الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وقوله (تعالى): رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؛ إن اتصال هذه الآية بما قبلها؛ إعرابا وبيانا للمعاني؛ واضح؛ لأن " رجال " ؛ فاعل لـ يسبح له فيها بالغدو والآصال ؛ وقد بين - سبحانه - أحوال هؤلاء الرجال؛ وصفاتهم؛ فقال: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؛ أما أنهم لا تلهيهم الحياة وما فيها عن ذكر الله؛ فهم في ذكر لله دائم؛ في تجارتهم يذكرون؛ وفي بياعاتهم يذكرون الله (تعالى)؛ فذكر الله يجب أن تملأ به القلوب؛ لا يغفلون عن ذكره أبدا؛ وإذا ذكر الله (تعالى) في معاملاته الإنسانية كان في طهارة دائمة؛ فلا يغش؛ ولا يداهن؛ ولا يبخس الناس أشياءهم؛ والصلاة شرعت في أوقاتها الخمسة لدوام ذكر الله (تعالى)؛ فصلاة الفجر لملء النفس بذكر الله؛ فيقبل على الحياة؛ وهو ممتلئ بذكر الله (تعالى)؛ حتى إذا ابتدأ القلب يصدأ؛ جاءت الظهر؛ فجلته؛ وطهرته بذكر الله؛ حتى صلاة الأصيل؛ ثم صلاة العشاءين؛ ويختتم اليوم بتسبيح الله (تعالى)؛ وامتلاء النفس بذكره؛ فيستمر ذكر الله فيهم؛ ولا تلهيهم تجارة؛ ولا بياعات؛ ولا أعمال الحياة؛ عن ذكر الله أبدا; لأنهم في ذكر دائم بعبادة الله (تعالى)؛ وخصوصا الصلاة؛ ولذا ذكر الصلاة وإقامتها؛ فقال (تعالى): وإقام الصلاة ؛ وهذا من عطف الخاص على العام؛ و " إقام الصلاة " : الإتيان بها مقومة مستقيمة بذكر الله (تعالى) في كل أركانها؛ وكل عباراتها؛ والصلاة - كما أشرنا - تهذيب الروح؛ واتصالها بالله؛ والمصلي؛ وهو واقف لإقامتها؛ يحس بأنه واقف في [ ص: 5198 ] الحضرة الربانية؛ والله يراه؛ وهو العليم بما في الصدور؛ وما تخفي الأنفس؛ وهؤلاء لا تلهيهم مطالب الحياة وغاياتها عن إيتاء الزكاة؛ وهي التعاون الاجتماعي الذي تقوم على دعائمه الحياة الإنسانية في الإسلام.

وإن الأساس للخلاص الكامل للمؤمن هو الإيمان بالبعث والنشور والقيامة والحساب؛ فإن ذلك يجعل الإنسان يحس بأن لحياته معنى وغاية؛ ولم يخلق عبثا؛ أو سدى؛ بل إن له يوما يحاسب فيه على ما قدم؛ وما كسب؛ ولذا قال - في أوصاف الرجال الذين يعمرون مساجد الله -: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ؛ أي: يخافون يوم الفزع الأكبر؛ و تتقلب فيه القلوب ؛ تضطرب؛ و " التقلب " : التحول؛ أي بمعنى: تتحول وتنتقل من مكانها؛ ثم تعود؛ وتكون في تحول ثم عودة؛ وهذا يدل على اضطرابها؛ وفزعها؛ أشد ما يكون الفزع؛ وإن تقلب القلوب يكون بين الطمع والخوف؛ والرجاء والهلع؛ وتقلب الأبصار يكون بأن تتقلب حدقة العين في الحركة؛ من الخوف؛ وهذا يدل على فزع واضطراب مستمر؛ كما قال (تعالى): ونقلب أفئدتهم وأبصارهم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث