الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب سجود السهو

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 516 ] و ( من سلم يريد به قطع الصلاة وعليه سهو فعليه أن يسجد للسهو ) لأن السلام غير قاطع ونيته تغيير المشروع [ ص: 517 - 518 ] فلغت .

التالي السابق


( قوله لأن هذا السلام غير قاطع ) لأنه في محله بعد القعدة فهو محلل منه ، ونيته تغيير المشروع وهو القطع ليرتب عليه ترك السجود ، والنية المجردة عن العمل غير المستحق عليه لا يؤثر إبطال ما ركنه أعمال الجوارح وهو السجود فلغت ، بخلاف نية الكفر فإنها تؤثر إبطال الإيمان والعياذ بالله تعالى ، لأن ركنه عمل الباطن فقط عند المحققين ، والإقرار إنما هو شرط إجراء الأحكام وهو فرض فيه ، وإنما قيدنا العمل بكونه غير مستحق ليندفع ما يقال هذه مقرونة بالعمل وهو التسليم هذا .

واعلم أن ما قدمناه من قولنا سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة لا يستلزم وقوعه قاطعا وإلا لم يعد إلى حرمتها ، بل الحاصل من هذا أنه إذا وقع في محله كان محللا مخرجا ، وبعد ذلك إن لم يكن عليه شيء مما يجب وقوعه في حرمة الصلاة كان قاطعا مع ذلك وإن كان ، فإن سلم ذاكرا له وهو من الواجبات فقد قطع وتقرر النقص وتعذر جبره إلا أن يكون ذلك الواجب نفس سجود السهو ، وإن كان ركنا فسدت ، وإن سلم غير ذاكر أن عليه شيئا لم يصر خارجا ، وعلى هذا تجري الفروع فلنذكر طرفا ينفع الله سبحانه به وإن شاء الله عز وجل فنقول ولا قوة إلا بالله تعالى : إذا سلم وانصرف ثم ذكر أن عليه سجدة صلبية أو سجدة تلاوة فإن كان في المسجد ولم يتكلم وجب عليه أن يأتي به ، ولو انصرف عن القبلة لأن سلامه لم يخرجه عن الصلاة ، حتى لو اقتدى به إنسان بعد هذا السلام صار داخلا ، فإن سجد سجد معه ، وإن لم يسجد فسدت صلاته إذا كان المتروك صلبية وفسدت صلاة الداخل بفسادها بعد صحة الاقتداء ووجب القضاء على الداخل حتى لو دخل في فرض رباعي متنفلا يلزمه قضاء الأربع إن كان الإمام مقيما وركعتين إن كان مسافرا ، وإن كان في الصحراء فانصرف إن جاوز الصفوف خلفه أو يمنة أو يسرة فسدت في الصلبية وتقرر النقص وعدم الجبر في التلاوية والسهوية .

وإن مشى إمامه لم يذكر في ظاهر الرواية ، وحكمه إن كان له سترة بنى ما لم يجاوزها لا إن جاوزها وإن لم تكن سترة فقيل إن مشى قدر الصفوف خلفه عاد أو أكثر امتنع البناء ، وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارا لأحد الجانبين بالآخر .

وقيل إن جاوز موضع سجوده لا يعود وهو الأصح ، لأن ذلك القدر في حكم خروجه من المسجد فكان مانعا من الاقتداء ، ولو تذكر بعد السلام من الظهر أنه ترك صلبية فقام واستقبل الظهر فصلى أربعا فسدت ، لأن نية الاستقبال لم تصح لأنه كان في الأولى فصار خالطا المكتوبة بالنافلة قبل إكمال أركانها ، وهذه نظير من صلى ركعتين من المغرب فسلم على ظن الإتمام ثم تذكر فكبر للاستقبال فصلى ثلاثا إن صلى ركعة وقعد [ ص: 517 ] قدر التشهد جازت المغرب وإلا فسدت لأن نية المغرب ثانيا لم تصح فبقي في الأولى ، فإذا صلى ركعة وقعد تمت وإلا فلا .

ولو سلم وعليه تلاوية وسهوية غير ذاكر لهما أو ذاكرا للسهو خاصة لا يعد سلامه قاطعا ، فإذا تذكر يسجد للتلاوة أولا ثم يتشهد ويسلم ثم لما قدمنا من أن سجدة التلاوة ترفع القعدة ثم يسجد للسهو ويتشهد ويسلم ، وإن سلم ذاكرا لهما أو للتلاوة خاصة كان قاطعا وسقطت عنه التلاوية والسهو لامتناع البناء بسبب الانقطاع ، إلا إذا تذكر أنه لم يتشهد على ما في فتاوى قاضي خان حيث قال : إذا سلم وهو ذاكر أن عليه سجدة التلاوة ثم تذكر أنه لم يتشهد فإنه لا يعود للتشهد ويسجد للتلاوة وصلاته تامة .

وإن سلم وعليه صلبية وسهوية غير ذاكر لهما أو ذاكرا للسهوية لم يكن سلامه قاطعا ويفعل كالأول ، وإن كان ذاكرا لهما وللصلبية خاصة فهو قاطع فتفسد صلاته ، ولو سلم وعليه صلبية وتلاوية وسهوية غير ذاكر لهن أو ذاكرا للسهوية لم يقطع ويقضي الأوليين مرتبا الأول فالأول ، وهذا يفيد وجوب النية في المقضى من السجدات ، وسنبينه في التتمة التي تقدم الوعد بها ثم يتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو ، وإن كان ذاكرا للصلبية أو التلاوية فسدت وكان سلامه قاطعا ، وهذا في الصلبية ظاهر لأنه سلم عمدا ذاكرا ركنا عليه .

وأما في التلاوية فالمذكور ظاهر الرواية . وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف لا تفسد لأن سلامه في حق الركن سلام سهو لا يوجب فساد الصلاة ، وفي حق الواجب عمد وهو لا يوجبه أيضا ، بخلاف ما إذا كان ذاكرا للصلبية دون التلاوية ودفع بأن جانب الواجب يوجب الخروج من الصلاة وجانب الركن إن لم يوجبه لا يمنع من الإخراج ، فكل سلام الأصل فيه أن يكون مخرجا لأنه جعل محللا شرعا . قال صلى الله عليه وسلم { تحليلها التسليم } ولأنه من باب الكلام على ما مر إلا أنه منع من الإخراج حالة السهو دفعا للحرج لكثرة السهو وغلبة النسيان ، ولا يكثر سلام من علم أن عليه الواجب لأن ظاهر حال المسلم أنه لا يترك الواجب فبقي مخرجا على أصل الوضع ، وإذا تمت علة الإخراج وجانب الركن غير مانع كما قلنا صار محكوما بخروجه عن الصلاة شرعا قبل إكمال الأركان فتفسد .

وما أحسن عبارة محمد رحمه الله وأخصرها حيث قال : فسدت في الوجهين لأنه لا يستطيع أن يقضي التي كان ذاكرا لها بعد التسليم ، وإذا جعلت قضاء التي كان ناسيا لها وجب أن يقضي التي كان ذاكرا لها . وإذا سلم وعليه السهو وتكبير التشريق والتلبية بأن كان محرما في أيام التشريق لا يسقط عنه ذلك كله سواء كان ذاكرا للكل أو ساهيا عن الكل ، وإذا أراد أن يؤدي يقدم بعد سجدتي السهو التكبير ثم التلبية ولو بدأ بالتلبية قبل السهو سقطت سجدتا السهو والتكبير ، ولو لبى قبل التكبير يسقط التكبير ، ولو سلم وعليه صلبية وتلاوية وسهو والتكبير والتلبية غير ذاكر لهما سجدهما على الترتيب في وجوبهما ثم يفعل الباقي ، ولو بدأ بالتلبية فسدت أو بالتكبير لا تفسد ، ويجب عليه إعادته بعد فعل هذه الأشياء ، والله سبحانه أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث