الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 2069 ] ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل

* * *

في الآيات السابقة بين سبحانه طيبات ما أحل الله تعالى، وهي تصور متعة الجسد التي تكون حلالا، سواء أكانت طعاما يؤكل أم كانت تتعلق بما يكون بين الرجل والمرأة، ثم بين طهارة الأجساد والقلوب، بالصلاة وما يتقدمها من وضوء وتيمم، وذلك لتكون متعة الجسد في دائرة الطهارة والسمو، فيتهذب الفرد وينمو، ويقوى، وبذلك يكون قوة في بناء المجتمع الإنساني الذي يبتدئ بمجتمع الأمة أو القوم من غير تعصب ظالم، ولا انحراف لغير غاية فاضلة، وبين سبحانه وتعالى أن العدالة هي نظام العلاقات الإنسانية، وهي التي تنسقها، وكل تنسيق لا يبنى عليها هو معول هدام، ينقض القائم، ويفسد الصالح، والعدالة الحقيقية لا تفرق بين عدو مشنوء مبغض، وولي محبوب مقرب، وذكر المؤمنين من بعد ذلك بأوقات ضعفهم، حتى لا يشتطوا في أوقات قوتهم، ومن بعد ذلك وثق الله سبحانه وتعالى هذه المبادئ الإنسانية العالية التي هي شريعة النبيين أجمعين، وإن يخالفوها ينقض بنيانهم، وتذهب وحدتهم أوزاعا; ولهذا ذكر أخذ الميثاق بها على بني إسرائيل وكيف نقضوه، فقال تعالى:

ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا الميثاق: أصله من وثق، وهي تدل على معان فيها الاطمئنان، فيقال: وثقت به، أي اطمأننت إليه، ومنها الشد، وربط شيئين، ومنه قوله تعالى: فشدوا الوثاق [محمد]، ومنها ربط الكلامين ربطا موثقا، ومنه هذه الكلمة السامية ميثاق [ ص: 2070 ] الله تعالى، وهي تتضمن معنى التشديد في العهد، لأنه مأخوذ مع الله سبحانه وتعالى، وأي عهد أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟ ويتضمن ميثاق الله تعالى معنى الاطمئنان، والثقة; لأن الاعتماد فيه على الله سبحانه وتعالى، وهو المعاذ الذي يعاذ به، ويلجأ إليه سبحانه وتعالى.

وميثاق الله تعالى الذي أخذه على بني إسرائيل هو التكليفات التي كلفهم إياها، من صلاة وزكاة، وطاعة للرسل في المنشط والمكره، والسلم والحرب، يروى في ذلك عن ابن إسحاق قال: "أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة وقال: إني كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم: إن الله يقول: إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي".

فالميثاق كما تدل الروايات يتضمن التكليفات كلها، وأخصها الجهاد، وموضوعه يبينه الله تعالى بالنص في قوله تعالى: لئن أقمتم الصلاة

ومعنى قوله تعالى: وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا أن الله سبحانه وتعالى اختار منهم اثني عشر رئيسا على حسب بطونهم، ليوقعوا الميثاق، أو ليتلقوا العهد، فالبعث أصل معناه: الإثارة ثم أطلق على الإثارة التي يتبعها فحص، ثم اختيار، والنقباء جمع نقيب، وأصل النقب: الخرق في الجدار ونحوه، ويقال: نقب عليهم صار نقيبا لهم، أي رئيسا مختارا بما يشبه الانتخاب الطبعي، أي أن رياسته بمقتضى التكوين الفطري فهو رئيس، وإن لم يعين بسلطان، ويقول ابن جرير في تفسير معنى النقيب: "النقيب في كلام العرب كالعريف على القوم غير أنه فوق العريف، يقال منه نقب على بني فلان فهو ينقب نقبا، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل قد نقب نقابة".

وفسر بعض العلماء النقيب بمعنى الأمين، وإن هذا التزامي لتفسير النقيب على النحو السابق، لأنه لا يكون له المنزلة السابقة إلا إذا كان أمينا له سابقات في [ ص: 2071 ] المكارم والمعارف والصدق والأمانة; إذ إن هذه الصفات هي أسس السيادة على الناس، والسيادة بغير ذلك تكون نوعا من العلو والجبروت، ولا تكون نقابة سامية.

ومؤدى القول أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق بالطاعة، والإذعان بما أمرهم به، وبأنه كان في سبط من أسباطهم الاثني عشر نقيب له عليهم فضل النقابة والشرف يدعوهم إلى تنفيذ ميثاق الله تعالى، والقيام على عهده، وكان ذلك لأن بني إسرائيل توالت عليهم القرون، وهم في حكم فرعون وقهره، وقد استمر العذاب والهوان، وانحلت إرادتهم وعزائمهم، وأصبحوا لا يؤمنون بفضيلة ولا عقيدة، فكان لا بد من مذكر مستمر من بينهم، ومحرض دائم منهم، ومثل من بينهم تكون عيانا مستمسكة بالخلق والدين، حتى تتربى إرادتهم، وتقوى عزائمهم، ألم تر أنهم مع إنقاذ الله تعالى لهم على يد موسى عليه السلام، وفلق البحر لهم حتى صار كل فرق كالطود العظيم، ومع توالي البينات الشاهدة المثبتة للرسالة والوحدانية قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فالحس قد استولى عليهم، والمادية قد استغرقتهم; لذلك كان مع ميثاق الله تعالى الذي واثقهم به النقباء الذين كانوا فيهم مع الرسول موسى عليه السلام، وأخيه هارون الذي شد أزره في رسالته. وفي النص الكريم إشارتان بيانيتان:

إحداهما: أن الله تعالى نسب الميثاق إليه جل جلاله بلفظ الجلالة لزيادة توثيقه، ولعظيم توكيده، ثم التفت بنسبته بعث النقباء إليه من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم العظيم; لبيان عظم مقام النقباء، فإسناد بعثهم إليه سبحانه هو الذي بينهم وهو الذي كونهم.

والإشارة الثانية يتضمنها قوله تعالى: وقال الله إني معكم وهنا كان الالتفات إلى لفظ الحاضر مرة ثانية، وذكر معية الله تعالى تفيد أمرين، أولهما: أن الله تعالى يعلم حالهم من طاعة أو عصيان علم المصاحب لهم، فإنه لا يخفى عليه أمرهم، وإنه محاسبهم على تنفيذ العهد والميثاق، وإنه سبحانه وتعالى يجزي [ ص: 2072 ] بالحسنة الحسنى وبالسيئة السوءى والأمر الثاني أنه إذا كان جهاد، فالله تعالى معهم مؤيدهم بنصره، إن اعتزموا ونصروه.

وقوله تعالى: وقال الله إني معكم ذكر القول ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى، وذلك فضل تأكيد بالمعية والمصاحبة، والمراقبة والمناصرة; لأن الله تعالى هو الذي أخبر بذلك عن نفسه.

لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا هذا بيان الميثاق الذي واثقهم الله تعالى به، وقد ذكره سبحانه وتعالى مؤكدا بالقسم فضل تأكيد، إذ إن التأكيد بالقسم تبعه لغة التأكيد باللام، والتأكيد بالنون التي تدخل هي واللام في الجواب، وهو هنا قوله تعالى: لأكفرن عنكم سيئاتكم

وقد فهم بعض المفسرين أن قوله تعالى: لئن أقمتم الصلاة داخل في مقول القول في قول الله تعالى: وقال الله إني معكم فيكون ذلك خير تأكيد للعهد بالنسبة لله تعالى، وهو جواب القسم، وعندي أن هذا النص استئناف بياني فيه بيان موضوع الميثاق، فهو عهد بين العبد وربه، كان الالتزام على بني إسرائيل، هو ما اشتمل عليه النص الكريم، وما وعد الله تعالى هو ما جاء في قوله سبحانه: لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار

والالتزام الذي أوجبه ميثاق الله تعالى عليه يتصل بتهذيب النفوس، والتعاون الاجتماعي، والجهاد والإيمان، وقد ذكره سبحانه وتعالى في خمسة أركان:

أولها: ما قاله سبحانه في صدر العهد: لئن أقمتم الصلاة فالصلاة هي الركن الأول من الميثاق الرباني الإلهي، وابتدئ بذكرها، لأنها طهارة النفوس، وتزكية القلوب، وبها تربية الضمير الذي يكون جماعة مؤتلفة، وإقامتها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتربي في النفس روح الخير، والإحساس بعظمة الله تعالى، ولا يمكن أن يكون الوفاء بالميثاق الإلهي من غير إقامة الصلاة; فإنها ركن كل دين [ ص: 2073 ] وروح التدين الصحيح وقوامه، وعبر بإقامتها دون أدائها، فقد قال: لئن أقمتم الصلاة لأن الصلاة التي تأتي بثمراتها هي الصلاة الكاملة، التي يأتي بها صاحبها مقومة غير ملتوية يتجه فيها بالنية إلى الله تعالى، ويخلص فيها، لا التي تكون رئاء الناس، أو تؤدى على وجه العادة، لا على وجه العبادة.

الركن الثاني من أركان ميثاق الله تعالى على بني إسرائيل، وهو ميثاقه على خلقه عامة لا على بني إسرائيل، هو إيتاء الزكاة، وإذا كانت الصلاة تربية القلوب وتهذيب الوجدان ليندمج المؤمن في جماعته، فالزكاة فريضة تعاونية لسد خلة الضعفاء، ولإيجاد تعاون بين الغني والفقير، فلا يكون الغني مملوء الجيب، والبطن، والفقير فارغ الجيب، أخمص البطن، فهي التعاون الكامل، وهذا يدل على أن الزكاة ليست في الإسلام فقط، بل هي في كل الأديان السماوية، وهي جزء من الميثاق الديني في كل الرسالات السماوية، فليس لأهل دين سماوي أن يفر منها باسم أنها ليست في دينه، وإذا كانت النظم تختلف أحيانا في بعض الشرائع عنها في الآخر، فالأصل ثابت وهو مشترك في الجميع، ولعل الصلاة أيضا قد تختلف أشكالها، ولكن لبها ثابت في الجميع، وليس لأهل دين أن يغير في أمر الله تعالى.

الركن الثالث: ذكره الله سبحانه وتعالى بقوله: وآمنتم برسلي والإيمان بالرسل معناه: الإذعان والتصديق، فمن ميثاق الله تعالى على بني إسرائيل وغيرهم الإيمان برسل الله تعالى بتصديقهم، والإذعان لا يدعون إليه فلا يقبلون لبعضهم البعض، ويرفضون الآخرين، فيؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض; لأن رسالة الله واحدة، ورسل الله تعالى جاؤوا جميعا بشرع واحد في أصله، وإن اختلف في بعض فروعه، وقد أضاف سبحانه وتعالى الرسل إليه، فقال: وآمنتم برسلي لتأكيد معنى رسالة هؤلاء الرسل، وللإشارة إلى أن عدم الإذعان لهم، والتصديق بهم تمرد على الله تعالى، وتكذيب، فمن يطعهم فقد أطاع الله تعالى، ومن يعصهم فقد عصاه سبحانه، فإضافة الرسل إليه سبحانه وتعالى لتعظيم شأن رسالاتهم، وبيان آثار طاعتهم ومغبة عصيانهم. [ ص: 2074 ] وقد يقال: إن الإيمان بالرسل مقدم على طلب إقامة الصلاة، وطلب إيتاء الزكاة، فلماذا أخر في الذكر عنه؟ وإن الجواب عن ذلك: أن الميثاق مفروض أنه بعد الإذعان لرسالة موسى عليه السلام، فكان أخذه ثمرة من ثمرات تلك الرسالة، فهناك إيمان ضمني مقدر في ثنايا القول، وإن لم يكن مذكورا، وإن الإيمان بالرسل المذكور من بعد هو الإيمان بالرسل الذين يجيئون من بعد موسى، كعيسى ومحمد صلى الله تعالى عليهما وسلم، حتى لا يحسبوا أن الرسالة مقصورة على موسى، وأنهم لا يؤمنون إلا بها، وأن يقولوا: أن غيرهم ليسوا على شيء فإن فعلوا يكونوا بذلك قد نقضوا الميثاق الذي واثقهم الله تعالى.

والركن الرابع من أركان ذلك الميثاق القدسي: عبر الله تعالى عنه بقوله تعالى: (وعزرتموهم) أي قويتموهم ونصرتموهم، فذلك فتح باب الجهاد الواجب لنصرة الرسل، ونصرة الحق دائما، فالتعزير هو النصر، ويطلق على العقاب المانع من الضرر، ويقول صاحب المفردات: إنها من باب واحد، فيقول في ذلك:

التعزير النصرة مع التعظيم قال تعالى: (وتعزروه) ، (وعزرتموهم) ، والتعزير ضرب دون الحد، وذلك يرجع للأول، فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة، لكن الأول نصرة بقمع ما يضره بالدفاع عنه، والثاني نصرة بقمعه عما يضره، فمن قمعته، فقد نصرته، وعلى هذا الوجه قال -صلى الله عليه وسلم-: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قال قائل: أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "كفه عن الظلم".

والخلاصة، أن التعزير في الآية النصرة مع التوقير والتعظيم، وعدم التهجم عليهم أو الاستهزاء بهم أو السخرية منهم. [ ص: 2075 ] والركن الخامس: هو ما عبر عنه الله بقوله: وأقرضتم الله قرضا حسنا والمراد من إقراض الله تعالى في هذا المقام هو الإنفاق في سبيل الله تعالى عندما تحتاج نصرة الحق إلى جهاد في سبيله، وإعطاء الضعفاء الذين هم عيال الله تعالى في هذه الأرض، فمن أعطاهم ابتغاء مرضاة الله تعالى فقد أعطى الله سبحانه وتعالى، ومن إقراض الله تعالى قرضا حسنا القيام بما طالب به من طاعات، بأداء ما عليه من واجب; لأن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاته سبحانه فكأنما أقرض الله قرضا حسنا، والله سبحانه سيضاعفه في الأداء له أضعافا كثيرة.

وهنا نجد إشارات بيانية تستوجب ذكرها إجمالا من غير تعرض لتفصيل:

الأولى: أن الله سبحانه وتعالى سمى القيام بالواجبات، والإنفاق في سبيله، وإعطاء المحتاجين - إقراضا له تعالى، وهو الغني، والناس هم الفقراء، وكانت تلك التسمية تحريضا على هذه الخيرات، وتشريفا لمقام القائم; وإعزازا لعمله، وكانت التسمية فوق ذلك تأكيدا للجزاء; لأن المقترض لا غني في الوجود سواه، فهو وحده القادر على الجزاء، وأتى تأكيدا للجزاء على الحسنة بأقوى من هذا، وقد صرح سبحانه وتعالى بمضاعفة الأداء في آية أخرى، فقال سبحانه: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون [البقرة].

الثانية: أن "قرضا" في قوله تعالى: وأقرضتم الله قرضا حسنا المراد بها العطاء; أي الشيء الذي قدمه العبد، وإن كان في إعرابه يصح أن يكون مفعولا مطلقا، ونرى أنه مفعول به .

الثالثة: أن الله تعالى وصف القرض بأنه حسن، والحسن في كل شيء يناسبه، ففي الوجوه تناسبها، وإشراقها، وفي الأشياء تناسقها وتآلفها، وفي الأعمال خلاصها من شوائب الرياء والنفاق، وهو في القرض الاتجاه به إلى الله [ ص: 2076 ] تعالى وطلب مرضاته، والشعور بالشكر له سبحانه، فهو المنعم وهو المعطي، وهو صاحب الفضل العميم.

وقد بين سبحانه بعد ذلك ما وعد به، فقال تعالت كلماته:

لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار هذا جواب القسم الذي أقسم به رب العالمين، منشئ هذا الوجود، وهو يتضمن ما وعد الله به بني إسرائيل إذا قاموا بما يوجبه الميثاق عليهم، وهو يتضمن أمرين أحدهما: غفران ما ارتكبوا من سيئات، وثانيهما: جزاء ما فعلوا من خيرات، وقد عبر سبحانه وتعالى عن الغفران بقوله: لأكفرن عنكم سيئاتكم أي لأسترن ما قدموه من أعمال هي سيئة في ذاتها، وهي سيئة لهم، ولمجتمعهم، ومعنى تكفيرها سترها، فلا تفضح بالعذاب، إذ العذاب كشف لها، وإعلام بها، والغفران ستر وغطاء، وقد أكد سبحانه الغفران بلام القسم والنون المؤكدة توكيدا شديدا.

وعبر سبحانه وتعالى عن الجزاء بقوله: ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار وأكد العطاء بمثل ما أكد الغفران، وقد قدم سبحانه الغفران على الثواب; لأن الغفران تطهير، والتطهير مقدم على غيره، أو كما يقول العلماء: "التخلية مقدمة على التحلية".

فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل أي أنه من يجحد بآياته ونعمه وآلائه وبيناته بعد ذلك الميثاق الغليظ الذي أخذ عليهم، والوعد الأكيد الذي وعدهم الله به فقد بعد عن السبيل المستوية المعبدة المسلوكة، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية بعدها، فمعنى سواء السبيل الطريق المستوية التي توصل، ومعنى ضلالها البعد، وهذا إنذار لله تعالى بعد الميثاق بأنه هو الطريق السوي، فمن حاد عنه، فقد ضل وغوى، وقد كانوا كذلك.

اللهم اهدنا، ووفقنا لاتباع سبيلك السوي، إنك الهادي والنصير.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث