الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ثم يهال التراب ويسنم القبر ولا يسطح ) أي لا يربع { لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تربيع القبور } ومن شاهد قبره عليه الصلاة والسلام أخبر أنه مسنم .

التالي السابق


[ تتمة ] لا يدخل أحدا من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال ولو كانوا أجانب ، لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها ، فكذا بعد موتها ، فإذا ماتت ولا محرم لها دفنها أهل الصلاح من مشايخ جيرانها ، فإن لم يكونوا فالشباب الصلحاء ، أما إن كان لها محرم ولو من رضاع أو صهرية نزل وألحدها ، ولا ينبش بعد إهالة التراب لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لعذر .

قال المصنف في التجنيس : والعذر أن الأرض مغصوبة أو يأخذها شفيع ، ولذا لم يحول كثير من الصحابة وقد دفنوا بأرض الحرب إذ لا عذر ، فإن أحب صاحب الأرض أن يسوي القبر ويزرع فوقه كان له ذلك فإن حقه في باطنها وظاهرها . فإن شاء ترك حقه في باطنها .

وإن شاء استوفاه ومن الأعذار أن يسقط في اللحد مال ثوب أو درهم لأحد . واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأرادت نقله أنه لا يسعها ذلك ، فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يلتفت إليه . ولم يعلم خلاف بين المشايخ في أنه لا ينبش وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة فلم يبيحوه لتدارك فرض لحقه يتمكن منه به ، أما إذا أرادوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين .

قال المصنف في التجنيس : لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار . وقال السرخسي : قول محمد بن سلمة ذلك دليل على أن نقله من بلد إلى بلد مكروه ، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها ، ونقل عن عائشة أنها قالت حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان مات بالشام وحمل منها : لو كان الأمر فيك إلي ما نقلتك ولدفنتك حيث مت . ثم قال المصنف في التجنيس : في النقل من بلد إلى بلد لا إثم لما نقل أن يعقوب عليه السلام مات بمصر فنقل إلى الشام ، وموسى عليه السلام نقل تابوت يوسف عليه السلام بعدما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام ليكون مع آبائه انتهى . ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا ولم تتوفر فيه شروط كونه شرعا لنا إلا أنه نقل عن سعد بن أبي وقاص أنه مات في ضيعة على أربعة فراسخ من المدينة فحمل على أعناق الرجال إليها ثم قال المصنف : وذكر أنه إذا مات في بلدة يكره نقله إلى الأخرى لأنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه وكفى بذلك كراهة . ومن حفر قبرا في مقبرة ليدفن فيه فدفن غيره لا ينبش لكن يضمن قيمة الحفر ، ولا يدفن صغير ولا كبير في البيت الذي كان فيه فإن ذلك خاص بالأنبياء بل ينقل إلى مقابر المسلمين ، ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة ، ولا يحفر قبر لدفن آخر إلا إن بلي الأول فلم يبق له إلا عظم إلا أن لا يوجد بد فيضم عظام الأول ويجعل بينهما حاجز من تراب . ومن مات في سفينة دفنوه إن أمكن الخروج إلى أرض ، وإلا ألقوه في البحر بعد الغسل والتكفين والصلاة . وعن أحمد يثقل ليرسب ، وعن الشافعية كذلك إن كان قريبا من دار الحرب ، وإلا شد بين لوحين ليقذفه البحر فيدفن ويكره الدفن في الأماكن التي تسمى فساقي والجلوس على القبر ووطؤه ، وحينئذ فما يصنعه الناس ممن دفنت

[ ص: 142 ] أقاربه ثم دفن حواليهم خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه . ويكره النوم عند القبر وقضاء الحاجة ، بل أولى وكل ما لم يعهد في السنة ، والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائما كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البقيع ويقول : { السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أسأل الله لي ولكم العافية } .

واختلف في إجلاس القارئين ليقرءوا عند القبر والمختار عدم الكراهة . وفي التجنيس من علامة النوازل امرأة حامل ماتت واضطرب في بطنها شيء وكان رأيهم أنه ولد حي شق بطنها ، فرق بين هذا وبين ما إذا ابتلع الرجل درة فمات ولم يدع مالا عليه القيمة ولا يشق بطنه لأن في المسألة الأولى إبطال حرمة الميت لصيانة حرمة الحي فيجوز .

أما في المسألة الثانية إبطال حرمة الأعلى وهو الآدمي لصيانة حرمة الأدنى وهو المال ، ولا كذلك في المسألة الأولى انتهى . وتوضيحه الاتفاق على أن حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا ، ولا يشق بطنه حيا لو ابتلعها إذا لم يخرج مع الفضلات فكذا ميتا ، بخلاف شق بطنها لإخراج الولد إذا علمت حياته . وفي الاختيار جعل عدم شق بطنه عن محمد . ثم قال : وروى الجرجاني عن أصحابنا أنه لا يشق لأن حق الآدمي مقدم على حق الله تعالى ومقدم على حق الظالم المتعدي انتهى . وهذا أولى . والجواب ما قدمنا أن ذلك الاحترام يزول بتعديه . ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام وهو خلاف الأولى ، ويكره في المسجد ، وتستحب التعزية للرجال والنساء اللاتي لا يفتن لقوله صلى الله عليه وسلم { من عزى أخاه بمصيبة كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة } وقوله صلى الله عليه وسلم { من عزى مصابا فله مثل أجره } وقوله صلى الله عليه وسلم { من عزى ثكلى كسي بردين في الجنة } ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور ، وهي بدعة مستقبحة . روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة . ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله صلى الله عليه وسلم { اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم } حسنه الترمذي وصححه الحاكم ولأنه بر ومعروف ، ويلح عليهم في الأكل لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث