الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة الجمعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 57 ] ( ومنها الخطبة ) ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلاها بدون الخطبة في عمره ( وهي [ ص: 58 ] قبل الصلاة بعد الزوال ) به وردت السنة ( ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة ) به جرى التوارث ( ويخطب قائما على طهارة ) ; لأن القيام فيهما متوارث ، ثم هي شرط الصلاة فيستحب فيها الطهارة كالأذان [ ص: 59 ] ( ولو خطب قاعدا أو على غير طهارة جاز ) لحصول المقصود إلا أنه يكره لمخالفته التوارث وللفصل بينهما وبين الصلاة ( فإن اقتصر على ذكر الله جاز عند أبي حنيفة رحمه الله . وقالا : لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة ) ; لأن الخطبة هي الواجبة ، والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة . وقال الشافعي لا تجوز حتى يخطب خطبتين اعتبارا للمتعارف .

وله قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } من غير فصل . وعن عثمان رضي الله عنه أنه قال : [ ص: 60 ] الحمد لله فأرتج عليه فنزل وصلى .

التالي السابق


( قوله : ومن شرائطها الخطبة ) بقيد كونها بعد الزوال على ما ذكرناه ، ومن الفقه والسنة تقصيرها وتطويل الصلاة بعد اشتمالها على ما ذكرناه آنفا من الموعظة والتشهد والصلاة وكونها خطبتين . وفي البدائع : قدرهما قدر سورة من طوال المفصل إلى آخره وتقدم أيضا وجه اشتراطها ، وتعاد على وجه الأولوية لو تذكر الإمام فائتة في صلاة الجمعة ، ولو كانت الوتر حتى فسدت الجمعة لذلك فاشتغل بقضائها ، وكذا لو كان أفسد الجمعة فاحتاج إلى إعادتها أو افتتح التطوع بعد الخطبة ، وإن لم يعد الخطبة أجزأه ، وكذا إذا خطب جنبا ، ويكفي لوقوعها الشرط حضور واحد كذا في الخلاصة ، وهو خلاف ما يفيده شرح الكنز حيث قال بحضرة جماعة تنعقد بهم الجمعة وإن كانوا صما أو نياما انتهى . أما الصلاة فلا بد فيها من الثلاثة على ما يأتي .

واعلم أن الخطبة شرط الانعقاد في حق من ينشئ التحريمة للجمعة لا في حق كل من صلاها ، واشترط حضور الواحد أو الجمع ; ليتحقق معنى الخطبة ; لأنها من التسببات ، فعن هذا قالوا : لو أحدث الإمام فقدم من لم يشهدها جاز أن يصلي بهم الجمعة ; لأنه بان تحريمته على تلك المنشأة . والخطبة شرط انعقاد الجمعة في حق من ينشئ التحريمة فقط ، ألا ترى إلى صحتها من المقتدين الذين لم يشهدوا الخطبة ، فعلى هذا كان القياس فيما لو [ ص: 58 ] أفسد هذا الخليفة أن لا يجوز أن يستقبل بهم الجمعة ، لكنهم استحسنوا جواز استقباله بهم ; لأنه لما قام مقام الأول التحق به حكما ، ولو أفسد الأول استقبل بهم فكذا الثاني ، ولو كان الأول أحدث قبل الشروع فقدم من لم يشهد الخطبة لا يجوز ، ولو قدم هذا المقدم غيره ممن شهدها قيل يجوز ، وقيل لا يجوز ; لأنه ليس من أهل إقامة الجمعة بنفسه فلا يجوز منه الاستخلاف ، بخلاف ما لو قدم الأول جنبا شهدها فقدم هذا الجنب طاهرا شهدها حيث يجوز ; لأن الجنب الشاهد من أهل الإقامة بواسطة الاغتسال فيصح منه الاستخلاف ، بخلاف ما لو قدم الأول صبيا أو معتوها أو امرأة أو كافرا فقدم غيره ممن شهدها لم يجز ; لأنهم لم يصح استخلافهم فلم يصر أحدهم خليفة فلا يملك الاستخلاف ، فالمتقدم عن استخلاف أحدهم متقدم بنفسه ، ولا يجوز ذلك في الجمعة وإن جاز في غيرها من الصلوات لاشتراط إذن السلطان للمتقدم صريحا أو دلالة فيها كما قدمنا دون غيرها ، ولا دلالة إلا إذا كان المستخلف تحقق بوصف الخليفة شرعا وليس أحدهم كذلك .

أما في حق غير الكافر فلعدم الأهلية مع العجز عن اكتسابها بخلاف الجنب ، وأما في الكافر فلأن هذا من أمور الدين ، وهو يعتمد ولاية السلطنة ، ولا يجوز أن يثبت للكافر ولاية السلطنة على المسلمين ، بخلاف ما لو قدم الأول مسافرا أو عبدا حيث يجوز خلافا لزفر على ما سيأتي ، فلو لم يقدم الأول أحدا فتقدم صاحب الشرطة أو القاضي جاز ; لأن هذا من أمور العامة ، وقد قلدهما الإمام ما هو من أمور العامة فنزلا منزلته ; ولأن الحاجة إلى الإمام لدفع التنازع في التقدم وذا يحصل بتقدمهما لوجود دليل اختصاصهما من بين الناس وهو كون كل منهما نائبا للسلطان ومن عماله .

فلو قدم أحدهما رجلا شهد الخطبة جاز ; لأنه ثبت لكل منهما ولاية التقدم فله ولاية التقدم ( قوله ثم هي شرط الصلاة إلخ ) هذا صورة قياس علة الحكم في أصله كونه شرطا للصلاة لكنه مفقود في الأصل فضلا عن كونه موجودا غير علة ، إذ الأذان ليس شرطا ، فالأولى ما عينه في الكافي جامعا وهو ذكر الله في المسجد : أي في حدوده لكراهة الأذان في داخله ، ويزاد أيضا فيقال ذكر في المسجد يشترط له الوقت فتستحب الطهارة فيه وتعاد استحبابا إذا [ ص: 59 ] كان جنبا كالأذان ( قوله لحصول المقصود ) وهو الذكر والموعظة ; وهذا لأن المعقول من اشتراطها جعلها مكان الركعتين تحصيلا لفائدتها مع التخفيف حيث لم يحصل مقصودها مع الإتمام ، وقد أثر عن علي وعائشة رضي الله عنها إنما قصرت لمكان الخطبة وهذا حاصل مع القعود وما معه ; لأنها أقيمت مقام الركعتين ; ليشترط لها ما اشترط من الصلاة كما ظن الشافعي رضي الله عنه ; ألا ترى إلى عدم اشتراط الاستقبال فيها وعدم الكلام ، فعلم أن القيام فيها ; لأنه أبلغ في الإعلام إذ كان أنشر للصوت فكان مخالفته مكروها .

ودخل كعب بن عجرة المسجد يوم الجمعة وابن أم حكيم يخطب قاعدا فقال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا والله تعالى يقول : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } رواه مسلم ، ولم يحكم هو ولا غيره بفساد تلك الصلاة ، فعلم أنه ليس بشرط عندهم ( قوله : لا بد من ذكر طويل ) قيل أقله عندهما قدر التشهد قوله : وله قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } من غير فصل بين كونه ذكرا طويلا يسمى خطبة أو ذكرا لا يسمى خطبة فكان الشرط الذكر الأعم [ ص: 60 ] بالقطع ، غير أن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم اختيار أحد الفردين : أعني الذكر المسمى بالخطبة والمواظبة عليه فكان ذلك واجبا أو سنة ، لا أنه الشرط الذي لا يجزئ غيره إذ لا يكون بينا ; لعدم الإجمال في لفظ الذكر ، وقد علم وجوب تنزيل المشروعات على حسب أدلتها ، فهذا الوجه يغني عن قصة عثمان فإنها لم تعرف في كتب الحديث بل في كتب الفقه ، وهي أنه لما خطب في أول جمعة ولي الخلافة صعد المنبر فقال : الحمد لله ، فأرتج عليه ، فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وستأتيكم الخطب بعد وأستغفر الله لي ولكم ، ونزل وصلى بهم لم ينكر عليه أحد منهم ، فكان إجماعا منهم ، إما على عدم اشتراطها .

وإما على كون نحو الحمد لله ونحوها تسمى خطبة لغة وإن لم تسم به عرفا ، ولهذا { قال صلى الله عليه وسلم للذي قال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى بئس الخطيب أنت } فسماه خطيبا بهذا القدر من الكلام ، والخطاب القرآني إنما تعلقه باعتبار المفهوم اللغوي ; لأن الخطاب مع أهل تلك اللغة بلغتهم يقتضي ذلك ; ولأن هذا العرف إنما يعتبر في محاورات الناس بعضهم لبعض للدلالة على غرضهم ، فأما في أمر بين العبد وربه تعالى فيعتبر فيه حقيقة اللفظ لغة ، ثم يشترط عنده في التسبيحة والتحميدة أن تقال على قصد الخطبة ، فلو حمد لعطاس لا يجزئ عن الواجب ، ومقتضى هذا الكلام أنه لو خطب وحده من غير أن يحضره أحد أنه يجوز ، وهذا الكلام هو المعتمد لأبي حنيفة فوجب اعتبار ما يتفرغ عنه ، وفي الأصل قال فيه روايتان ، فليكن المعتبر إحداهما المتفرعة على الأخرى لا بد من حضور واحد كما قدمنا ، ولا تجزئ بحضرة النساء وحدهن وتجزئ بحضرة الرجال صم أو نيام أو لا يسمعون لبعدهم ولو عبيدا أو مسافرين .

[ فرع ] يكره للخطيب أن يتكلم في حال الخطبة للإخلال بالنظم إلا أن يكون أمرا بمعروف لقصة عمر مع عثمان وهي معروفة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث