإذا أصابهم أمر من أمور الدنيا المزعجة؛ لا يهلعون؛ ولا يفزعون؛ ويضبطون أنفسهم؛ فلا يكون عليهم شهوة جامحة؛ فلا يكون الهوى سيدا مطاعا؛ بل تكون الشهوة أمة لا سيطرة لها؛ وإن كل شيء من مصائب الدنيا يهون أمام الصابر.

والخلة الثالثة: إقامة الصلاة؛ أي: أداؤها مقومة كاملة في ظاهرها وباطنها؛ فتكون النفس خاشعة خاضعة قانتة تحس النفس بروعتها؛ وأنها في حضرة ذي الجلال والإكرام؛ وتمتلئ النفس بهيبته؛ وتخشع لعظمته; ولذا قال (تعالى): والمقيمي الصلاة عبر باسم الفاعل لبيان أن الصلاة صارت شأنا من شؤونه؛ لا يتخلف عنها؛ والصلاة والصبر فيهما عون للمؤمن على الطاعة؛ قال (تعالى): واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ ص: 4985 ] والخلة الرابعة الاتجاه إلى التعاون الاجتماعي؛ وذلك بمعونة الفقير؛ وسد الحاجات الاجتماعية والحربية؛ وهذا قوله (تعالى): ومما رزقناهم ينفقون والإنفاق يشمل الزكاة المفروضة؛ والصدقات المنثورة؛ والصدقات تكفر الذنوب؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الصدقة تطفئ الخطيئة؛ كما يطفئ الماء النار "؛ ويشمل الذنوب والكفارات؛ ويشمل الإنفاق في الجهاد؛ كما قال (تعالى): وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ؛ لأن ترك الإنفاق في الجهاد يؤدي إلى التهلكة والانهزام.

وقد تقدم قوله (تعالى): ومما رزقناهم على الفعل; لبيان أن الإنفاق مما رزقهم الله وحده فليس من جهودهم؛ ولا أعمالهم؛ ولكن من توفيق الله (تعالى)؛ ومن رزقه الذي رزقه إياهم.

وإن الإنفاق بكل أنواعه التي أشرنا إليها هو تعاون اجتماعي في السلم والحرب; ولذا سماه الله (تعالى) "الماعون "؛ فقال (تعالى): فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ؛ وهي الزكاة; لأنها يكون بها التعاون الدائم المستمر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث