الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان أحكام الوقف وما يتعلق به

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 127 ] إلا لمحجوره إذا أشهد ، وصرف الغلة له ، ولم تكن دار سكناه ، أو على وارث بمرض موته [ ص: 128 ] إلا معقبا خرج من ثلثه ; فكميراث للوارث : كثلاثة أولاد ، وأربعة أولاد أولاد وعقبه . وترك أما وزوجة ، فيدخلان فيما للأولاد وأربعة أسباعه لولد الولد : وقف ، [ ص: 129 - 130 ] وانتقض القسم بحدوث ولد لهما : كموته على الأصح .

التالي السابق


قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لا يعرف إنفاذ الحبس للصغار هاهنا إلا بحيازة الكبار ، بخلاف من حبس على ولده وهم صغار كلهم ، فإن مات كان الحبس لهم جائزا .

ابن عرفة في لغو قبض السفيه لنفسه ما حبس عليه وصحته نقل المتيطي البطلان عن وثائق الباجي والصحة عن سحنون مع الأخوين ، قال ونزلت أيام القاضي منذر بن سعيد فشاور فيها العلماء فأجمع فقهاء بلده على صحته إلا إسحاق بن إبراهيم التجيبي فأفتى ببطلانه فحكم بقول الجماعة ، وفيها من وهب لصغير هبة وجعل من يحوزها له إلى أن يبلغ وترضى حاله فتدفع إليه ويشهد له بذلك فذلك حوز كان له أب أو وصي حاضر أو لم يكن .

محمد بن القاسم لا تحوز الأم ولا غيرها صدقة على ابن أو غيره إلا أن تكون وصية من أب أو وصي ، ورواه أشهب عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنهما . اللخمي الحبس أصناف : صنف لا يصح بقاء يد المحبس عليه ولا يحتاج إلى حائز مخصوص وهي المساجد والقناطر والمواجل والآبار .

فإذا خلى بين الناس وبينه صح حبسه ( إلا ) وقفه ( لمحجوره ) أي على من هو في [ ص: 127 ] حجر الواقف من ابنه الصغير أو المجنون أو السفيه أو موصي أو مقدم عليه منهم ، فلا يبطل ببقاء يد واقفه عليه ( إذا أشهد ) الواقف على الوقف على محجوره بأن قال أشهدكم أني حبست هذا على محجوري ( و ) إذا ( صرف الغلة ) للحبس ( له ) أي في مصالح محجوره المحبس عليه من نفقته وكسوته وقضاء دينه ونحوها ( و ) إذا ( لم تكن ) الذات الموقوفة دار ( سكناه ) أي الواقف التي استمر ساكنا بها إلى موته ، فإن لم يشهد على الوقف أو لم يصرف الغلة له أو كانت دار سكناه إلى موته لم يصح حوزه له .

طفي معنى كلام المصنف ولم تكن دار سكناه التي لم يخلها إلى أن مات ولا خصوصية لدار السكنى ، بل كذلك غيرها إذا سكنها بعد تحبيسها أو ثوبا لبسه أو دابة ركبها ; لما تقدم أن ما حبس على محجوره مهما انتفع به بطل ، ولو بعد عام على المعتمد ، ولذا لم يذكر ابن الحاجب الشرط الثالث ، واقتصر على الأولين .

فيها للإمام مالك رضي الله تعالى عنه لا تكون الأم حائزة لما تصدقت أو وهبت لصغار ولدها وإن أشهدت ، بخلاف الأب إلا أن تكون وصية له أو وصية وصيه فيتم حوزها لهم ، ويحوز الأب لصغار بنيه وبالغات أبكار بناته ما وهبهم وأشهد عليه ، ولا يزول حتى يؤنس رشدهم المتيطي إن عمر المحبس على ابنه الصغير الحبس لنفسه وأدخل غلته في مصالحه ، فإن موته يبطل تحبيسه ، هذا هو المشهور المعمول به وإذا حبس على صغار ولده دارا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم ، فإن حوزه لهم حوز إلا أن يكون ساكنا فيها كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها وأما الدار الكبيرة التي سكن أقلها وأكرى لهم بقيتها فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن .

( أو ) أي وبطلان وقف ( على ) شخص ( وارث ) للواقف ( بمرض موته ) أي الواقف المخوف الموجب للحجر عليه فيبطل ويرجع ميراثا ; لأنه وصية لوارث . ابن عرفة الحبس على وارث وحده في المرض مردود كهبته له فيه . [ ص: 128 ] واستثنى من وقفه على وارثه بمرض موته مسألة معروفة بمسألة ولد الأعيان سحنون وهي من حسان المسائل قل من يعرفها فقال ( إلا ) وقفا ( معقبا ) بضم ففتح مثقلا أي وقفا على العقب والنسل بأن قال وقفت على أولادي وأولاد أولادي وعقبهم ( خرج ) الحبس المعقب باعتبار قيمته ( من ثلث ) مال ( هـ ) أي الواقف بمرض موته بأن كانت قيمته قدر الثلث أو أقل منه ; لأنه وصية . فإن زادت قيمته عليه فيعمل في قدر الثلث منه ما يعمل فيما يخرج منه فيقسم الوقف على أولاد الواقف وأولادهم فما ينوب أولاده ( ف ) هو ( كميراث للوارث ) للواقف ، سواء كان أولاده الموقوف عليهم أو غيرهم فيقسم بينهم كباقي التركة ، ومثل لها فقال ( ك ) وقفه عقارا بمرض موته على ( ثلاثة أولاد ) للواقف وهم أولاد الأعيان ( و ) على ( أربعة أولاد أولاد ) له ( وعقبه ) بفتح القاف مشددة ، أي جعل الواقف الوقف على عقبه بأن قال على أولادي وأولادهم وعقبهم ومات الواقف عن السبعة المذكورين ( وترك ) الواقف ( أما ) بضم الهمز وشد الميم له ( وزوجة ) له ( فيدخلان ) أي أم الواقف وزوجته ( فيها ) أي الأقسام الثلاثة التي تنوب أولاد الواقف من قسمة الموقوف على سبعة عدد رءوس الأولاد وأولاد الأولاد ، فللأم سدسها ، وللزوجة ثمنها ، ويقسم الباقي على الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين ، فأصلها أربعة وعشرون لاتفاق مخرجي السدس والثمن بالنصف فللأم أربعة وللزوجة ثلاثة ، والباقي سبعة عشر منكسرة على الأولاد مباينة لهم ، فتضرب الثلاثة في الأربعة والعشرين باثنين وسبعين فللأم أربعة في ثلاثة باثني عشر ، وللزوجة ثلاثة في ثلاثة بتسعة ، وللأولاد سبعة عشر في ثلاثة بأحد وخمسين .

( وأربعة أسباعه ) أي الوقف الباقية بعد أخذ أولاد الأعيان حصتهم وهي ثلاثة أسباعه وخبر أربعة أسباعه ( لولد الولد ) الأربعة ( وقف ) ابن القاسم والذكر والأنثى [ ص: 129 ] في قسم الوقف على السبعة سواء . وقال سحنون ومحمد يقسم على قدر الحاجة

ابن عرفة ، ولو حبس على وارث وغيره معه في مرض موته فهي كالمشهورة بولد الأعيان وهي ذو دار حبسها في مرض موته على ولده وعلى ولد ولده وحملها ثلثه وترك معهم أما وزوجة ، فصورها الشيخ والصقلي بأن الولد ثلاثة ، وكذلك ولد الولد فتقسم غلتها على عدد المحبس عليهم ، سمع عيسى ابن القاسم والذكر كالأنثى ، وصورها ابن شاس بأن ولد الولد أربعة .

محمد اعلم أن المسألة من المسائل التي يتسع فيها المقال ، ويتفرغ فيها السؤال ، ويدق فيها الفقه سحنون هي من حسان المسائل ، وقل من يعرفها ، أو هي في أكثر الكتب صواب ، وفي بعضها خطأ لدقة معانيها وغامض تفريعها ، فاعلم أنه لما حبس على ولده وولد ولده وحمله الثلث كان حبسا على غير وارث ، وهو ولد ولده وعلى وارث ، وهو ولده فلم نقدر على إبطال ما للولد إن شاءه بقية الورثة ; لأن فيه حقا لغير الوارث ، وهو ولد الولد وما يتناسل من الأعقاب ، فلم يكن بد من إيقاف ذلك على معاني الإحباس إلا أن ما صار منه بيد ولد الأعيان يقاسم فيه بقية الورثة من أم وزوجة وغيرهم إن لم يجيزوا فيدخلون في تلك المنافع ، إذ { لا وصية لوارث } .

ابن شاس وما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس . ابن يونس عن سحنون وابن المواز يقسم بين الأولاد وأولاد الأولاد بالسوية إذا كانت حالتهم واحدة ، وإلا فعلى قدر الحاجة . ابن القاسم الذكر والأنثى فيه سواء . في البيان ، وهو المشهور . طفي أي قول سحنون ومحمد وذلك أن ابن القاسم قال في سماع عيسى يقسم بين أعيان الولد وولد الولد ذكرهم وأنثاهم على عددهم للذكر مثل حظي الأنثى ، فقال ابن رشد : يقسم الحبس بينهم أسباعا إن استوت حالتهم على المشهور من مذهب ابن القاسم ، أو استوت أو لم تستو على ظاهر هذه الرواية ، وهو مذهب ابن الماجشون . ابن رشد وقول سحنون هو الصواب أن ينظر كم ولده وكم ولد ولده ، فإن كان ولده ثلاثة وولد ولده ثلاثة أيضا وحالهم واحد قسم الحبس على ستة أسهم فقيل إنه تفسير لقول ابن القاسم ، وقيل إنه [ ص: 130 ] خلاف له إذ قال يقسم على عددهم ولم يشترط تساوي أحوالهم ، وقد قيل إن ابن القاسم فرق في التحبيس في المرض لكونه بمعنى الوصية ، فرأى أن لا يفضل فقيرهم على غنيهم ، بخلاف من حبس في صحته .

واتفق ابن القاسم وسحنون على أن لا يفضل الولد في هذه المسألة على ولد الولد ، وهذا خلاف ما في المدونة من قول ابن القاسم ، وروايته عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنهما . ابن عرفة في قسمه بالسوية مطلقا وإن استوت حالتهم نقل ابن رشد عن ظاهر سماع عيسى . ابن القاسم مع ابن الماجشون ومشهور قول ابن القاسم . ا هـ . هذا تحرير النقل في المسألة والله الموفق .

( وانتقض القسم ) للوقف على الأولاد وأولاد الأولاد السبعة ( ب ) سبب ( حدوث ولد لهما ) أي الأولاد وأولاد الأولاد اتفاقا ، سواء كان من جانب أو من جانبين ، وتصير القسمة في الأول على ثمانية ، وفي الثاني على تسعة ، وكذا إن حدث أكثر . وشبه في النقض فقال ( كموته ) أي واحد من أحد الجانبين فأكثر فينتقض القسم ويقسم على ستة ( على الأصح ) من الخلاف عند بعض المتأخرين غير الأربعة الذين قدمهم المصنف ، فإن كان من ولد الأعيان أخذ ولد الولد ثلثي الستة والباقيان من ولد الأعيان الثلث وقسما على ورثة الواقف ، فتأخذ أمه سدسهما وزوجته ثمنهما ، ويقسم باقي السهمين على ثلاثة للولدين الباقيين سهمان ويحيا الميت بالذكر ، وما نابه فلورثته أيا كانوا على الفرائض موقوفا بأيديهم وتدخل فيه زوجة الواقف إن كانت أمه . ابن يونس فيصير بيد ولد الولد نصيب بمعنى الوقف من جده في القسم الأول والثاني ، ونصيب بمعنى الميراث من أبيه ، وكذا ينتقض القسم لو مات ثان فيقسم على خمسة . وإن مات الثالث صار الجميع لولد الولد حبسا وإن كان الميت من ولد الولد صار لولد الأعيان النصف ، ولولد الولد النصف .

ابن يونس اختلف إن مات واحد من ولد الأعيان ، فقال ابن القاسم وابن المواز وسحنون ينتقض القسم كما ينتقض لحدوث ولد لولد الأعيان أو لولد الولد ، ويقسم جميع [ ص: 131 ] الحبس على عدد بقية الولد وولد الولد ، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس ، وما صار لولد الأعيان فيأخذ الحيان سهميهما وورثة الميت منهم سهمه تدخل فيه أمه وزوجته إن كان له زوجة وولده ، وهو أحد ولد الولد ، فيصير لولد هذا الميت نصيب بمعنى الحبس من جده في القسم الأول والثاني ونصيب بمعنى الميراث ، وعلى ما روى عيسى عن ابن القاسم لا ينتقض القسم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث